1
الطاغية ومعلّمة الآداب
“هـــــاه…”
أطلقت ريفيير تنهيدة طويلة، ممتدّة، متثاقلة، كأنها خرجت من أعماق روح أُنهِكَت من كثرة التفكير، وهي تحدّق بلا رمشة في المرأة التي تحدّق إليها من الجهة الأخرى للمرآة—امرأة بشعرٍ ذهبيّ يلمع بلمعة الذهب المصهور تحت شمسٍ لا تغرب، وبعينين زرقاوين ذكيتين تحملان في عمقهما ألف سؤال وألف حسرة—وقد بادلتها تلك المرأة التنهيدة نفسها، وكأن الانعكاس ذاته يعترف بعجزه عن التأقلم مع هذا الوجه الذي ما زال يبدو غريبًا رغم مرور أسبوع كامل على النظر إليه بلا انقطاع.
ريفيير بلانش.
الوريثة الوحيدة لدوقية بلانش، الحسناء التي تُشاد بجمالها كما لو كانت لوحة خُلقت من أجل أن تُعلَّق على جدار السماء، الفتاة التي تتسابق سيدات لُووينس الأرستقراطيات على نسج قصائد الثناء والتمجيد لجمالها الذي يشبه عملاً فنيًا نُحت من الضوء.
…لكن ما الفائدة من كل هذا البذخ الجمالي؟
ما النفع من مديح البلاط؟
ما جدوى أن تكون تحفة فنية… إن كانت نهايتك المحتومة هي الموت؟
“هااااااه…”
تعمّدَت أنفاسها الثقيلة أن تغطي سطح المرآة بطبقة من الضباب الشاحب، كأنها تُعلن موت الأمل قبل أن يُولد، وعندها اقتربت الخادمة جيروني بخطوات محسوبة، وهمست بصوت يكاد يرتجف:
“آنستي؟ آنستي ريفيير؟”
“هم؟ ما الأمر يا جيروني؟”
“سموّ الأمير… ينتظر.”
“أعلم.”
“و… إذا تأخرتِ أكثر فـ… قد يغضب، آنستي.”
“أعلم ذلك أيضًا.”
أطلقت ريفيير تنهيدةً ثالثة—أطول من سابقتها، أثقل من سابقتها، وكأن رئتيها تحترقان من محاولة دفع ما تبقّى من إرادة إلى السطح—ثم أدارت وجهها عن المرآة التي لم تعد ترغب في رؤية نفسها فيها، ونهضت ببطءٍ يشبه وداعًا أخيرًا.
في ذهن جيروني لمّعت فكرة مُرعبة:
إن تأخرتِ أكثر… سيستشيط ذلك الكلب المجنون غضبًا.
وخلال سيرها عبر الممر الطويل الذي يمتدّ كأنه طريق إلى منصة الإعدام، أخذت ريفيير تفكّر بمرارة يصعب وصفها:
هل يجدر بي… أن أهرب الآن؟
أن أستغل اللحظة الأخيرة قبل أن يبتلعني القدر؟
لكنها طردت الفكرة بتنهيدة رابعة أطول من كل ما سبق.
إلى أين ستذهب؟
وأي باب سيفتح لها؟
وما الطريق الذي يمكن لابنة دوق تربّت داخل حدود القصور أن تسلكه للهروب من قصرٍ يعرف كل نبض فيه الحراس والخدم؟
ثم إن هذا العالم… لم يكن عالمًا تستطيع فيه امرأة بلا حماية، بلا لقب، بلا رجل، أن تعيش يومًا واحدًا دون أن تصبح فريسة للذئاب البشرية التي تملأ الطرقات.
والأسوأ من ذلك… أنّ أسبوعًا واحدًا فقط مضى على دخولها إلى جسد ريفيير.
أسبوع واحد غيّر وجودها، محا حياتها السابقة، وتركها محاصرة بذكريات ليست ذكرياتها.
وحين جمعت أجزاء تلك الذكريات مع الأحداث الدامية للرواية… اكتشفت الحقيقة المرعبة:
إنها ليست البطلة.
ولا الشريرة الرئيسية.
بل… أول ضحية للطاغية.
ولسوء حظّها، ولشدّة سخرية القدر، كان الطاغية نفسه قد وصل بالفعل إلى قصر بلانشيه.
ما زالت كل صباح تستيقظ لتحدّق في سقف لا تعرفه، في عالم لا ينتمي إليها، فكيف تبحث عن طريقة لتغيير مصيرها؟
مصير لم يُكتب ليُمحى… بل ليُنفّذ.
لم يبقَ لها سوى اليأس…
واليأس وحده، صديقها الوحيد.
على الأقل—هكذا فكرت وهي تجرّ قدميها—سترَى بنفسها وجه ذلك البطل القذر، كرايفن.
وفيما هي تمشي، تحوّلت خطواتها الراقية، المولودة في حضن النبالة، إلى خطوات ثقيلة متعثّرة، ولاحظت جيروني ذلك، لكنها عزته إلى الخوف من الأمير الذي تقول الشائعات إنه قد يقتل شخصًا لمجرد أنه تنفّس بالقرب منه بطريقة لم تعجبه.
وصلتا أمام الباب.
طرقت ريفيير.
فتحت جيروني.
وتقدّمت ريفيير إلى الداخل بخطواتٍ تزن المستقبل كلّه.
كان كرايفن جالسًا على الأريكة…
وكان، بشكل لا يمكن وصفه…
وسيمًا.
وسيمًا لدرجة تجعل القلب يتوقف لحظة، ليس إعجابًا… بل تحذيرًا.
ذلك النوع من الجمال الخطير الذي ينهشك قبل أن تتقنه.
عيناه الحمراوان—اللتان وصفتهما الرواية بأنهما شؤمٌ وسابقـة موت—كانتا جميلتين بجمالٍ غير قابل للعقل.
شعره الأسود ينسدل كسواد الليل.
وجهه المصقول يتّحد مع قسوته الهادئة ليشكّلا جمالًا من نوعٍ شرّاني، جمالًا يُغري بالموت.
وجدت نفسها تُعجب به رغماً عنها… ثم أطلقت تنهيدة خامسة.
ما الجدوى من جمالٍ كهذا؟
قشرةُ ذهبٍ تُخفي تحتها مجرمًا… قاتلًا… طاغيةً سيُدمّر كل شيء.
كرايفن في الرواية… لم يكن مجنونًا عاديًا.
كان المجنون الذي يستحقّ أن يُكتب اسمه بدمٍ لا بحبر.
هو بطل رواية «أتلقى حبّ الطاغية»…
الأمير المنكوب، كرايفن.
عندما كان في السابعة، رماه والده—الإمبراطور الراحل—إلى الحدود الشرقية، إلى مكان يعجّ بالبرابرة والوحوش والمجرمين… مكان يُعتبر مقبرة بلا علامات.
لكنه لم ينجُ فحسب…
بل أصبح أقوى مجنونٍ في الشرق.
وحين بلغ العشرين، أسّس فرقة مرتزقة أخضعت الشرق بأكمله تحت قدميه.
وبعد ذلك… مات الإمبراطور الذي كان يتمنى موت ابنه قبله.
وحين خلا العرش، أحضر الدوق بلانش—والد ريفيير ــ كرايفن إلى العاصمة ليمنحه العرش… ويجعل ابنته إمبراطورة.
لكن الطاغية…
بعد أن اعتلى العرش…
قرر أن أول اسم سينزفه سيكون: عائلة بلانش.
ومن تلك اللحظة سالت أنهار الدم في الإمبراطورية…
وكانت ريفيير أول من يسقط فيها.
حبست أنفاسها وتجنّبت النظر إلى توهّج عينيه.
ورغم خوفها، تحرك جسدها وفق عشرين عامًا من التدريب الصارم على آداب البلاط.
“سموّ الأمير… ريفيير بلانش تتشرف بلقائك.”
انسدل شعرها الذهبي مثل شلالٍ من الضوء، وانحنت بوقارٍ يجعل الشمسَ نفسها تنحني خجلًا.
لكنه… نقر بلسانه بازدراء.
كان والدها يزعجه بلا توقف بضرورة تعلمه آداب البلاط، ثم أرسل له فتاة تبدو وكأن الهواء قد يكسرها.
رفع ساقه الطويلة ووضعها على الطاولة بكسلٍ متعجرف، ثم مال برأسه قليلًا وحدّق بها كأنّه يحدّق في قطعة زجاج هشة.
“إذن… معلّمة الآداب التي وعدني بها الدوق… كانت ابنته.”
“نعم يا سموّه. سأبذل جهدي لأكون خير معين لك.”
“حسنًا… جرّبي.”
“…الآن؟”
“قلت لكِ… جرّبي أن تعلّميني.”
لمعت عيناه بلون الدم، نظرة تقول بوضوح:
كلمة واحدة إضافية… وسأقطع رأسك الآن.
تجمّدت ريفيير في مكانها، لا تدري أيهما تصدّق:
عيناه التي تهددها بالموت… أم فمه الذي يطلب منها أن تعلّمه؟
جمعت كل شظايا شجاعتها، قبضت على يديها المرتجفتين، وابتسمت—ابتسامة ليست سوى قناع مصنوع من اليأس الخالص.
“حسنًا إذن… لنتحدّث عن برنامج الدروس الخاص بسموّك.”
تفاجأ كرايفن داخليًا.
توقع أن تبكي، أن تهرب، أن تنهار فور أن هددها بعينيه.
لكنها… صمدت.
بل وابتسمت.
كانت أقوى مما توقع، وهذا أغضبه بقدر ما أدهشه.
ومع ذلك… لم يشأ أن يتأمل تلك الابتسامة المهزوزة طويلاً.
ولم يكن قادرًا على طردها، فابنة دوق بلانشيه ضرورة لخطته كي يصبح ملكًا.
فأدار رأسه عنها، ببرودٍ متعمّد—برودٍ يجعل الهواء ثقيلًا عليها—وتركها واقفة وسط الصمت الطويل، المحرج، الذي يلتهم ما تبقّى من عزيمتها.
كان قد قال لها: جرّبي أن تعلّميني.
لكن ما حصل لم يكن تعليمًا… بل تجاهلًا كاملًا.
لم يكن بوسع ريفيير أن تغادر مكانها دون إذن من الأمير، ولا أن تُلح عليه ما دام لا يجيبها.
لذا ظلّت واقفة لوقت ليس بالقصير، تحدّق في وجه كرايفن مترقّبة، تستمد منه أي إشارة… ولو صغيرة.
ومع مرور الثواني بدأ الغيظ يتصاعد في صدرها.
ما الذي يفعله هذا الآن؟
حين يكلمك أحدهم فمن الأدب أن ترد!
أما أن ترفع قدميك فوق الطاولة وتتعامل مع من أمامك كأنّه هواء… فأي تربيةٍ فاسدة أفرزت هذا السلوك؟
وكل هذا يحدث مع الشخص الذي جاء بنفسه ليطلب مساعدتها!
طاغية؟ بطل رواية؟
ريفيير كانت تكره شيئًا واحدًا أكثر من الطغاة: عديمي الأدب.
قال لها “علّميني”، أليس كذلك؟
وبناءً على كلمته، انحنت ريفيير موافقةً، ثم تقدّمت نحوه بحركة محسوبة.
رفعت طرف تنورتها قليلًا بيدها…
وبكل رقيّ، وبكل قوّة، ركلت ساقه المتكاملة الصقل.
انطلقت ساق كرايفن الطويلة في قوسٍ بلغ مئةً وعشرين درجة قبل أن تنزلق عن الطاولة وترتطم بالأرض.
‘ما هذا… بحق …؟’
لم يستوعب كرايفن ما الذي جرى توًّا.
حدّق في ساقه التي استدارت بعنف، ثم التفت نحو ريفيير ، وعيناه الحمراوان تتوهّجان كجمرة توشك أن تنفجر.
كانت الحركة التي رفعت بها ريفيير تنورتها قبل الركلة رشيقة إلى حدّ أنّ حتى شخصًا جاهلًا بالآداب مثله أدرك أنّها كانت حركة أنيقة… حدّ الكمال.
امرأة تبدو كلوحة… مهما فعلت.
هكذا فكّر لوهلة.
ثم وجد نفسه نصفَ ملتفّ، كأنّ جسده سبق وعيه.
هل تعرف هذه المرأة أنّ من يجرؤ على لمس جسده—فضلًا عن ركله—لم يخرج يومًا حيًّا من بين يديه؟
ورغم الجريمة التي ارتكبتها بحقّه، ظلّ وجه ريفيير هادئًا… مصقولًا… راقيًا كعادته.
كانت الصدمة من الغرابة لدرجة أنّه حتى فقد اللحظة المناسبة للغضب.
“ما الذي تفعلينه؟”
“أؤدّي واجبي، يا مولاي.”
“خالط ظني أنكِ… ركلتِ ساقي قبل قليل.”
“وضع قدميك فوق الطاولة لا يليق بمقام الإمبراطور المستقبلي، يا صاحب السمو.”
“وهل ركل وريث العرش يُعدّ تصرّفًا لائقًا؟”
كان كرايفن يزمجر، لكن ريفيير لم يرمش لها جفن.
“إن لم تعجبك طريقتي في التعليم، فاطلب استبدالي. والدي لن يرفض طلبك.”
لم تكن تقصد الوصول إلى هذه النتيجة…
لكن ما دامت خرجت من فمها، فقد بدت فكرة ممتازة.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي ريفيير.
في الرواية الأصلية، يقيم كرايفن أسبوعًا في قصر دوق بلانش، ثم يدخل القصر الإمبراطوري بصحبة معلّمته في الآداب: ريفيير.
وهذا يعني أنّه لو طلب معلّمًا آخر… فلن تضطر لمرافقته إلى القصر.
وإن حصلت على المزيد من الوقت، وتعرّفت إلى هذا العالم جيدًا… ربما استطاعت التفكير في طريقة للهرب قبل موتها المحتوم.
عيناها الزرقاوان تلألأتا بالأمل.
أما كرايفن، فرأى ذلك البريق… فازدادت دهشته حتى كاد يفقد صوابه.
ابتسمت ريفيير بفرحة مكتشفةٍ طريقًا للنجاة.
وفي تلك اللحظة نفسها… ارتسمت على وجه كرايفن ابتسامة قاتمة.
“لا. لقد رغبت فجأة في معرفة مدى قدراتكِ كمعلمة آداب. سأراقبكِ جيدًا.”
…لماذا؟
اتسعت عينا ريفيير الزرقاوان بالصدمة، تسأل دون أن تنطق.
أما هو فاكتفى بابتسامة خطيرة ترتفع على طرف شفتيه.
بينما كان يخطط لكيفية التعامل مع هذه المرأة الجريئة التي تجرأت على ركله… اتخذت ريفيير قرارها.
مهما كلفها الأمر…
لن تسمح لنفسها بأن تصبح معلمة الآداب لهذا الطاغية.
التعليقات لهذا الفصل " 1"