لكي نفهم كيف أصبحت جاي-هي تُنادى بـيا صغيرتي من قبل مالكة قلعة الشتاء، علينا أن نعود إلى ما قبل ثلاث سنوات.
حينها، كانت جاي-هي موظفة جديدة في إدارة المستيقظين، لم يمضِ على توظيفها سوى شهر واحد.
في ذلك اليوم، كان من المفترض أن تكون ساحة سيول مكتظة بالموظفين المتجهين إلى أعمالهم، لكنها كانت فارغة تمامًا باستثناء شخصين: جاي-هي، ومشرفها آنذاك كيم جونغ-تشول.
كانا يقفان وحدهما أمام مدخل شق ظهر فجأة في وسط الساحة.
“س-سيدي هل نحن في ورطة؟ هل سنموت هنا؟”
قالت جاي-هي وهي ترتجف، فهي لم تكن قد حفظت حتى موقع الحمّامات في المبنى بعد، وها هي تواجه اختبارًا مميتًا.
“هيه، لا تتفوهي بكلام شؤم كهذا.”
وبّخها كيم جونغ-تشول،لكن الحقيقة؟
’ربما نموت فعلًا.‘
جاي-هي تمسّكت ببصيص أمل،لكن سرعان ما أطفأه مشرفها بكلماته التالية:
“لكن احتمال موتنا مرتفع جدًا، اللعنة، لو كنت أعلم، لعشت حياتي أكثر قبل أن آتي، أن أموت بعد كل هذا التعب؟ تبًا.”
’لا، لا، أرجوك قل إننا سننجو…‘
بدأت الدموع تتجمّع في عيني جاي-هي.
كل شيء بدأ صباح ذلك اليوم.
كان يومًا عاديًا في مقر الإدارة، حتى…
“يا كانغ جونغ-هي! هناك حالة طارئة! أنتِ ضمن القائمة! تحرّكي فورًا!”
“ماذا؟ حالة طارئة؟!”
تلقت جاي-هي أمرًا بالخروج الميداني، وانطلقت مع مشرفها إلى الموقع.
وما استقبلهم هناك كان
“اللعنة، ماذا؟!”
شق من رتبة S.
وكانت تدفّقات الطاقة السحرية حوله تشير إلى أنه سيفتح قريبًا جدًا.
“تبًا، انتهى أمرنا! سنموت هنا!”
كانت هذه أول مرة ترى فيها جاي-هي مشرفها يشتم بهذا الشكل.
رغم أنه كان حادّ الطباع، إلا أنه لم يكن يسبّ عادة.
“سيدي، ما الذي يحدث؟”
“جاي-هي، نحن في ورطة حقيقية.”
قالها بصوت يائس.
شق ظهر فجأة، دون أي علامات مسبقة.
وقد يفتح خلال دقائق أو ساعات.
والإدارة؟ لم تكن مستعدة إطلاقًا.
بل إن معظم المستيقظين من الرتب العليا كانوا خارج المقر،
في مهمة لإغلاق شق من رتبة A.
حاولت الإدارة جمع كل من تبقّى، لكن لم يكن واضحًا إن كانوا سيصلون في الوقت المناسب.
تم التواصل مع النقابات القريبة، لكن من يرسل أفرادًا إلى موقع يُعتبر مقبرة محتملة؟
لا أحد.
“قالوا إن نقابة الغروب سترسل دعمًا قريبًا، فلنحاول الصمود قليلًا.”
قالها كيم جونغ-تشول محاولًا طمأنة جاي-هي.
ولحسن الحظ، وصلت رسالة تؤكد أن النقابة سترسل مستيقظين من الرتب العليا.
لكن الشق أمامهم كان على وشك أن يُفتح، والدعم لم يصل بعد.
كيم جونغ-تشول تنهد بعمق، فهو الآن يواجه شقًا من رتبة S، ولا يوجد في الميدان سوى هو ومستيقظة مبتدئة.
تم استدعاء الشرطة لإخلاء المدنيين، لكنهم ليسوا مستيقظين ولا يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة الوحوش.
“سيدي.. أنا خائفة.”
قالتها جاي-هي وهي ترتجف، تُمسك بسلاحها وتوجّهه نحو مدخل الشق، رغم أنها لا تعرف متى سيخرج الوحش.
“أنا أيضًا خائف، يا جاي-هي، لكن علينا أن نصمد قدر المستطاع. سيول فيها عشرة ملايين نسمة، علينا تقليل الخسائر البشرية قدر الإمكان.”
كيم جونغ-تشول لم يكن شجاعًا بلا خوف، هو مستيقظ من رتبة B، وجاي-هي من رتبة FFF،.
رغم أنها ليست سيئة كما يُشاع، لكنها تبقى في أدنى التصنيفات.
اثنان فقط في مواجهة شق من رتبة S؟
لو صمدوا دقيقة واحدة، فذلك سيكون معجزة.
لكن إن تمكّنا من كسب بعض الوقت، ووصل الدعم في تلك اللحظة فربما يكون تضحيتهما ذات معنى.
في تلك اللحظة، أدرك كيم جونغ-تشول شيئًا غريبًا: رغم أنه لم يكن يظن نفسه من النوع الذي يضحي، ها هو يفكّر في التضحية بنفسه من أجل سلامة المدنيين.
“جاي-هي، رغم أن الوقت كان قصيرًا، كنتِ أفضل معاونة لي، أنا آسف إن كنتُ قاسيًا عليكِ.”
’لقد كنتُ مجرد مبتدئة، وتلقيت الكثير من التوبيخ، لكنني حاولت…‘
“أنا أيضًا آسفة، سيدي!”
قالتها جاي-هي وهي تبكي.
“هممم… لا بأس.”
ردّ كيم جونغ-تشول بهدوء، ثم نظر إليها، وتفاجأ أن هذه الفتاة الهادئة كانت مستعدة للموت معه.
’ربما هذه نهاية مشرفة؟‘
لكن قبل أن يكتمل هذا الشعور—
بدأ الضوء يتسرّب من مدخل الشق.
لقد بدأ يفتح.
ثم—
بخطوات خفيفة، خرجت امرأة من داخله.
الجميع شهق من الدهشة.
لم تكن بشرًا.
قرنان ضخمان يزينان رأسها، وشعر فضي كأنّه خيوط من الضوء، وأجنحة هائلة تمتد خلف ظهرها.
“هممم…”
ظهورها كان نذير موت.
وابتسامتها الغريبة؟
كأنها ابتسامة نمر يحدّق في فريسته.
كيم جونغ-تشول شعر باليأس يتسلّل إلى قلبه.
الهالة السحرية التي تصدر عن تلك المرأة كانت طاغية بشكل لا يُصدّق.
لا شك أنها مالكة هذا الشق.
لكن هذه المالكة.. لم تكن تبدو ودودة تجاه البشر إطلاقًا.
دوم— دوم— دوم—!
اهتزت الأرض من الجهة المقابلة للشق،
ثم ظهر مصدر الصوت:
“دوقتي، ننتظر أوامرك.”
كان جيشًا شيطانيًا بكامل عتاده، يرتدي كل فرد منهم دروعًا مرعبة، ومستعدون للقتال، وكان عددهم هائلًا لدرجة أن كيم جونغ-تشول شعر أن ركبتيه ستخونانه.
’كيف يُتوقع منا أن نواجه جيشًا كهذا؟‘
لم يكن بيده شيء سوى القلق فالكارثة نزلت عليهم فجأة، ولا أحد مستعد لها.
“مجرد حراس تافهين.. ومع ذلك، تسعون لنشر الفوضى والدمار في هذه الأرض.”
قالت المرأة التي تُدعى إيريناس، بنبرة قاتمة، وعيناها تلمعان وسط أجواء مشؤومة.
لقد ظهر هذا الشق فجأة قرب حدود أراضيها، وبما أنه ينتمي إلى بُعدها، فهي تعتبره من مسؤولياتها.
وبعد أن قالت ذلك، استدارت لتعود إلى بُعدها، وتركت أمر التعامل مع البشر لجيشها.
لكن في تلك اللحظة—
بانغ!
جاي-هي أطلقت النار نحو رأس إيريناس.
وكانت الرصاصة لتصيبها مباشرة، لكن الهالة السحرية التي تحيط بها كانت طاغية لدرجة أن الرصاصة انفجرت في الهواء قبل أن تصل.
توقفت إيريناس، ثم التفتت ببطء نحو جاي-هي.
ونظرت إليها، وقالت:
“يا صغيرتي؟”
تجمّد الجميع في الساحة.
حتى جيش الشياطين توقّف عن الحركة.
’يا صغيرتي؟! هل تقصد تلك الدّبة الليلية التي كانت الدوق تعتز بها؟ الدوق التي كانت تقتل الكائنات بلا رحمة؟ هل هذه هي؟‘
ثم بدأت إيريناس تمشي نحو جاي-هي، خطوة بخطوة، بهدوء.
وكانت نظرتها كأنها تبحث عن شيء لتتأكد منه.
“من كمية الطاقة السحرية الحقيرة في جسدك، أنتِ مجرد صغيرة لم تنضج بعد.”
“……”
“يا صغيرتي، لماذا تبكين؟”
اقتربت منها حتى صار بينهما مسافة رأس فقط،
ثم سألتها بنبرة هادئة.
عندها فقط، أدركت جاي-هي أن عينيها تدمعان.
“كخخ… هممم… هه…”
كلمات إيريناس كانت الشّرارة التي فجّرت مشاعرها، فبدأت تبكي بمرارة.
’ما الذي يحدث؟ حتى هذا الصباح كان يومًا عاديًا.. لماذا أصبحت فجأة مجرد كومبارس يموت في فيلم نهاية العالم؟‘
حين انهمرت دموعها ارتجفت عينا إيريناس، وبدت مترددة.
ففي عالم الشياطين، حيث لا ينجو إلا الأقوياء، لم يسبق لها أن رأت كائنًا بهذا الضعف.
الهالة السحرية التي تحيط بجاي-هي كانت صغيرة، متذبذبة، تكاد تختفي.
ومع ذلك، وجودها بجوارها جعل قلب إيريناس يشعر بالسكينة، وكأنها نسيت للحظة أنها في ساحة حرب.
وهكذا، تصرّفت إيريناس على غير عادتها.
“يا صغيرتي، لماذا تبكين؟ هل آذاكِ أحد؟ أنا دوقة عالم الشياطين، وإن أردتِ، يمكنني أن أُرسل جيشي حتى أقاصي البحار لينتقم لكِ…”
“هل سأموت؟ هل ستقتلينني؟”
“ماذا؟! كيف تقولين ذلك؟ أنا، إيريناس، لست شيطانة متوحشة تقتل صغيرات لم ينضجن بعد!”
“لكنّكِ أمرتِ أولئك الشياطين بجلب الفوضى والدمار!”
جاي-هي، التي لم يمضِ على عملها سوى شهر، والتي لم تتجاوز العشرين من عمرها، كانت تبكي بمرارة، وتنظر إلى إيريناس بنظرة مليئة باللوم.
تلك النظرة أصابت شيئًا في داخل إيريناس، شيئًا ظنّت أنها فقدته منذ زمن بعيد.
’هل أنا مذنبة فعلًا؟‘
“أنتم!”
“أوامركِ يا دوقتي!”
“اختفوا فورًا!”
“……عفوًا؟”
“أنتم بوجوهكم المخيفة أفزعتم صغيرتي! اختفوا حالًا!”
ألقت إيريناس اللوم على جيشها، رغم أنهم كانوا يطيعون أوامرها فقط، فعادوا إلى عالمهم منكّسي الرؤوس.
ثم اقتربت من جاي-هي،
وبصوت ناعم كالعسل، قالت:
“يا صغيرتي.”
“……لماذا؟”
“أعدكِ، طالما أنتِ هنا، لن أؤذي هذه الأرض ولو بخدش واحد، فلتتوقفي عن البكاء، أرجوكِ.”
“هل هذا وعد؟”
“أقسم بشرفي كدوقة.”
ثم أمسكت بيدها الصغيرة،
وكان الفرق بين حجم يديهما كأنها تمسك بيد طفلة.
“أنتِ تحبين الحلويات، صحيح؟ خادمتي تصنع المادلين بطريقة مذهلة، هل تودّين تذوّقها معي؟”
وبهدوء، سارت بها نحو القصر، ثم سحبتها إلى بُعدها الخاص، دون أن يجرؤ أحد على إيقافها.
أما كيم جونغ-تشول، فما إن اختفت إيريناس، حتى انهار جالسًا على الأرض الخرسانية، وأطلق ضحكة فارغة.
’هل هذا… جيد؟ هل نجوْنا فعلًا؟‘
المشهد الذي رآه للتو كان يفوق قدرته على الاستيعاب،
ولم يعرف كيف يفسّره.
وبعد ساعات قليلة،
عادت جاي-هي، تحمل في يدها اتفاقية سلام، وفي اليد الأخرى كيسًا من المادلين.
وبفضل ذلك، أصبحت في نهاية العام أصغر موظفة تحصل على ترقية قياسية في الإدارة.
~*~
يتبع..
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"