3
بعد ذلك اللقاء العبثي الذي لا يشبه شيئًا منطقياً في هذا العالم، جلس كرايفن متراخيًا على الأريكة، متكئًا بكتفه كما لو أن العالم كله لا يستحق أن يقف باستقامة لأجله، يقلب بين يديه رزمة من الوثائق التي أمره دوق بلانش بحفظها عن ظهر قلب قبل اعتلائه العرش.
كانت الأوراق تتراكم بلا نهاية، تتكاثر كما لو أنها تنمو من الهواء ذاته… لكن تركيزه كان يفرّ منه كأنه دخان يتبدد قبل أن يلتقطه.
هزّ رأسه محاولًا طرد ذكرى الضربة الصاعدة العنيفة التي لا تزال تطفو في ذاكرته بوضوح مؤلم، لكن الصور لم تتلاشى. وفي اللحظة التي قرر فيها الاستسلام ووضع الأوراق جانبًا—
كووووووواااانغ!
انفتح الباب بقوةٍ تكاد تكسر مفصله، حتى إن كرايفن فكّر للحظة أنّ بقاءه صامدًا نعمةٌ ينبغي أن تُسجَّل في التاريخ.
“قائـــد!!”
“اصمت يا ميلِك.”
اندفع ميلِك إلى الداخل، وجهه أحمر كالحديد المحمى، أنفاسه تحرق الهواء. خلفه دخل بليك بملامح يُغلفها القلق الثقيل، وتلته—كالعادة—ابتسامة تشيست المجنونة التي لا يعرف العالم حتى الآن كيف يوقفها.
اقترب ميلِك بعناد طفلٍ ضخم الجثة، وصرخ بصوت يهزّ الجدران:
“هل صحيح… هل صحيح أنك ضربتَ آنسة بلانش يا قائد؟! قل إنها كذبة! أنت… أنت ربما تقتل أحدًا، ربما تُسقط مدينة، لكنك لست حقيرًا لدرجة أن تمد يدك على امرأة، صحيح؟!”
لم يكن الألم بسبب صراخه الذي كاد يفجّر طبلة أذن كرايفن بل بسبب الكلمات نفسها.
يضرب امرأة؟!
هو الذي تلقى اللكمة!
هو الذي ما زال فكه يطن من شدة الضربة!
أزاح ميلِك بيده كما يبعد ذبابة تزعجه، ثم نظر إلى بليك.
“بليك… ما هذا الهراء؟”
أجاب بليك بصوت هادئ ثقيل:
“قبل قليل تقدّم فارسان من منزل بلانش بطلب مبارزة. يقولان إنك اعتديت على الآنسة.”
“اعتديت؟! هراءٌ ما بعده هراء. وماذا فعل الفارسان؟”
“هذا الأحمق”—وأشار إلى ميلِك—”سحقهما كأنهما حطبٌ رطب.”
تنفّس كرايفن بعمق ومسح جبهته بيده، وكأنه يتمنى اختفاء العالم نفسه للحظة.
أحاديث… شائعات… ومعه هذا الغبي!
حدّق ميلِك فيه مأخوذًا بصدمة حقيقية، وهمس بصوت يرتجف:
“قائد… لم أتخيلك… هكذا. يا للخزي…”
“ميلِك، بحق… قلت لك لم أضربها.”
“كنت أعلم! أعلم أنك لن تفعل!”
لكن نظراته لم تكن توحي بأي إيمان.
ولأن الردّ يعني انفجارًا جديدًا في سقف الصوت… تجاهله كرايفن كليًا.
اقترب بليك أكثر، حاجباه مقطّبان بإحكام.
“لكن… كيف بدأت تلك الشائعة؟ كيف يمكن لأحد أن يتخيل أنك—”
“أنا من يجب أن يسأل. من الذي ضرب من؟”
أشار كروفت إلى فكه.
“أنا الذي تلقيت اللكمة.”
“…أنت؟ من الآنسة؟”
“نعم.”
“ولماذا بحق؟!”
أطلق كرايفن ضحكة قصيرة بلا روح:
“يبدو… أن لمس جسد امرأة بلا إذن… يُعد خطيئة عظيمة.”
لم يضحك أحد.
بالعكس—ازدادت وجوههم عبوسًا.
صرخ ميلِك وأشار إليه بعنف:
“يا نفااااااااية!”
“ميلِك…” زفر كرايفن. “قلت لك لم يكن الأمر كذلك.”
“لقد خيّبت ظنّي… يا قائد.”
“أقول لك لم يكن كذلك!”
لكن ميلِك قفز خارج الغرفة ككيسٍ من العواطف المهروسة، تاركًا خلفه جوًا رائحته الظنون.
أما تشيست، فقد انهار ضاحكًا على الأرض، ضحكاته المكتومة تهتز كقنينة غاز.
“تشيست… اخرس.”
“ههههههههه… قائد، لا أستطيع… هذا مضحك جدًا…”
“قلت اخرس.”
حدّق فيه كرايفن بعينين باردتين كحدّ السيف، فتدحرج تشيست على الأرض بلا صوت، كأن الموت نفسه أمسك بحلقه.
اقترب بليك ثانية، بنظرة محقونة بالقلق الثقيل:
“قائد… ماذا حدث بالضبط؟”
هزّ كرايفن رأسه بضجر وقال:
“لم يحدث شيء. لم أمُسّها ولو بمقدار—”
توقّف.
لقد مسّها بالفعل.
بطرف إصبعه… عند أسفل ذقنها.
لمسها… ثم تلقّى اللكمة.
…حسنًا، هذا يفسر الكثير.
لكن لماذا يقال الآن إنه ضربها؟
كيف أصبح هو الجاني وهي الضحية؟
أي جحيم من المنطق هذا؟
ازداد تجهم بليك.
هو يعرف قائده جيدًا… يعرف أنه مجنون، نعم، لكنه ليس من النوع الذي يؤذي امرأة لمجرد نزوة.
لكن… ردة فعله… شيء ما فيها غير مطمئن.
وفي هذا الوقت الحرج، قبيل اعتلاء العرش، كان ولادة أي فضيحة أمرًا كارثيًا.
“قائد… لا يمكننا أن نحول دوق بلانش إلى عدو الآن. إن أسأت معاملتها بالفعل فعليك الاعتذار وتهدئة الأمر.”
“قلت لك إنها هي التي ضربتني.”
“ربما… لأنك فعلت شيئًا استحق ذلك.”
“أنا فقط… خوّفتها قليلًا. هذا كل شيء.”
شحب وجه بليك.
إن “تخويف” كرايفن يعادل رمي شخص في فم التنين.
لا بد أنّ الآنسة شعرت بأن حياتها انتهت.
وبذلك… تعاطف بليك مع ريفيير تلقائيًا.
وبكل جدية قال:
“يا قائد… يجب أن تعامل النساء بلطف. وخاصة السيدة بلانش. لا يمكنك التصرف معها كما تتصرف مع رجالك.”
“حاولت.”
كلمته خرجت صادقة على غير عادته.
لقد سمح لها بركله… ولطمته… ثم تركها تفر بحياتها دون أن ينتقم.
لو كان رجلاً… لكان جسده معلقًا الآن على أسنة الرماح.
لكن بليك لم يقتنع.
“قائد… الدوق فيسيلروت يتحرك. إن أثرت غضب بلانش، سنكون في ورطة.”
اسمٌ ثقيل… يقطّع الهواء.
الدوق فيسيلروت.
شقيق الإمبراطور الراحل… وأحد أبرز من يطمعون في العرش.
الرجل الذي يريد إسقاط كرايفن من حسابات العالم مهما كلّف الأمر.
وها هي الدولة منقسمة بين أنصار كرايفن وأنصار الدوق.
والشائعات كالنار… تكبر، تتغذّى، تأكل كل شيء.
تنهد كرايفن… وقد أدرك أنه لا مفر من معالجة هذا الهراء.
بلكزة بسيطة من بليك، تراجع غضبه قليلًا.
“قائد، اذهب واعتذر. قل إنها سوء تفاهم بسبب اختلاف العادات بين الشرق والغرب.”
“بليك… للمرة الثالثة: أنا من ضُرب.”
“لكنّك لمستها.”
“لم تؤلمك اللكمة، صحيح؟ إن كان هناك من تأذى، فهي يدها.”
كلمات بليك كانت سهمًا اخترق كبرياء كروفت.
مؤلمة… لكنها صائبة.
وبقدر ما وحدّته الضربة… وحدّته الحقيقة أكثر.
أخيرًا… أومأ.
“حسنًا. خذه معك.”—وأشار إلى تشيست—”وابحث عن ذلك الأحمق ميلِك قبل أن يرتكب مصيبة أخرى.”
“نعم، قائد.”
جرّ بليك تشيست من قفاه إلى الخارج.
وبقي كرايفن… يجلس في صمت، فكه يشدّ، وعيناه تتجهان نحو النافذة.
لقد ضُرب.
وعليه الآن… أن يعتذر.
يا له من يومٍ بائس.
* * *
لم تكن قد قرّرت بعدُ أيَّ نوعٍ من الاعتذار يمكن أن يليق بالموقف، ولا كيف تصوغ كلمة تُنقذ كرامتها من السقوط، حتى دقَّ وقتُ الطعام.
وبينما كانت الشائعات قد سبقتها إلى كل زاوية من زوايا القصر—شائعاتٌ عن “السيدة التعيسة التي تعرّضت لشيء فظيع”—كانت عيون الجواري والخدم تتابع نزول كرافت إلى قاعة الطعام بحدة تكاد تخترق جسده. نظراتٌ كأنها شفرات، تحمل غضبًا مكتومًا واتهامًا دفينًا.
كانت ريفيير قد وصلت قبله، تقف بين أضواء الثريات الساقطة كلوحة من الرصانة، وما إن لمحته حتى نهضت ببطء، ثم انحنت بانسيابيةٍ تحمل كرامةً مُرهَفة وصمتًا نبيلًا.
بدت هادئة… أو هكذا خُيّل للجميع. أمّا في داخلها، فقد كان قلبها يرتطم بقفصها الصدري كما لو أراد الفرار من مشهدٍ لا مفرّ منه.
منذ اللحظة التي رأته يعبر الباب، متجهّمًا، صامتًا، داكن النظرة… أدركت أن الأمر لن يمرّ مرور الكرام.
يا ترى… هل بالغت في الأمر حين رفعت قبضتها في وجهه؟
هل ستُمحى حياتها اليوم، هنا، على هذه الطاولة؟
كانت ترتجف وهي تتذكّر قوته كما وصفتها الرواية—قوة تكفي لسحق رجل واحد بكلمة، أو رفع مدينةٍ كاملة بقرار. لم يحمل سيفه الآن، وهذا وحده ما أنقذها من الموت رعبًا… لكن وجود سيف أو عدمه لم يكن يعني الكثير أمام رجلٍ يُقال إن قبضته وحدها تُعدّ سلاحًا.
قلبها كان يخفق بوحشية، إلى درجةٍ جعلتها تتساءل إن كانت ستموت بسكتةٍ قلبية قبل أن يمدّ كرايفن يده نحوها أصلًا.
ريفيير بلانش… جسدٌ هشّ، وروحٌ أرقّ، وحتى أعضاؤها الداخلية تشاركها هذا الضعف النبيل.
جلس كرايفن دون أن ينبس بحرف. لم تستطع حتى النظر إلى وجهه. كل ما كانت تريده هو أن يصل الطعام بسرعة…
لقد حُكم عليها بأن ترافقه على كل وجبات الأسبوع لتلقّنه آداب المائدة؛ فكرةٌ وحدها كانت كافية لتجعل الطعام يقف في حلقها.
ثم حدث ما لم يتوقّعه أحد.
بينما كان يحدّق في الصحن الفارغ بعينين عاصفتين، فتح شفتيه أخيرًا.
“… كنتُ مخطئًا. سامحيني.”
تجمّدت ريفيير.
هل… هل قال للتو سامحيني؟
ليس: “سأقتلكِ.”
وليس: “سأُلغيكِ من الوجود.”
بل… سامحيني؟
أيّ منطقٍ هذا؟
ما الذي ينبغي أن يعتذر هو عنه؟
لو كان في هذا العالم شخصٌ يجب أن ينحني معتذرًا، فهي هي وليس هو.
هو من تلقّى الضربة… هي من وجّهتها.
فلماذا يعتذر؟
ثم راودها احتمالٌ مرعب:
هل كلمة سامحيني في الشرق تعني: “استعدّي للموت”؟
هل هذا نوعٌ من البلاغة المرعبة التي تسبق القتل؟
لم تستوعب بعد، حتى استرسل هو ببرودٍ مهيب:
“ما حدث كان لأنني لم أتأقلم بعدُ مع عادات بلاد بيلد، فأرجو أن تتفهمي ذلك.”
… ماذا؟
أية عادات؟
أيّة تقاليد؟
في أي مكانٍ على هذه الأرض يَعتبر الناس ضَرْبُ وليّ العهد على ذقنه عرفًا محليًا؟
لم تعرف هل تضحك… أم تبكي… أم تهرب من النافذة.
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا:
هذا الرجل…
هذا الوحش…
ليس طبيعيًا.
ولم يكن لديها أدنى فكرة عمّا ينتظرها بعد ذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 3"