الفصل التاسع
لم يكن الأمر في بدايته سوى مزحةٍ عابرةٍ لا أكثر، نزوةً خفيفةً أراد بها كرايفن أن يبدّد شيئًا من ثقل الأجواء، غير أنّ ريفيير، حين أرخت حاجبيها وانسحب الحزن على ملامحها كظلٍّ كثيفٍ في آخر النهار، جعل كرايفن يبتلع كلماته على عَجَل، ويُطبق فمه كما لو أنّه ندم على الفكرة قبل أن تولد كاملة.
بحث في ذهنه المرتبك عن عبارةٍ تصلح للمواساة، كلمةٍ قادرةٍ على ترميم هذا الانكسار الصغير، لكنه أدرك – حتى وهو يفكّر – أنّ الادعاء بأن جسدها “متين بما يكفي” ليس سوى كذبةٍ رخيصة، كذبةٍ فاضحةٍ إلى حدٍّ لا يليق حتى بالكذب نفسه.
وهكذا، وتحت وطأة صمتٍ معلّقٍ لا هو مريح ولا هو قاطع، عاد الاثنان إلى غرفة ريفيير، كأنّ هذا الصمت هو الرفيق الثالث الذي يخطو بينهما.
جلسا في الشرفة المطلة على الخارج، حيث تمتدّ السماء قريبةً بما يكفي لتوهم المرء أنّه قادر على لمسها. جيروني كعادتها، حدّقت في كرايفن بعينين ضيّقتين كالسهم، غير أنّ طلب ريفيير بإحضار الشاي أجبرها على التراجع، فذهبت علىمضض.
كان الوقت أشبه بلوحةٍ هادئة؛ نسيم أواخر الربيع ينساب بخفّة، يحمل برودته اللطيفة من الحديقة الممتدّة أسفل الشرفة، ويضفي على جلسة الشاي مسحةً من شاعريةٍ لا تخلو من السكون.
غير أنّ رأس ريفيير، في الحقيقة، لم يكن حاضرًا هناك؛ فقد كان غارقًا في أفكارٍ متشابكةٍ حول أيّ نوعٍ من التمارين ينبغي لها أن تبدأ به.
وكرايفن، بطبيعته التي اعتادت قراءة ما بين السطور، لم يَفُته شرودها.
إذ أساء الظنّ، معتقدًا أنّها تغرق في التفكير بمصيرها بعد فشلها في تحقيق غايتها وإصابتها التي لحقت بها، فبادرها باقتراحٍ بدا له منطقيًا:
“وضعيتك مستقيمة، وحركتك سريعة، ولو قوّيتِ عضلاتك وتعلّمتِ بعض الحيل، فستصبحين أفضل بكثير.”
“…ماذا؟”
“القوة الحقيقية في الهجوم ليست في شدّته، بل في القدرة على التحكّم به. إن لم تُصِبي النقطة الصحيحة بدقّة، فلن يتلقّى الخصم الضرر الحقيقي. الضرب الأعمى لا يؤذي إلا صاحبه. وهذه القدرة على التحكّم… تنبع من القوة العضلية.”
ما هذا الذي يقوله أصلًا؟
“هجوم؟”
“نعم. قبل قليل، من تلك الوضعية، لم يكن من السهل أن تُلحقي أذى حقيقيًا. ولو لم ينكسر جبينكِ، لربما تضرّر عنقك بدلًا من ذلك.”
‘وقبل قليل… هل يقصد تلك اللحظة التي حاولتُ فيها أن أنطح ذقنه؟’
ضيّقت ريفيير عينيها في شكٍّ خالص، غير أنّ ملامح كرايفن كانت جادّةً إلى حدٍّ يبعث على القلق، بل وتجاوز ذلك ليقترح بديلًا آخر:
“الهجوم بعنف قد يضرّ بعظامك، فما رأيكِ باستخدام راحة اليد؟ كصفع الخدّ، مثلًا.”
…إذًا لم تكن تتوهّم.
رجلٌ سيعتلي العرش بعد أسبوعٍ واحدٍ فقط، كان يشرح بجدّيةٍ كيف يمكن للمرء أن يضربه على نحوٍ أفضل.
رفعت ريفيير فنجان الشاي، ثم توقّفت، وقد نسيت أصلًا أنّها كانت تنوي الشرب، وقالت بذهولٍ مكبوت:
“لا أظنّ أنّ صفعةً منّي ستؤلمك، سموّك.”
“وهل تظنين أنّ لكمةً منكِ ستكون مختلفة؟”
“…ألا ترى، سموّك، أنّ تجنّب الأفعال التي تستوجب الضرب هو الخيار الأحكم؟”
ابتسم كرايفن ابتسامةً مستفزّة، ورفع كتفيه بلا مبالاة:
“أودّ ذلك، لكن عادات بيلد غريبة عليّ. ثم إن ضربكِ لا يؤلم.”
ثم أضاف بصوتٍ خافتٍ، كأنّه يسرّ بسرٍّ صغير:
“أشبه بوقوف فراشةٍ على الكتف، على ما أظن.”
حتى لو بذلت ريفيير كامل قوتها، فلن يشعر بالألم؛ لذا، من الأسهل – حسب منطقه – أن يفعل ما يحلو له، ويتلقى بعض الضربات مقابل ذلك.
ولو سمع أحدٌ يعرف كرايفن جيّدًا بهذا التفكير، لسقط أرضًا من شدّة الصدمة.
فالكلب المسعور في الشرق، الرجل الذي لا يعرف للرحمة طريقًا، لم يكن يومًا ممّن يتسامح مع من يعاديه.
وكرايفن نفسه كان يدرك غرابة أفكاره، لكنه – بعد أن تلقّى ضربة أو اثنتين – اكتشف أنّ الأمر لا يُذكر.
وبما أنّ الموقف يوحي بأنّه يتجاوز حدوده في كلّ مرة، وأنّ ريفيير هي من تُصاب في النهاية، فقد بدا له هذا حلًا وسطًا معقولًا.
وحين رأت ريفيير كرايفن غارقًا في هذا الاقتناع الذاتي، وضعت فنجانها على الطاولة بإصدارٍ حادٍّ لم يخلُ من نبرة تهديدٍ صامت.
راودتها رغبةٌ جامحة، أن تحلّق كالفراشة… ثم تلسع كالنحلة.
“إذًا، تلبيةً لتوقّعاتك، سأعمل على تقوية عضلاتي.”
قالتها بنبرةٍ قاتمةٍ بُذلت فيها أقصى درجات الإظلام، غير أنّ كرايفن، المعتاد على أجواء القتل والنية الدموية، لم يشعر بشيء.
بل على العكس، بدا مهتمًا، وسألها بنشاط:
“أأعلّمكِ؟”
“تعليم ماذا؟”
“أنا أتعلّم منكِ آداب السلوك، وأنتِ تتعلّمين منّي تقنيات الهجوم.”
لم تكن تفكّر إلا ببناء شيءٍ من اللياقة، لا بتعلّم فنون القتال.
“لا حاجة لي بذلك، سموّك.”
“بل تحتاجين.”
ضحكت ضحكةً جوفاء وهي ترفض، لكن وجهه ظلّ جادًّا.
‘هل نسي هذا الرجل كيف بدأ الحديث أصلًا؟’
“أتطلب منّي أن أتعلم القتال… لأضربك؟”
“أيّ شيءٍ يستحق أن يُفعل، يستحق أن يُفعل بإتقان.”
‘…هل هذا رجلٌ يستمتع بالألم؟ مخيف.’
ابتعدت ريفيير قليلًا عن الطاولة.
“قوتي سأهتمّ بها بنفسي.”
تأمّل كرايفن تعبيرها الكئيب، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة:
“لكن التدريب وحدكِ لن يكون سهلًا، أليس كذلك؟”
في الحقيقة، ما كانت تخطّط له لم يكن تدريبًا، بل مجرّد تمارين خفيفة: الجري، القفز بالحبل، أشياء بسيطة.
لكن… هل تستطيع فعل ذلك وحدها فعلًا؟
ريفيير بلانش، على مدار اثنين وعشرين عامًا، لم تمارس الرياضة قطّ؛ فقد كانت تؤمن أنّ التعرّق وضيق التنفّس لا يليقان بالأناقة.
ولو قرّرت فجأةً الجري في أرجاء القصر، لانقلب منزل الدوق رأسًا على عقب.
ومع ذلك، فإنّ هذا الجسد الزجاجي لا بدّ من تقويته، إن كانت تنوي العيش وحدها مستقبلًا.
رفعت ريفيير نظرها إلى كرايفن بعينين نصف مغمضتين.
في الرواية، وُصف كرايفن بأنّه إله السيف؛ لا شكّ أنّه خبير بكلّ ما يتعلّق بالجسد.
وإن حاول تلقينها شيئًا غريبًا، فستتجاهله وتكتفي بالقفز بالحبل.
وجودها معه لن يثير الريبة، بل إنّ دوق بلانش سيفرح بالأمر.
وهذا وحده كافٍ لجعل الاستفادة منه مقبولة.
حسمت ريفيير أمرها، وانحنت قليلًا:
“إذًا، أتطلّع للعمل معك، سموّك.”
“وأنا كذلك.”
أجاب كرايفن بابتسامةٍ راضية.
ثم شرب الشاي الذي فتر قليلًا دفعةً واحدة، مسرورًا بحيلته التي مكّنته من الإفلات من دروس الإتيكيت المملّة.
وبعد يومٍ طويلٍ بلا نهاية، أشرق الصباح التالي.
جلست ريفيير أمام المرآة، وأطلقت زفرةً ثقيلة.
جيروني التي شاهدتها تتنهّد لليوم الثاني على التوالي، كتمت دموعها وهي ترى انعكاس سيّدتها الحزين.
أما ريفيير، فكانت تحدّق في المرأة الجميلة الأنيقة في المرآة بازدراء.
مرّ شريط الأمس أمام عينيها: ركلٌ، لكماتٌ، وعدٌ بدخول القصر الإمبراطوري، اتفاقٌ على تعلّم تقنيات… القتل؟
الهجوم؟ وما الفرق.
ضربةٌ منه تعني موتًا على أيّ حال.
ثم ذلك العهد السخيف بمساعدة البطلة ليليان من أجل “سلام العالم”.
هل جننت؟
بل كانت مجنونة حقًا.
وما كان أكثر جنونًا، أنّها – رغم صفاء عقلها هذا الصباح – لم ترغب في التراجع.
ربما لأنّ كرايفن لم يكن كما صوّرته الرواية.
ربما لأنّ كلّ شيءٍ لم يبدأ بعد.
نهضت… ثم تأوّهت.
نسيت، وضغطت على قدمها اليمنى.
تورّم إصبعها، وكان الألم واضحًا.
حتى الحذاء لم يعد يناسبها.
وهكذا… بدأت المشكلة فعلًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"