مرّت الأيام الثلاثة التالية في هدوءٍ خادع، هدوءٍ بدا وكأنه استراحة قصيرة يلتقط فيها القدر أنفاسه قبل أن يضرب من جديد، فيما كانت الأحاديث تنتشر في أرجاء بيلد وكرايفن انتشار النار في الهشيم؛ إذ صار اسم كرايفن يتردّد على الألسنة بوصفه ذاك الأمير المنتظر الذي وقع في غرام الأميرة بلانش حدّ الافتتان، الأمير الساذج في نقائه، الطيّب في سريرته، الوسيم في حضوره، الذي تحوّل حيثما حلّ إلى مادةٍ دسمة للهمس والفضول والنظرات المتلصّصة.
وامتزج هذا الشغف الشعبي بشائعاتٍ أخرى أشدّ حدّة، تتحدّث عن “كلب الشرق المسعور” الذي لا يفرّق بين وحشٍ وإنسان حين يرفع سيفه، فازدادت حول كرايفن دوّامة الفضول ارتفاعًا واتّساعًا، حتى بدا وكأن السماء نفسها لا تضع حدًّا لعلوّها.
وخلال تلك الأيّام، كان كلٌّ من ريڤيير وكرايفن يعتاد حضور الآخر شيئًا فشيئًا، حتى غدا الوقت الذي يقضيانه معًا خاليًا من أي حرج، أقرب إلى الألفة الصامتة منه إلى المجاملة الرسمية. ولأن ريڤيير كانت تعاني ألمًا في قدمها حال دون تعلّمها الرقص أو فنون المبارزة، فقد كانا يمضيان أغلب أوقاتهما جالسين، يتقاسمان السكون والكتب.
وقد كانت ريڤيير عونًا لا يُستهان به في قراءة تلك الأكوام المزعجة من الوثائق التي ألقاها دوق بلانش على عاتق كرايفن؛ ولا سيّما حين يتعلّق الأمر بتشابكات القوى بين العائلات النبيلة، إذ كانت شروحها الواضحة، وتحليلاتها السلسة، أبلغ أثرًا وأسرع فهمًا من أي ورقة مكتوبة.
صوتها الجميل، لفظها العذب، ونبرتها الهادئة التي تبعث الطمأنينة في القلب، كلّ ذلك جعل الجلوس ساكنًا على مقعد الدراسة، رغم كونه مخالفًا لطبع كروفت، أمرًا غير سيّئ على الإطلاق ما دام بصحبتها.
وبينما كان كرايفن يطالع وثائق تتعلّق بالأوضاع السياسية لإمبراطورية لوينز، كانت ريڤيير تجلس إلى جواره تقرأ كتابًا، فإذا ما طرح سؤالًا رفعت رأسها وأمدّته بما يلزم من معرفة، وكأنها موسوعة حيّة تنطق حين يُسأل.
كانت ريڤيير، بجمالها وأناقتها وذكائها، تبدو وهي تقرأ كلوحةٍ مرسومة بعناية؛ فكان كرايفن يحدّق فيها دون وعي، ثم ما إن تضع كتابها جانبًا حتى يسارع بصرف نظره، كمن أُمسك متلبّسًا.
قالت ريڤيير وهي تغلق الكتاب برفق:
“يبدو أنّ الوقت مضى أسرع مما توقّعت.”
لقد اندمجت في القراءة أكثر مما ظنّت، حتى شعرت بإجهادٍ في عينيها وثقلٍ في كتفيها. وكان عنوان الكتاب الذي تحمله بين يديها هو <تاريخ تأسيس لوينز>.
والحقّ أنّ عقل ريڤيير بلانش كان يحوي أصلًا كلّ ما يلزم من معارف؛ أي أنّها لم تكن بحاجةٍ فعلية لإعادة قراءة كتابٍ تاريخي مملّ كهذا. ففي الواقع، كانت قد استبدلت غلافه بمحتوى مختلف تمامًا، إذ جلبت من مكتبة الدوقية روايةً غرامية، بطلتها تقع في حبّ يونيكورن فاسق ذي سحرٍ غريب، رواية مسلّية إلى حدّ لا يُقاوم.
‘يبدو أنّ أحدهم، أيًّا كان، كان يملك ذوقًا رائعًا حين عاش في هذا القصر.’
ولو فتّشت أكثر، لعلّي أجد مجموعته الأخرى أيضًا؟
وبينما كانت ريڤيير تغرق في هذه الأفكار، كانت عينا كرايفن مثبتتين على كتابٍ آخر هو <تاريخ إمبراطورية لوينز>.
قالت مبتسمة:
“أحقًّا تجد أحداثًا مضى عليها أكثر من ثلاثمئة عام ممتعة إلى هذا الحد؟”
أجابها بهدوء:
“أليسوا يقولون إنّ الماضي مرآة المستقبل؟ لا ضرر من معرفته.”
مع أنّها لم تكن ترى كيف يمكن ليونيكورن فاسق أن يعكس مستقبلًا ما، إلا أنّ ريڤيير ألقت نظرة على العنوان وأجابت بإجابةٍ عامة بدت مقنعة.
ضحك كرايفن ضحكة خافتة وقال بنبرةٍ ساخرة:
“أن تثقي بكتب التاريخ يا أميرة، لَسذاجة بعينها. فهي ليست سوى أكاذيب دوّنها المنتصرون.”
لم يكن كلامه خاطئًا. فالأباطرة الذين قرأت عنهم ريڤيير في كتب التاريخ ظهروا جميعًا كملوكٍ فاضلين، حكماء، لا تشوب سيرتهم شائبة.
وكأن ذلك ممكن!
إمبراطورٌ لم يخض حربًا واحدة طوال عهده، نال المديح لأنه منح شقيقه الأصغر لقب دوقٍ عظيم توطيدًا لأواصر الأخوّة… بينما كانت فضائحه جالسةً الآن أمام ريڤيير عينًا بعين.
الإمبراطور الراحل جيلفريد الثاني، والد كرايفن، وزوجته الأولى الإمبراطورة ليتيسيا، أمّ كرايفن.
قصص الإمبراطورة التي خانت، والإمبراطور الذي قتل زوجته، لا مكان لها في كتب التاريخ. فقصة ليتيسيا، التي عُزلت ثم أُعدمت بأمرٍ ملكي، حُفرت كمحرّمٍ لا يُمسّ بمرسومٍ من جيلفريد الثاني نفسه.
ولهذا، لم تكن ريڤيير تعرف التفاصيل كاملة، لكن مجرّد إلقائه بابنه ذي الأعوام السبعة في أقاصي الشرق كان ذنبًا كافيًا ليستحقّ الإدانة.
ومع ذلك، كيف كانت الحقيقة تُروى؟
ليتيسيا، التي قُتلت على يد زوجها، صارت مادّة لسخرية النبلاء، وجيلفريد الثاني، الذي “ترأّف” ولم يقتل ابنه، حاز الثناء.
أمّ فاسدة، وأبٌ قاسٍ.
إنه، بكلّ المقاييس، رجلٌ استوفى شروط الطغيان بدقّة مثيرة للسخرية.
‘إذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية… فحتى هذا الرجل مثير للشفقة.’
قالت ريڤيير وهي تنظر إلى كروفت بعينين يغمرهما التعاطف:
“ليس الجميع يصدّق تلك الأكاذيب، يا صاحب السمو.”
تغيّر بريق عيني كرايفن عند سماعه كلماتها، غير أنّ ريڤيير التي لم تلحظ ذلك، كانت قد جمعت كتبها ونهضت من مكانها.
“ما رأيك أن نتوجّه لتناول الطعام؟”
وضع كرايفن القلم الذي كان بيده بهدوء، واقترب منها قائلًا:
“اسمحي لي لحظة.”
‘لو استمرّ هذا، سأعتاد على أن أحمل بين ذراعيه طوال الوقت…’
بهذه الفكرة، مدّت ريڤيير يديها نحو عنقه، فحملها كرايفن بخفّةٍ مذهلة واتّجه بها إلى قاعة الطعام.
وكانت جيروني تراقب المشهد من بعيد، فيما يتعمّق زفيرها حزنًا. كانت تتمنى لو أنّ كرايفن، الوقح والمتمرّد، يغادر إلى القصر الإمبراطوري بأسرع وقت، لكن تلك الآنسة الرقيقة، الغالية، بدت وكأنها تزداد ميلًا إليه يومًا بعد يوم.
وبينما كانت جيروني تفكر في كيفية إنقاذ ريڤيير من مستنقع “الرجل السيّئ”، انفجرت الكارثة أخيرًا—كارثة من العيار الثقيل، كفيلة بأن تقلب دوقية بلانش رأسًا على عقب.
كان ذلك فجر اليوم الخامس منذ وصول كرايفن إلى القصر.
* * *
استيقظت كينسيل، التي كانت نائمة كالميت، تمامًا بعد ثلاثة أيّام كما أنذرت، وفي عمق الليل تحديدًا.
وفي تلك الليلة، قتلت فارس فرسان بلانش، هاميلتون.
نهضت فرقة الفرسان كخلية نحلٍ هائجة إثر مقتل رفيقهم، وأيقظ القائد جيليان ريڤييه من نومها وهو يصرخ مطالبًا بالثأر.
وبما أنّ دوق بلانش كان لا يزال خارج الدوقية، كان على ريڤيير أن تتولّى احتواء الفوضى بنفسها.
وبعد أن هدّأت جيليان بصعوبة وأعادته عن عزمه على تحدّي كينسيل فورًا، كانت ريڤيير تمسّد جبينها المثقل بالصداع حين ظهر كرايفن أمامها، وقد بدا عليه الارتباك بدوره بعد أن فشل في العثور على كينسيل التي تسبّبت بالمصيبة ثم اختفت.
وحين نقلت إليه ريڤيير موقف جيليان، أومأ كرايفن برأسه قائلًا:
“إن كان يريد تفريغ حقده، فسأقبل. يمكنني أن أواجهه بدلًا من كينسيل.”
قالت ريڤيير بحدة مكتومة:
“سموك، هل تنوى قتل فارسنا، ثم قائد الفرسان أيضًا؟”
“…ومن قال إنني سأفوز؟”
“هذا أسوأ. والدي سيقطع رأس قائد الفرسان إن حدث ذلك.”
تنفّس الاثنان الصعداء في آنٍ واحد.
أما بليك، الذي لم يكن يتمنّى سوى الوصول سالمًا إلى القصر الإمبراطوري، فقد لزم الفراش متذرّعًا بالمرض، بينما كان صوت ميليك الجهوري، وهو يبحث عن كينسيل في كلّ مكان، يصل حتى مكتب ريڤيير.
أين ذهبت مسبّبة هذه الفوضى بحقّ؟
“هل هربت كينسيل؟” سألت ريڤيير.
“تلك… ليست من النوع الذي يفرّ خوفًا من أفعاله.”
هبط زفيرهما الثقيل إلى الأرض.
ولم تظهر كينسيل إلا مع بزوغ الصباح، بعد أن قلبت القصر رأسًا على عقب ثم اختفت. كان تشِست قد عثر عليها في المطبخ، تنهب الطعام، فأمسك بها وجاء بها.
وحين وصلت ريڤيير إلى غرفة كرايفن، كانت كينسيل جالسة في وسط السجادة، متربّعة بكلّ هدوء.
أسرع كرايفن، الذي كان ينظر إليها وذراعاه معقودتان، نحو ريڤيير ومدّ يده لها، ثم قال لكينسيل وهو يسند ريڤيير المتعثّرة:
“كينسيل. عالجي قدم الأميرة أولًا.”
“الأميرة؟ هل أُصيبت ساقكِ؟”
“التوى إصبع قدمي فقط، يا سيدة كينسيل.”
“يا إلهي، تنادينني ‘يا سيدة كينسيل’؟ من فضلكِ قولي كينسيل فقط، يا أميرة.”
ابتسمت كينسيل ابتسامة عريضة، ولوّحت بيديها قبل أن تجثو على ركبةٍ واحدة أمام ريڤيير، وترسم بدائرةٍ سحرية حمراء على قدمها، ثم رفعت رأسها قائلة:
“هل لي أن أعرف من تجرّأ وفعل هذا بقدم أميرتي الغالية؟”
كانت تبتسم ابتسامة مشرقة لدرجةٍ مؤلمة، حتى إن كرايفن كتم أنينه.
قبل أن يتقاتل مع قائد فرسان الدوقية، قد يضطر إلى خوض معركة مع كينسيل نفسها.
وإن حدث ذلك، فلن يبقى هذا القصر قائمًا.
كان الموقف بالغ الإحراج.
فبادرت ريڤيير بالإجابة سريعًا قبل أن يتفوّه كرايفن بما لا يُحمد عقباه:
“كان خطئي أنا، كينسيل.”
ضيّقت كينسيل عينيها لوهلة، ثم عادت لتبتسم ونهضت.
“لقد شُفيت قدمكِ، يا أميرة.”
“شكرًا لكِ.”
جربت ريڤيير أن تطأ الأرض بقدمها اليمنى، فارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها. لقد كانت قد تباهت قائلة إن ثلاثة أيّام كافية للشفاء، لكن إصبعها لم يكن يُظهر أي رغبة في التحسّن حتى تلك اللحظة.
تركت يد كرايفن وسارت بنفسها حتى جلست على الأريكة.
“والآن، كينسيل… لنتحدّث عن سبب قتلك للسير هاميلتون.”
اقترب كرايفن منها وهو يهزّ رأسه نافيًا؛ فقد سأل السؤال ذاته قبل قليل، ولم ينل جوابًا. وكان يعرف أنّ عناد كينسيل، إن بدأ، فلا دواء له.
وحين همّ بأن يخبر ريڤيير بذلك، اضطر إلى الصمت، إذ كانت كينسيل قد جلست بجوار ريڤيير بالفعل، تلفّ خصلة من شعرها حول إصبعها وتجيب:
“لكن يا أميرة… ذاك الرجل فعل ما يستحقّ الموت.”
تشنّجت ريڤيير. فقد عُثر على جثة هاميلتون قرب الحظيرة، بعيدًا قليلًا عن المبنى الرئيسي.
‘ماذا لو حاول إيذاء كينسيل؟’
كان مجرّد التفكير كفيلًا بإحداث صداع.
“هل تصرّف بوقاحة معكِ؟”
أجابت كينسيل، وعيناها تلمعان:
“لو فعل ذلك، لكان لا يزال حيًّا، يا أميرة.”
فكّر كرايفن فورًا أنّ هاميلتون كان محظوظًا بمقتله، لكن ريڤيير مالت برأسها في حيرة.
ففي نظرها، كانت كينسيل ساحرة متسامحة لا تقتل حتى من يسيء إليها.
إن كانت قد قتلت فعلًا، فلا بدّ من سببٍ جسيم.
“ماذا فعل إذًا؟”
ابتسمت كينسيل ابتسامة غامضة وقالت:
“مهما كنتِ، يا أميرة، لا أستطيع إخبارك. لأن الطائر الصغير… لن يرغب في ذلك.”
ازدادت حيرة ريڤيير.
‘أيّ طائرٍ صغير هذا؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"