البرج الغربي، الذي عيّنه أفالكين كغرفة نوم لفيلاكشينا، كان يحتوي على غرفة واحدة فقط.
باب خشبي ثقيل بقوس مدبب، يتم الوصول إليه بعد الصعود عبر السلالم الحلزونية على طول جدار القلعة الفارغ.
عند فتح هذا الباب، يظهر فضاء دائري فارغ تمامًا.
“هل هو سجن؟”
“غرفة نوم.”
هذا ما قالته الجدة إنغريد، لكن حتى هي لم تبدُ مقتنعة تمامًا بكلامها.
لأن غرفة النوم عادةً ما تحتوي على سرير.
“سننتهي من التنظيف أولاً، ثم نجلب الأثاث. سنضع سجادة أيضًا. أما الستائر… لا أعتقد أنها ضرورية.”
وافقت فيلاكشينا على كلام إنغريد.
لم يكن هناك نافذة كبيرة تتطلب ستائر.
فقط نافذة صغيرة بحجم كفيّ اليد، تقع على ارتفاع يمكن لأطراف أصابعها أن تصله إذا وقفت على أطراف قدميها، و تطل على الغرب.
“النوافذ عادةً تكون متجهة نحو الجنوب.”
“إنه البرج الغربي.”
هل تعتقد أن هذا جواب؟
الشيء الأكيد هو أن الغرض من هذا البرج، حتى لو نظرنا إليه بأفضل النوايا، هو الحبس.
لا يمكن اعتباره مساحة صالحة للعيش.
“هل يظل السيد منزعجًا لفترة طويلة عندما يغضب؟”
“هكذا هو عادةً. عندما يغلق فمه بنزق، لا يستمع إلى أي أحد مهما قيل له. لكن بعد مرور هذه الفترة، يمكن تهدئته إلى حد ما. إذا اتحد الجميع في انتقاده، غالبًا ما يغير رأيه.”
“هذا مريح إلى حدٍّ ما.”
وقفت فيلاكشينا وحيدة في الغرفة التي لا تحتوي على مكان للجلوس، و هي تراقب الخادمات و هن ينظفن الغرفة.
كانت الخادمات، المسكينات، سيواجهن صعوبة كبيرة أثناء إقامة فيلاكشينا هنا.
سيضطررن لصعود و نزول السلالم حاملات الطعام و الشراب، و حتّى مياه الاستحمام.
“كم من الوقت سيستغرق؟”
فكرت إنغريد للحظة قبل أن تجيب على سؤال فيلاكشينا.
“هل أصدر السيد أصوات زئير عندما غضب؟”
“حسب ما سمعته، يمكن أن يُفسر كذلك.”
“إذن، سيستغرق الأمر أسبوعًا على الأقل.”
يا له من شخص بخيل.
عبست فيلاكشينا و هي تشبك شفتيها.
“إذا كتبتِ رسالة، قد نتمكن من تسريع الأمور قليلاً.”
“رسالة؟”
“نوع من رسالة التوبة، إذا جاز التعبير.”
تجهّم وجه فيلاكشينا عند اقتراح إنغريد.
“لن أفعل ذلك.”
أجابت فيلاكشينا بحزم.
بمجرّد التخطيط لجعل طفل عشيقته وريثًا و تجاهل شريكة الزواج، كان أفالكين بالفعل خائنًا للإمبراطورية و عدوًا للنساء.
“ليس لدي ما أتوب عنه، لذا لا يمكنني كتابة رسالة توبة.”
“حقًا؟”
نعم.
من المناسب و الصحيح التعبير أن فيلاكشينا، الشريرة، انتقذت أفالكين، الشرير الأكبر. إذن، ليس هناك داعٍ لطلب العفو برسالة توبة تافهة!
“…همم؟”
فجأة، شعرت أن هناك شيئًا لا يتطابق.
ألم يقل أفالكين سابقًا بوضوح:
“النوم معي، الحمل، و الإنجاب. هذا هو غرضكِ.”
‘هذا يعني أنه يتوقع مني إنتاج وريث’
إذا كان لديه بالفعل طفل يخطط لجعله وريثًا، فلماذا يحتاج إلى إنجاب نسل من خلالها؟
“هم؟ همم؟”
بينما كانت تكافح مع هذا اللغز الذي لا يُحل، عانقت فيلاكشينا ذراعيها و أمالت رأسها مرتبكة.
“سيدتي، هل تشعرين بأي إزعاج؟”
“هاه؟ آه… لا، أنا بخير.”
نظرت العحوز إنغريد إلى تعبير فيلاكشينا بعناية ثم اقترحت بحذر:
“إذا كانت رسالة التوبة تزعجكِ، يمكنكِ عدم كتابتها. لكن، إن أمكن، هل يمكنكِ التعاون معنا؟”
“ماذا تعنين؟”
“إذا خلقنا جوًا يجعل السيد يشعر بعدم الراحة، قد يكون ذلك مفيدًا.”
إذا كان الأمر كذلك، فلا بأس.
“افعلي ما تشائين. سأنام الآن.”
سمحت فيلاكشينا بسهولة لإنغريد أن تفعل ما تريد.
بالطبع، لم تتخيل أبدًا العواقب التي قد تنجم عن هذا القرار البسيط.
“حسنًا. إذن، تصبحين على خير.”
ابتسمت إنغريد بمكر و أخذت جميع الخادمات و غادرت البرج، تاركةً وعدًا بالعودة قبل الفجر.
* * *
“حتى لو كان الأمر كذلك، لا يوجد حتّى حبل لاستدعاء الخادمات، و لا حتّى جرس يدوي عادي.”
لم يكن هناك خيار آخر.
في البرج الغربي، لم تكن هناك أي غرفة أخرى يمكن أن تقيم فيها الخادمات.
حتى لو نادت فيلاكشينا، لن يتمكن أحد من الحضور، و على أي حال، كانت ستنام لبضع ساعات، فلن تحتاج إلى استدعاء أحد.
أو هكذا ظنت.
“…بارد!”
التفت فيلاكشينا ببطانية من الفرو بإحكام حول جسدها، متكورة مثل دودة القز.
كيف يمكن أن يكون البرد شديدًا إلى هذا الحد؟
إنه برد لا يُعقل.
“كان النوم في العراء في غابة بلاكوود أكثر دفئًا!”
كان ذلكَ بسبب سحر اليونيكورن الذي ألقاه أفالكين.
لكن فيلاكشينا، التي لم تكن تعرف ذلك، بدأت تشك بأن أفالكين ربما ألقى سحر الجليد على البرج الغربي ليضايقها عمدًا.
“لا يمكنني أن أتجمد حتى الموت هكذا.”
ارتجفت فيلاكشينا و هي تنهض من السرير و هي في حالة تشبه الدودة.
في غرفة بدون مدفأة، و مع مصباح زيت بحجم كف اليد كمصدر حرارة وحيد، كانت الخيارات محدودة، لكنها لم تستطع الجلوس ساكنة و تتجمد.
“سأخرج كل الفساتين من الخزانة و أغطي نفسي بها.”
مع هذه الفكرة، فتحت فيلاكشينا الخزانة، لكن وجهها غمرته خيبة الأمل.
كانت فارغة تمامًا.
“قالوا إنهم سيصلحونها…!”
تذكرت فيلاكشينا أليسيا و هي تتباهى قائلة: “اتركي الأمر لنا، سيدتي! غدًا ستتمكنين من ارتداء كل ملابسك براحة!”، ثم انهارت جالسة.
و في تلك اللحظة.
“آه! ما هذا؟”
عبست فيلاكشينا و هي تشعر و كأن ركبتها اصطدمت بشيء صلب على الأرض.
أخرجت يدها من تحت البطانية بغضب لتتحقق مما كان تحتها.
“كتاب…؟”
كان أمرًا غريبًا.
كانت متأكدة أنها رأت الخادمات يضعن السجادة و يجلبن الأثاث واحدًا تلو الآخر، و لم يكن هناك أي كتاب بينها.
“هل تركه أحدهم عمدًا؟”
إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون هناك نية مهمة وراءه.
شعرت فيلاكشينا بشيء غير عادي، فأشعلت المصباح على الطاولة الجانبية و بدأت تتفحص الكتاب بعناية.
“غلاف جلدي، و حواف معدنية.”
بدا مألوفًا بطريقةٍ ما، لكنها لم تستطع تذكر شيء محدد، مما جعلها تشعر بشيء من القلق.
فتحت الكتاب دون تردد، لكنها أمالت رأسها بدهشة.
“لا يوجد محتوى.”
كانت تتوقع رسالة أو رمزًا مشفرًا.
شعرت فيلاكشينا بخيبة أمل، فشبكت شفتيها و تمتمت:
“همف. مهمل. يبدو أن أحدهم أسقطه عن طريق الخطأ.”
مع فقدان الاهتمام، عاد البرد يهاجمها، فارتجف جسدها.
من حسن الحظ أن لديها على الأقل مصباح الزيت.
فكرت فيلاكشينا و هي تمسك أنبوب الزجاج المحيط باللهب البرتقالي الصغير بكلتا يديها.
كانت ليلة طويلة بشكلٍ استثنائي.
* * *
“سيدتي ستصاب بنزلة برد.”
قالت العجوز إنغريد بحزم.
لم يرفع أفالكين عينيه عن الأوراق، و كأن غضبه لم يهدأ بعد، و قال:
“دعيها تأخذ حمامًا ساخنًا.”
“سيدي.”
وبّخت إنغريد أفالكين بنبرةٍ كانت تستخدمها معه عندما كان يعاند في طفولته.
“ألا تعلم كم هو أن البرج الغربي معزول؟ حتّى لو غلي الماء، سيكون قد برد بحلول الوقت الذي يصل فيه إلى هناك عبر السلالم. في المقام الأول، من غير المعقول وضع السيدة في غرفة بدون مدفأة أو نافذة.”
لهذا السبب، أظهر أفالكين تعبيرًا يقول “ها قد بدأت مجددًا”.
“غرفة فيلاكشينا أوتفيان هي المناسبة تمامًا.”
أخيرًا، رفع أفالكين عينيه عن الأوراق و نظر إلى إنغريد بنظرةٍ لم تخف فيها نبرة الغضب، و قال:
“لقد سمعتِ عند الباب، أليس كذلك؟ قالت إنها تفضل الموت على أن تكون شريكتي. لذا، لا يمكنني وضعها في غرفة بنافذة.”
فجأة، فتحت إنغريد عينيها على مصراعيهما كما لو أنها أدركت شيئًا، و سألت:
“هل تعتقد أن السيدة ستقفز من النافذة؟”
“لديها سجل بذلك.”
ألقى أفالكين بالقلم الريشة في زجاجة الحبر كما لو كان يطعنها، و أطلق تنهيدة طويلة.
“فيلاكشينا أوتفيان قفزت بسهولة من عربة متحركة بنية إهدار مليون ذهبية تخصني. لا يمكنني الاستهانة بها.”
“هذا ليس السّبب الذي جعلكَ تعطيها غرفة في البرج الغربي، أليس كذلك؟”
“و هل هناك سبب آخر؟”
فتحت إنغريد فمها بدهشة، كما لو أنها لا تصدق.
لن يكون من المنطقي إخبار أفالكين الآن أن “الحبس في برج بدون نوافذ” يُعتبر سجنًا و ليس حماية.
“على أي حال، ستصاب بنزلة برد.”
“أرسلي طبيبًا.”
“الطبيب يستطيع التعامل فقط مع المرضى. يجب أن نعتني بها قبل أن تمرض! خاصة أنها من أوديفيرتي!”
نظر أفالكين إلى إنغريد بمفاجأة.
“هل تحدثتما عن هذا بالفعل؟”
“حدث ذلكَ بالصدفة. لكن، أليس أوديفيرتي إقليمًا في جنوب القارة؟ شتاء أوديفيرتي أدفأ من صيف يشكين. لا يمكنك الاستمرار في إبقائها في البرج الغربي! ستمرض!”
وضعت إنغريد يديها على خصرها و تحدثت بحزم، بموقف لا يقبل التفاوض.
“أوديفيرتي منطقة جبلية، لذا حتى لو كانت في الجنوب، فهي ليست دافئة جدًا، و فيلاكشينا أوتفيان ربّما قضت معظم حياتها في العاصمة.”
و مع ذلك، مناخ يشكين ليس بالهيّن.
على الرغم من أنها عنيدة، إلا أن جسدها هش.
“لا أنوي إبقائها في البرج الغربي إلى الأبد. سأعطيها يومًا ما غرفة تليق بسيدة القلعة.”
“و متى سيكون ذلك؟”
“عندما تدرك أن الزواج مني أفضل من الموت.”
عند سماع إجابة أفالكين، خففت إنغريد من قوتها و جعلت يديها بأدب أمامها.
ثم قالت بلطف بدعم:
“سيأتي ذلك اليوم بالتأكيد…”
أفالكين لديه شخصية تُساء فهمها بسهولة.
ليس لديه مهارة في الحديث، و لا يعرف كيف يتفاوض.
إنه صارم في المبادئ و لا يميز بين الناس أو يراعي ظروفهم.
التعليقات لهذا الفصل " 12"