بينما كان أفالكين يتجه إلى غرفة نومه بعد الانتهاء من الأعمال المتراكمة، لاحظ ضوءًا برتقاليًا يتسرب من النافذة الصغيرة للبرج الغربي، فتوقف.
أخرج ساعته بشكلٍ غريزي، فوجدها الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
ليس من الطبيعي أن يكون شخص في غرفة تحتوي فقط على سرير مستيقظًا حتى هذه الساعة.
“ربّما عوامل نفسية تمنعها من النوم.”
كان هذا استنتاجًا منطقيًا.
نظرًا لأن إرهاق جسد فيلاكشينا قد تم شفاؤه تمامًا بسحر اليونيكورن الذي ألقاه أفالكين، فإذا كان هناك شيء يزعجها الآن، فمن المحتمل أن يكون سببًا نفسيًا.
“إنها بحاجة إلى مشروب دافئ.”
دون تفكير طويل، توجه أفالكين إلى المطبخ.
كان ينوي أن يأمر إحدى الخادمات بتحضير مشروب يساعد فيلاكشينا على النوم و إيصاله إلى البرج الغربي.
“همم.”
نظر إلى الموقد البارد و أصدر أفالكين صوتًا صغيرًا من الاستياء.
للأسف، لم تكن هناك خادمة واحدة تعمل في المطبخ في الثانية صباحًا.
“هذا محرج.”
عند التفكير، لم يكن الأمر غريبًا.
بسبب طبيعة إقليم يشكين، حيث تشرق الشمس متأخرة، تبدأ ساعات العمل الرسمية للعاملين في القلعة في السابعة صباحًا.
حتّى الأكثر نشاطًا لن يظهر قبل السادسة.
في هذه المرحلة، كان بإمكان أفالكين التخلي عن فكرة تحضير المشروب.
لم تطلب فيلاكشينا ذلك على أي حال.
“……”
لكن أفالكين اختار أن يملأ الإبريق بالماء و يضعه على الموقد.
بعد وقت قصير، بدأ صوت غليان الماء يملأ المطبخ بروح دافئة.
مزيج من الروم شبه الفارغ، و الزبدة، و مكعب سكر، تمّ خلطهم كما لو كانوا يعجنون، ثم تمّ تخفيفهم بكمية مناسبة من الماء المغلي لصنع مشروب “هوت باتر روم”.
مشروب ساخن، دسم، و حلو، يحبه كل جندي في يشكين يعاني من البرد القارس.
“لا أعرف إذا كان سيروق لها.”
بعد تحضيره، أدرك أفالكين أن هذا المشروب قد لا يكون مفضلاً لدى نساء الجنوب، لكنه لم يعرف طريقة تحضير مشروب آخر على أي حال.
ألقى أفالكين تعويذة للحفاظ على حرارة المشروب و غادر المطبخ. كان الضوء الأحمر لا يزال يتسرب من البرج الغربي.
“نعم، مقزز جدًا. أفضل الموت. لا أعتقد أنني أستطيع الوقوف إلى جانب وغد مثلكَ في حفل زفاف.”
عبدة بدون أدنى تعاون، تنطق بكلمات لاذعة كما لو كانت شفتيها مغمستين بالسم، و تقول إن الموت أفضل من الزواج منه.
لماذا يحضر مشروبًا لمثل هذه المرأة؟
أطلق أفالكين تنهيدة صغيرة.
“…لكن لا خيار آخر.”
من أجل أن يظهر لهذه المرأة، التي لا تملك أي مهارة في تقييم الرجال، كيف يكون الرجل الجيد حقًا، كان عليه أن يقدم بعض التلميحات.
* * *
طق طق.
“آه!”
بينما كانت فيلاكشينا، ملفوفة بالبطانية و تعانق مصباح الزيت الصغير و هي تغفو، استيقظت فجأة على صوت طرقٍ مفاجئ.
“مَن؟”
كان الجو لا يزال مظلمًا، مما يعني أنها ليست إنغريد أو الخادمات الأخريات. لقد قلن إنهن سيعدن بعد الفجر.
إذن مَنٔ يكون؟
في هذه الليلة المظلمة، مَنٔ الذي جاء لزيارتها و هي محبوسة لوحدها في البرج، بينما كانت ترتجف من البرد و تنام نومًا متقطعًا؟
على الرّغم من هذه التساؤلات، لم تستطع فيلاكشينا مواصلة التفكير في الزائر الليلي.
عندما نهضت من النوم دون تفكير، انزلق مصباح الزيت من يدها، و سقط على السرير.
“آآآه!”
مذعورًا من الصرخة الحادة التي اخترقت الجدران، فتح أفالكين الباب دون تردّد.
لكنه صُدم من المشهد أمامه.
“هذه المرأة المجنونة!”
كان الزيت المتسرب من المصباح المقلوب يغذي النيران التي انتقلت إلى مرتبة السرير، و كانت النيران تنتشر بسرعة، بينما كانت المرأة جالسة على مقربة، مغطاة ببطانية قابلة للاشتعال، و تحاول إطفاء النار بوسادة.
“ابتعدي فورًا!”
عند صراخ أفالكين، ألقت فيلاكشينا بنفسها جانبًا دون تفكير.
ثم قام أفالكين بتكثيف سحر الجليد في قبضته ككرة و ألقاها في وسط النيران.
بدأت النيران تهدأ بسرعة عندما تجمدت المرتبة، مصدر النار، مع أصوات تكسّر الجليد.
“ها… ها…”
لم تستطع فيلاكشينا، التي شاهدت هذا، سوى تهدئة قلبها المذعور.
“وضعتكِ في غرفة بدون نوافذ خوفًا من أن تقفزي إلى حتفكِ، و الآن قررتِ أن تحترقي؟ هاه؟”
قام أفالكين بتوبيخ فيلاكشينا بنبرة مليئة بالغضب و الانزعاج، مع لمحة من القلق.
“ليس كذلك!”
شعرت فيلاكشينا ببعض الظلم، لكن بما أنها كادت تتسبب في حريق، لم تستطع الرد بقوة، فأجابت بهدوء:
“كنت… أشعر بالبرد…”
عند سماع ذلك، لم يجد أفالكين كلامًا ليقوله.
لاحظ أخيرًا الرماد على وجه فيلاكشينا، التي كانت تعض شفتها السفلى و تقاوم، و البطانية التي تلفها حولها كدودة.
“اللعنة. هذا خطأي.”
كان يجب أن يستمع إلى تحذير إنغريد.
ليلة يشكين، خاصة في الطابق العلوي من برج بدون مدفأة، كانت أبرد مما تستطيع فيلاكشينا تحمله.
بسبب قلة اهتمام أفالكين، كانت هذه المرأة الجنوبية المسكينة ترتجف طوال الليل، متعانقة مع مصباح زيت صغير.
“شكرًا.”
بينما كان أفالكين يلوم نفسه، قالت فيلاكشينا:
“لا أعرف كيف جئت في الوقت المناسب… لكن لولاك، لكنتُ احترقت حقًا. سأعوض عن الأغراض التي احترقت لاحقًا. رغم أنني لا أملك المال الآن…”
“هل تنوين قتلي بالشعور بالذنب هذه المرة؟”
“ماذا؟”
أدار أفالكين رأسه، غير قادر على مواجهة نظرات فيلاكشينا المحتارة، و أطلق تنهيدة.
“لا داعي للتعويض. لا تهتمي بذلك. و…”
توقف أفالكين عندما وقعت عيناه على الكوب على الطاولة الجانبية.
كان مشروب “هوت باتر روم” الذي حضره بنفسه لفيلاكشينا.
أمسك أفالكين بالكوب و مدّه إليها فجأة، و قال:
“خذي هذا، و ارتدي هذا، و اتبعيني.”
أمسكت بيلاكشينا بمشروب الروم الدافئ، الذي حافظ على حرارته بسحر، و وضعت معطف أفالكين على كتفيها.
كان المعطف واسعًا جدًا عند الكتفين، كما لو كانت ترتدي درعًا.
“إلى أين نذهب؟”
“هل تعتقدين أنكِ تستطيعين النوم هنا؟”
نظرت فيلاكشينا حول الغرفة و هزت رأسها.
لا يمكنها النوم في غرفة نصفها محترق و نصفها متجمد.
“لا يوجد أحد يعمل في هذا الوقت.”
قال أفالكين.
“لذا، حتّى لو كان الأمر غير مريح قليلاً، نامي في غرفة نومي.”
“أنام في غرفة نومك؟”
شعر أفالكين بنبرةٍ حذرة في صوت فيلاكشينا، فردّ بانزعاج:
“لا داعي للقلق، لن ألمسكِ قبل حفل الزفاف. و على أي حال، امرأة مغطاة بالرماد ليست من نوعي.”
“لم أكن قلقة بشأن ذلك.”
تجنبت فيلاكشينا الرد.
ثم، لتغيير الموضوع بسلاسة، رفعت كوب المشروب الذي تلقته و سألت:
“ما هذا؟”
“كحول.”
“…؟ حسنًا، لا بأس.”
دارت في ذهن فيلاكشينا أسئلة مثل: “لماذا جئت إلى غرفتي مع كأس من الكحول؟”، “لماذا يجب أن أحمل مشروبك؟”، “ألا تملك يدين أو قدمين؟”، لكنها قررت تجاهلها.
لقد أطفأ النار، فحمل كوب واحد من أجله ليس بالأمر الكبير.
“أحضرته لكِ لتشربيه.”
عندما رأى أفالكين فيلاكشينا تمسك الكوب كما لو كان عقابًا، قال:
“إذا لم ترغبي، اتركيه.”
“لم أقل ذلك.”
عندما حاول أفالكين أخذ الكوب بحرج، سحبت فيلاكشينا الكوب بسرعة و وضعته على شفتيها.
مع الدفء، تصاعد بخار أبيض ناعم.
اختلطت رائحة السكر و الزبدة الحلوة و الناعمة مع الروم الحار، مما خلق جوًا مريحًا.
مع نصف رشفة، شعرت بالكحول في الروم يتدفق في حلقها مع الحرارة.
“يبدو أن جسدي أصبح اكثر دفئًا”
عندما ابتلعت رشفة أكبر بجرأة، شعرت بحرارة مثل نار مائية تدفئ معدتها، مما خفف من توتر أعصابها.
“هل هو لذيذ؟”
سأل أفالكين بنبرةٍ تحمل قليلاً من القلق، لكنها لا تزال جافة.
أدركت فيلاكشينا أن زاوية فمها كادت ترتفع، فعضت شفتيها بسرعة و أصدرت سعالاً مزيفا.
“هممم. ليس سيئًا.”
“إذن، هذا يكفي.”
لم يتبادلا أي كلام أثناء سيرهما إلى غرفة النوم بعد ذلك.
لكن من الصعب إنكار أن هناك شعورًا غريبًا و دغدغة بينهما.
لكن هذه الرقة الغريبة، التي لا تناسب رجل الشمال، ربّما كانت مجرّد سوء فهم ناتج عن كوب خمر دافئ، لذا وضعت فيلاكشينا هذه المشاعر جانبًا.
“من الأفضل أن تغيري ملابسكِ.”
عندما وصلا إلى غرفة النوم، أزال أفالكين معطفه عن كتفي فيلاكشينا و قال:
ليس من المناسب النوم على السرير بملابس محترقة و ملطخة بالرماد.
“سأعيركِ ملابس نومي. قد تكون كبيرة بعض الشيء.”
“هي مغسولة، أليس كذلك؟”
“توقفي عن التفوه بكلام غبي و ارتديها.”
تجاهل أفالكين كلام فيلاكشينا الساخر بلا مبالاة و ناولها الملابس.
بالنظر إلى حجم المعطف، كان من الواضح أنها ستكون كبيرة جدًا.
أمسكت فيلاكشينا بالقميص فقط و قالت:
“لا أحتاج إلى السروال. القميص وحده سيصل إلى ركبتي على أي حال.”
“هذا جيد.”
“ما الجيد في ذلك؟”
عندما وضع أفالكين السروال جانبًا بسهولة، سارت فيلاكشينا بتردد إلى خلف الحاجز.
عندما رأت إبريقًا مملوءًا بالماء البارد النقي و منشفة نظيفة، افترضت أنها مُعدّة لغسل وجه أفالكين في الصباح.
“سأستخدم المنشفة.”
“كما تشائين.”
بعد الحصول على الإذن بسهولة، بللت فيلاكشينا المنشفة و مسحت وجهها و جسدها الملطخ بالرماد، ثم ارتدت قميص أفالكين و خرجت من خلف الحاجز.
التعليقات لهذا الفصل " 13"