2
لم يتبقَّ سوى أسبوع واحد على دخول كرايفن إلى القصر الإمبراطوري، وكان ذلك الأسبوع—قصيرًا بالنسبة للعالم، لكنه طويل بما يكفي لِـ ريفيير—ليكون فرصة لدفن أي شعلة قد تُخطئ وتشتعل بينهما.
أسبوع واحد… زمنٌ قادر على تبريد أسطورة حبّ استمرّت ألف عام، وإطفاء جمرٍ لم يولد بعد.
ولهذا أقسمت ريفيير، بكلّ ما تملكه من عزيمة، أن تخلع نفسها من عقله قبل أن يطأ القصر، وأن تُسقط مكانتها لديه سقوطًا مدويًا لا قيامة له.
حدّقت به كصيّادةٍ عليمة تفحص فريستها الأخيرة…
من رأسه حتى قدميه، كانت نظرتها كالسيف: بطيئة، دقيقة، لا ترحم.
لم تجد فيه خللًا واحدًا.
جلسته ثابتة، وقدماه راسختان بالأرض، ظهره مستقيم كأنّه وُلد ليجلس على العروش لا على الأرائك.
ومع ذلك… كانت فيه تلك الغطرسة التي تنحدر من كتفيه كما تنحدر الظلال من ذرى الجبال.
لكن مطالبة رجل مقدّر له أن يصبح إمبراطورًا بأن يجلس بتواضع… كانت نُكتة بحد ذاتها.
والأسوأ؟
أن جلسته المستقيمة… كانت فاتنة بشكل يغيظ.
“تِس.”
انطلقت من شفتيها كالخنجر، فارتفع حاجبا كرايفن ببطء يشبه الزئير المكتوم.
كان يعيش أغرب لحظة مرّت في حياته كلها.
ليس لأنه تلقّى ركلة من امرأة لم يرها من قبل،
ولا لأنها تنظر إليه الآن كما لو كانت تقيّم حصانًا في مزاد…
بل لأنها تجرّأت أن تلسع الهواء بلسانها استهزاءً به، هو.
“تس؟”
“نعم، يا سموّ الأمير؟”
“لقد نقرتِ بلسانكِ منذ لحظة.”
“أنا؟ قطعًا لا يا سموّكم.”
ابتسامتها الهادئة كانت أقرب إلى صفعة خفية.
وقد تساءل في داخله ‘هل هذه المرأة حقيقية؟ أم أنّ القدر أراد أن يضع أمامه أغرب مخلوق في الإمبراطورية؟’
ولمّا دخلت قبل قليل، فهم نوايا دوق بلانش فورًا.
صفقة زواج… ليست سيئة على الإطلاق.
إن تزوّجها، سيكسب دعم الدوق الذي لا يملك غيره هنا.
وفي أرض لا يملك فيها حليفًا واحدًا… الدعم يساوي الحياة.
وفوق ذلك…
كانت ريفيير جميلة.
جمالًا لا يُوصف بعبارة “جميلة” فحسب…
جمالًا يجعلك تصمت كي لا تسيء له بوصف ناقص.
بملء اليقين… اعترف كرايفن في داخله أنّ جمالها ساحق.
وقفتها، هدوؤها، رقتها الهادئة…
كلها كانت تفسيرًا كافيًا لِـ “الهوس” الذي يبدو أنّ دوق بلانش عاش عمره وهو يغرسه فيها حول البروتوكولات والآداب.
لكنّه لم يتخيّل قط…
أن تلك الرقة يمكن أن ترتكب جريمة الركل.
أشار نحو الأريكة المقابلة بنظرة حادّة:
“إن لم تكوني ترغبين في ركل المزيد… فاجلسي.”
تحرّكت وجلست.
كانت حركتها كريشةٍ تنزلق من جناح طائر سماوي لتقع فوق ورقة خريف.
“الوقت ضيّق، يا سموّك. سأعلّمك كل ما تحتاجه للحياة في القصر… بشكل مُكثّف جدًّا.”
“مكثّف، إذن.”
“وأيضًا… قد تكون الدروس خشنة قليلًا. أرجو تفهّم ذلك.”
“وأنا لن أكون طالبًا مهذّبًا. سنحتاج إلى تفاهم، على ما يبدو.”
اشتعل الهواء بينهما…
نظرات تحترق قبل الكلمات.
لكن ريفيير استأنفت الحديث، متجاهلة التحدّي في عينيه:
“عليك تعلّم الجلوس، والمشي، ونبرة الحديث، وآداب الحوار، ومراسم الشاي، وآداب الطعام، وقواعد الرقص… القائمة طويلة جدًّا.”
“يبدو أنّ في بلادكِ رجالًا جريئين بما يكفي ليجرؤوا على انتقاد سلوك الإمبراطور القادم.”
كان انزعاجه ظاهرًا.
لم يكن يفهم… كيف يمكن لتلك “التوافه” أن تُغيّر مصير العرش.
لقد عاش عمره على حدود الدماء.
كان يكره القيود… كلّها.
وكان محقًّا في جزء كبير.
فحتى داخل الرواية الأصلية… لم يكن هناك أحمق واحد اشتكى من لسانه أو سلوكه.
فهو الرجل الذي سيصبح إمبراطورًا… والقوانين تُخلق لأجله، وليست فوقه.
لكن ريفيير…
كانت قد قررت أن تخرج من عينيه، وأن تبقى بعيدة عنه مهما كلّفها الأمر.
وهذه كانت فرصتها الأخيرة لتأمين حياتها.
ابتسمت… ابتسامة قاتلة برقتها.
“إن لم يكن يزعجك أن يناديك الناس بـ الإمبراطور الهمجي القادم من الأطراف… فلن أزعجك أنا أيضًا، يا سموّك.”
كانت كلمات لامعة كحدّ السيف…
وملامح ملائكية لا تليق بها إطلاقًا.
لقبه “كلب الحدود المجنون” كان معروفًا…
لكن لم يقلها أحد أمام وجهه قط.
وليس وهو حيّ على الأقل.
كان من المفترض أن يشهر سيفه…
لكنّه لم يفعل.
ربما لأن ذلك الوجه… لا يشبه وجوه خصومه.
اعتدل في جلسته، صوت “تس” ينساب من شفتيه.
ثم تقدّم، صوته ينخفض كعاصفة لا تُرى:
“قُنيّة… هل نساء بيلد كلّهن لا يعرفن قيمة حياتهن مثلكِ؟”
ابتسامتها ازدادت توهّجًا… كاستفزاز جميل.
“سموّك، إطلاق كلمات بلا مراعاة للطرف الآخر… يخلّف انطباعًا سيئًا جدًّا.”
“فهمت… رأيتِها نكتة.”
“وإن لم تكن كذلك، فالأمر أخطر. لا نريد للناس الظنّ بأن إمبراطورية لوينس يحكمها رجل يقتل الناس متى شاء.”
“ظنّ، إذن؟”
ضحك بخفوت، ثم وقف.
بخطوة واحدة، صعد فوق الطاولة بينهما، كأنها مجرد حجر في طريقه.
مد ذراعه اليسرى إلى ظهر الأريكة خلفها، منحنيًا فوقها.
تراجعت غريزيًا… لكن يده اليمنى أمسكت بها، أصابعه الطويلة ترفع ذقنها ببطء.
اقترب منها حتى كادت أنفاسه تمس شفتيها.
“إن كان ظنًّا أم حقيقة… فستعرفين قريبًا.”
لكن قبل أن يتمّ سيطرته—
اهتزّ كتفه…
ريح حادّة ضربته…
ثم—
ارتفع رأسه بعنف.
لقد لكَمَته.
كانت قبضتها سريعة كضربة فجرٍ نحو ليلٍ ضعيف.
ثم جاء صوتها، صافٍ، قويّ، وهادئ في آن واحد:
“سموّك… لا يجوز وضع اليد على جسد امرأة بلا إذن.”
ظلّ رأسه مائلًا… متجمّدًا، مذهولًا.
دفعته بعيدًا بصفعة قوية على يده، ثم نهضت بحركة ملكية لا تشبه من يهرب… بل من يغادر بعد إصدار حكم.
“قدّمتُ التحية… لذا أنسحب الآن، يا سموّك.”
وغادرت.
خرجت بسرعة خفيفة كأنها لا تلامس الأرض.
ظلّ المكان صامتًا حتى أغلق الباب.
عندها فقط… استعاد كرايفن وعيه.
لقد تلقّى… لكمة صاعدة من ابنة الدوق.
هو، الذي حكم الشرق بحدّ السيف…
لم يتلقَّ الضربة لأنه بطيء.
لقد رأى حركتها بوضوح.
لكن عقله… رفض تصديق أنها ستفعلها فعلًا.
لم يشعر بالألم.
الألم لم يكن المشكلة.
المشكلة كانت… أنّه لم يفهم.
ركلته.
لكمته.
ثم، بصوتٍ ناعم كأغنية… أعطته درسًا في احترام النساء.
وبعدها غادرت.
وهذا وحده… كان أغرب من اللكمة نفسها.
“…هه.”
هل فقدت تلك المرأة صوابها حقًّا؟
كان لشكوك كرايفن ما يبرّرها، غير أنّ ريفيير لم تكن مجنونة… على الأقل ليس بالمعنى الذي تخيّله.
هرعت إلى غرفتها بخطوات سريعة، تكاد تركض، خشية أن يلحق بها وهو يجرّ سيفه خلفه كالطوفان. وضعت يدها على صدرها المضطرب، تحاول تهدئة قلبها الذي كان يطرق أضلاعها بجنون أشبه بصوت حرب.
لم تكن الأناقة وحدها ما رسخ في جسدها. فخلف تلك الواجهة المهذّبة، كانت كامنة مهارات أخرى حادة كالنصل—مهارات صقلتها بقبضتيها في عالمها السابق. فخلال أيام الاستعداد للامتحانات، حين قررت أن تتخلّص من الوزن الذي اكتسبته، التحقت ببرنامجٍ رياضي بسيط… لكنها انتهت بتعلّم فنون الدفاع عن النفس على يد مدير صالةٍ طيب أكثر مما ينبغي، علّمها كيف تُسقط خصمًا بثلاث حركات فقط.
ولِمَ كان يقترب منها بتلك الطريقة أصلاً؟
لقد بدا وكأنه … يريد تقبيلها! طبيعي إذًا أن ينطلق جسدها ليدافع عن نفسه قبل أن تتمكّن من التفكير.
لكن المشكلة لم تكن في الضربة. المشكلة أنّ الشخص الذي تلقّى قبضتها لم يكن سوى الكلب المسعور الذي سيصبح طاغية المستقبل.
ولهذا السبب بالذات لم تجرؤ على الالتفات وراءها ولو لثانية.
تنفّست بعمق، ثم التصقت أذنها بالباب، ترصد أي حركة في الخارج. توقّعت أن يبدأ الوحش الهائج بتحطيم الأشياء أو بصفع الخدم أو بالصراخ… لكن الوقت مرّ والعالم ظلّ صامتًا كأنه لا يعلم ما حدث.
استدعت خادمتها، جيروني، وسألتها عن حال القصر. لكن الإجابة جاءت عادية، بلا أحداث ولا فوضى.
حين أطلقت ريفيير زفرة ارتياح، أمسكت جيروني بيدها، وما إن رأتها حتى شهقت كأن الصاعقة ضربتها.
“يا إلهي! آنستي… ما الذي حدث ليدك؟!”
خفضت بصرها، فإذا بظهر كفّها اليمنى متورّم ومائل إلى الحمرة، كزهرة سحقها حجر.
إنها اليد نفسها التي صعدت إلى فكّ كرايفن بلا رحمة.
ولأنها لم تستطع أن تقول بكل بساطة لقد لكمتُ الأمير في وجهه، سحبت يدها خلف ظهرها وأجابت بارتباك:
“اصطدمتُ بشيء فقط… أمرٌ بسيط.”
“آنسـتي…”
اغرورقت عينا جيروني بالدموع فورًا.
بالنسبة لها، لم يكن هناك تفسير سوى أنّ “الكلب المجنون” في أطراف الإمبراطورية قد عضّ يد سيّدتها الطيبة.
منذ اللحظة التي علمت فيها بأن مولاتها ستصبح معلمة الآداب لذلك الوحش، وقلبها عالق بين الخوف والدعاء. والآن، وقد عادت مولاتها بيدٍ متورّمة وصمتٍ مؤلم… انشطر قلبها فعلًا.
ابتلعت دموعها وذهبت لتحضر ماءً باردًا، وقدّمته لها بكفين مرتجفتين.
وضعت ريفيير يدها فيه، وزفرت بضيق.
‘الغريب أنّ المضروب بدا بخير تام… بينما أصبحتُ أنا هكذا.‘
ما أضعف هذا الجسد النبيل. نعومة التربية لم تكن في صالحها إطلاقًا.
لكن الغرابة لم تتوقف هنا.
فالوحش نفسه لم يُظهر أي ردّة فعل متوقعة.
ذلك الرجل الذي لا عقل له ولا منطق… تلقّى اللكمة بهدوء مريب.
ريفيير لم تكن تعرف إن كان هذا نعمة… أم مصيبة تنتظر الانفجار.
كان من المفترض أن تثير غضبه بما يكفي لتُطرد من عملها كمعلمة الآداب، لا أن تتعامل مع شخصٍ يتلقى الضرب كأنه تدريب يومي.
هل… هل عليّ أن أضربه أكثر قليلًا؟
الفكرة وحدها أصابتها بالدوار.
وفي الوقت ذاته… وفي أرجاء قصر بلانش الهادئة…
كان شائعة جديدة تزحف مثل دخانٍ ثقيل عبر الممرات:
الأمير كرايفن ضرب الآنسة ريفيير.
شائعة غير صحيحة، لكنها كانت أقرب إلى التصديق من الحقيقة.
التعليقات لهذا الفصل " 2"