“ألا يمكنكَ أن تتركني أتناول وجبة واحدة على الأقل براحة بال؟”
أمسكت أطراف أصابع فيلاكشينا، الموضوعة بعناية على ركبتيها، طرف فستانها بقوة.
كانت كلمة “الغرض” التي نطـقَ بها أفالكين تحمل معنى معينًا.
معنى محدّد جدًا يُستخدم فقط بين فيلاكشينا و أفالكين.
“الموارد نادرة في هذه المنطقة.”
كان يعني أنه لا يرغب حتى في تقديم وجبة واحدة لعبدة لا تفـي بغرضها.
لديه شخصية بخيلة بالنّسبة لكونه سيّدًا من الحدود.
“ماذا لو رفضتُ هذا ‘الغرض’؟”
“إن أمكن، لا أريد قتلكِ. سأخسر 10 ألاف قطعة ذهبية.”
كلام لا يمكن أن يقوله إلا شخص يرى فيلاكشينا كمجرّد سلعة.
كان شعورًا مقززًا، لكنه لم يكن مفاجئًا.
كان أفالكين هكذا دائمًا، و فيلاكشينا اعتادت على هذا النوع من المعاملة خلال الشهر الماضي.
“ماذا لو استطعتُ سداد الـ 10 آلاف قطعة ذهبية؟”
ارتفع حاجب أفالكين قليلاً. يبدو أن هذا أثار اهتمامه.
“بأي وسيلة؟”
“مقبرة عائلة أوتفيان. هناك كنوز ثمينة مدفونة بكميات هائلة.”
كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة، جلست فيلاكشينا بشكلٍ مستقيم و قالت بنبرة جادة:
“سأعطيكَ عُشرها مقابل حريتي. أعتقد أنها صفقة جيدة.”
فكّر أفالكين في كلام فيلاكشينا للحظة ثم أجاب:
“أرفض.”
“لماذا؟!”
“ظننتُ أن سياستكِ هي استخدام لغة محترمة.”
كان ذلكَ صحيحًا.
كان من مصلحتها أن تظهر بمظهر جيد أمام أفالكين، كونها في موقف الطّرف الضعيف الذي يتوسل للتفاوض.
علاوةً على ذلك، كانت فيلاكشينا شديدة التّسلط مع مَـنْ هم أدنى منها، لكنها كانت تحترم التسلسل الهرمي بشكلٍ صارم مع مَـنْ هم أعلى منها، على الرغم من قلة عددهم.
“لماذا…؟”
“لديّ سببان.”
أشار أفالكين بإصبعين مرفوعين.
يمكنني عـدّ الرقم اثنين، لكن طريقته جعلتني أشعر و كأنني غبية.
“أولاً، لا يمكنني تصديق ادعائكِ هذا. لو كان لديكِ هذا المال منذُ البداية، لكنتِ فعلتِ شيئًا قبل أن تُباعي كعبدة. ربّما اشتريتِ لقب نبيلة متدهورة لتزييف هويتكِ، أو عشتِ كمواطنة ثرية بسهولة. لكن، بناءً على ما أعرفه عن شخصيتكِ، أعتقد أنكِ كنتِ ستستخدمينه كتمويل للانتقام من العائلة الإمبراطورية.”
إجابة صحيحة.
كانت فيلاكشينا تخطط للانتقام بمجرّد اكتشافها للغرفة المخفية في المقبرة.
لو لم يكن “إخوة الظل المرتبطون بالدم” ينتظرونها خارج المقبرة، لكانت الآن زعيمة عصابة متمردة.
“كانت هناك ظروف.”
اعترفت فيلاكشينا بصدق.
“أصبحتُ عبدة قبل أن أتمكن من تأمين الكنوز الكافية. لكنني رأيتُ الأغراض بعينيّ، وهي سليمة. إذا كنتَ لا تزال تشك في كلامي، يمكننا الذهاب معًا للتأكد بنفسكَ. لكنكَ لن تحصل إلا على العُشر فقط.”
“…..”
“إذا كان ذلكَ صحيحًا، ألا يعني أن اصطحابي خطأ؟”
هناك مقولة تقول إن رؤية الكنز تولّد الجشع.
حتى الشخص الذي لم يكن لديه جشع قد يصبح عبدًا للرغبة عند رؤية الكنز و يتخلى عن أخلاقه.
في وضع فيلاكشينا الحالي، حيث لا تملك أي وسيلة لحماية نفسها، كيف يمكنها توقّع أن يأخذ أفالكين نصيبه فقط بهدوء؟
“أنـتِ أكثر جهلاً بالعالم مما تبدين.”
“ماذا قلتَ؟”
“ثانيًا.”
شعرت فيلاكشينا بالغضب، لكن أفالكين لم يهتم و تابع كلامه:
“الحسابات لا تتطابق.”
“هاه. لأنني لم أخبركَ بسعر الكنوز.”
تذكّرت فيلاكشينا كمية الكنوز التي تُقدّر بملايين القطع الذهبية، لكنها قلّلت السعر عمدًا لتقليل المبلغ الذي ستعطيه لأفالكين.
“حتى لو حسبتها بشكلٍ تقريبي، فإنها تساوي مليون ذهبية على الأقل. عُشرها يعني 100 ألف ذهبية. أليست صفقة بعشرة أضعاف مربحة؟”
“لا.”
رفض أفالكين على الفور.
“صحيح أنني اشتريتكِ بـ 10 آلاف ذهبية. لكن القيمة الحقيقية التي حصلتُ عليها… تقريبًا 350 ألف ذهبية. الـ100 ألف ذهبية لا تكفي لتحريركِ.”
القيمة الحقيقية التي حصل عليها؟
رمشت فيلاكشينا و راحت تتذكّر كلام أفالكين بعناية.
بذلك المبلغ، ما الذي حصل عليه أفالكين؟
إنها فيلاكشينا نفسها.
“هل أنا أساوي 350 ألف ذهبية؟”
ماذا أفعل؟
لا أشعر بالسوء حيال ذلك.
بالطبع، حتى 350 ألف ذهبية لم تكن مبلغًا هائلاً مقارنة بإحساسها قبل الإنهيار. لكن بالنّسبة لها، هي التي كانت سلعة في مزاد العبيد و التي بدأت بـ200 ذهبية، فإن 350 ألف ذهبية كانت ثروة حقيقية لا يمكن جنيها حتى لو عملت طوال حياتها.
سألت فيلاكشينا بنعومة تحمل لمحة من اللطف:
“همم… إذن إذا أعطيتكَ 350 ألف ذهبية، هل يمكنني تحرير نفسي؟”
“لا. لن أقبل ذلكَ لأنه لا يعود عليّ بأي فائدة. على الأقل، يجب أن أحصل على 500 ألف ذهبية، بما في ذلك تكاليف اصطحابكِ إلى يشكين و تكاليف العثور على امرأة أخرى بنفس الشروط.”
“500 ألف ذهبية؟!”
تلاشت لمحة اللطف على الفور.
“حتى لو كان الأمر كذلك، هل يعقل أن تطلب نصف المبلغ الذي أملكه؟”
“لم أقل إنه النصف بالضرورة. على أي حال، لستِ متأكدة أن الكنوز تساوي مليون ذهبية بالضبط. أعتقد أنكِ قللتِ من قيمتها…”
“لا يهم!”
يا له من شخص ماكر. كيف عرف؟
حاولت فيلاكشينا تغيير الموضوع بسرعة قبل أن يُكتشف أنها حاولت خداعه.
“قلّل السعر.”
“لا.”
“لماذا قيمتي غالية لهذه الدرجة من الأساس؟”
“قبل شهر، كنتِ تضربين موظفي سوق العبيد لأن قيمتكِ كانت رخيصة جدًا، و الآن تشتكين لأنها غالية جدًا؟”
أنا ضربتهم؟ لم يكن الأمر كذلك.
كان مجرّد تمرّد لطيف.
“ما أعنيه هو أن تحديد السعر يجب أن يكون له أساس منطقي.”
“همم.”
أومأ أفالكين برأسه قليلاً، كما لو أنه يرى بعض الواقعية في كلام فيلاكشينا.
“يجب أن أتزوج من امرأة من عائلة نبيلة كبرى برتبة كونت أو أعلى. بشكلٍ عام، مهر ابنة كونت يبلغ حوالي 300 ألف ذهبية.”
كان تحديد السعر أكثر منطقية مما توقّعت.
“إذن، ماذا عن 50 ألف ذهبية؟”
“…..”
فجأة، أغلق أفالكين فمـه بإحكام.
لو كان أفالكين، الذي يتميّز بالوضوح في قراراته، فلن يكون قد أضاف 50 ألف ذهبية بدون سبب.
“ماذا عن 50 ألف ذهبية؟!”
تحت ضغط فيلاكشينا، فتح أفالكين فمه على مضض:
“هذا المال لأم وريثي.”
فتحت فيلاكشينا فمها بدهشة.
كنتُ أعلم.
يا إلهي.
“كنتُ أعرف أن هناك شيئًا مريبًا، لكن…”
لم أتوقّع أن يتجاوز الحدود هكذا.
كان لدى أفالكين امرأة أخرى.
على الأرجح امرأة بدون مكانة، أنجبت له طفلاً غير شرعي.
‘إنه يخطط لتبني طفل غير شرعي من عشيقته و
جعله وريثًا.’
في مجتمع النبلاء، حيث الزيجات السياسية هي القاعدة، ليس من المعيب كثيرًا أن يكون لديكَ عشيقة أو اثنتين، أو حتّى ثلاث أو أربع.
لكن هذا ينطبق فقط بعد إنجاب وريث.
أن يتزوج رسميًا من نبيلة و يعاملها كزينة، ثم يجعل طفلاً من امرأة وضيعة لا تستحق حتى أن تسجل في سجلات العائلة وريثًا؟
‘هذا الوغد المجنون!’
ارتجفت قبضة فيلاكشينا.
في مجتمع النبلاء، حيث النسب هو أعظم إنجاز، كان مخطط أفالكين الشنيع أكبر إهانة و خزي يمكن لزوج أن يوقعه بزوجته.
“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”
“ماذا؟”
“يبدو أنكِ تنظرين إليّ بنظرات مليئة بالازدراء و الكراهية.”
“لأنها مليئة بالازدراء و الكراهية فعلاً.”
ردّت فيلاكشينا بأكثر تعبير لاذع يمكنها إظهاره.
“ليس من الغريب أن رجلاً نبيلاً في عمركَ لم يتزوج بعد.”
“ماذا؟”
أظهر أفالكين استياءً واضحًا، لكن فم فيلاكشينا، الذي بدأ بالكلام السام، لم يتوقف.
“لكن يبدو أن حظك جيد. لقد اشتريتَ سلعة بقيمة 350 ألف ذهبية بـ 10 آلاف قطعة ذهبية فقط. في منطقة فقيرة مثل هذه، كان يمكن أن ينحني ظهركَ لتجميع مهر ابنة كونت.”
“هل انتهيتِ من الكلام؟”
“إذا أردتَ المزيد، يمكنني الاستمرار، لكن سأتوقف هنا. أشعر أن فمي يتسخ.”
حدّق أفالكين في فيلاكشينا بنظرات جعلته يبدو و كأنه سيهاجمها في أي لحظة، لكن فيلاكشينا، التي لم يكن لديها ما تخسره، قابلت نظراته دون تراجع.
عمّ جوّ جليديّ في غرفة الطعام.
“يبدو أنكِ لا تنوين الامتثال لغرضكِ بسهولة.”
“نعم، إنه مقزز جدًا. أفضّل الموت على ذلك. لا أعتقد أنني أستطيع الوقوف إلى جانب وغد مثلكَ في حفل زفاف.”
“هذا الكلام مجددًا.”
وقف أفالكين من كرسيه، كما لو أنه لم يعد يستطيع التحمل.
“إذا كنتِ تريدين الموت لهذه الدرجة، لماذا جئتِ إلى قلعة يشكين؟ كان يمكنكِ الموت كما تشائين في الغابة.”
“بالضبط! أنا نادمة جدًا الآن!”
وقفت فيلاكشينا أيضًا بحدّة، كما لو أنها لا تستطيع الخسارة.
تصادمت نظراتهما المعادية الحادة عبر الطاولة الطويلة.
“أودّ أن أحقق رغبتكِ الآن، لكن…”
تحدّث أفالكين بنبرة منخفضة، كما لو كان وحشًا يزمجر.
“بما أنكِ فتحتِ باب العربة على مصراعيه و عرضتِ نفسكِ للجميع، فهذا صعب.”
“…..”
كان ذلك شيئًا لم تفكر فيه فيلاكشينا.
بمظهرها المميز الذي عرضته لسكان الإقليم، كانت قد طبعت بالفعل صورة سيدة قلعة يشكين في أذهانهم.
“بدلاً من ذلك، سأساعدكِ على قبول وضعكِ بسهولة أكبر.”
“ما الذي تنوي فعله؟”
ارتجف جسد فيلاكشينا غريزيًا، بشعور من التهديد.
فُتح باب غرفة الطعام، و دخلت الخادمة الرئيسية إنغريد، التي كانت تنتظر بالخارج، و أدّت التحية.
قال أفالكين:
“إنغريد، جهزي غرفة نوم للسيدة فيلاكشينا. البرج الغربي سيكون مناسبًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 11"