6
أمام قلعة الشتاءّ في آرتكاوس، ضمن منطقة الشّق من الدرجة S
بعد حصولهما على إذن الدخول، كانت جاي-هي وكوون يستعدان لدخول منطقة الشق.
“تفضل، خذ هذا.”
ناولته جاي-هي وشاحًا كثيفًا من الفرو.
كوون قبِله بهدوء، لكنه لم يُخفِ استغرابه:
“سيدتي، هل علينا فعل كل هذا؟ صحيح أننا سندخل منطقة الشق، لكننا لا نزال في فصل الصيف…”
كان محقًا فكلاهما كان يرتدي معدات شتوية كاملة:
معطف طويل وسميك يصل إلى الركبة، وقفازات مصنوعة من جلد سيلينميتر المعروف بخاصية التدفئة الذاتية.
الجو لا يزال صيفيًا، والحرارة لم تنخفض بعد، حتى أن العرق بدأ يتصبب من جبين كوون.
لكن جاي-هي هزّت رأسها، وكأنها تقول: ’هذا الصغير لا يعرف شيئًا بعد.‘
“هل تعرف اسم منطقة الشق التي سندخلها الآن؟”
“طبعًا، إنها قلعة الشتاء في آرتكاوس، أو كما يُطلق عليها اختصارًا: قلعة الشتاء.”
هزّت جاي-هي رأسها موافقة.
فقلعة الشتاء كانت أول منطقة شق من الدرجة S دخلتها قبل ثلاث سنوات، حين كانت موظفة مبتدئة.
وكانت أيضًا السبب الرئيسي في ترقيتها السريعة إلى رتبة مشرفة.
“كما يوحي الاسم، داخل الشق دائمًا شتاء، حتى مع كل هذه الاستعدادات ستشعر بالبرد القارس.”
ثم أضافت:
“قبل فترة، اقترح أحدهم أن تُقام دورة الألعاب الأولمبية الشتوية داخل قلعة الشتاء.”
“ماذا؟!”
لا أحد يعرف من أين خرجت تلك الفكرة المجنونة، لكنها سبّبت لجاي-هي صداعًا لأسابيع.
ولحسن الحظ، لم تُنفّذ.
ففي الأعلى، أرادوا التفاخر عالميًا بقولهم:
“انظروا! نحن على علاقة ممتازة مع مالك منطقة الشق من الدرجة S!”
لكن العقبات كانت كثيرة:
كيف تُبنى ملاعب داخل منطقة شق؟
ثم إن الشق لا يُعتبر أرضًا وطنية رسميًا.
والأهم: مالك قلعة الشتاء هدّد بتحويل كل من يتجول في منطقته إلى أعمدة جليدية.
وهكذا، أُلغيت الفكرة.
ولحسن الحظ، فلو أُقيمت الأولمبياد فعلًا داخل الشق، لكانت جاي-هي قد نُقلت إلى المستشفى من فرط الإرهاق.
على أي حال، يكفي أن يُطرح اقتراح كهذا لتدرك مدى قسوة الشتاء داخل القلعة؛ فهي منطقة لا يذوب فيها الثلج أبدًا طوال العام.
“البرد هناك لا يُطاق، لذا استعد نفسيًا جيدًا.”
“آه…”
كوون بدا وكأنه لم يستوعب الأمر بعد.
لكن لا بأس، فالتجربة خير برهان.
“هيا ندخل ونتحدث في الداخل، ليس من اللائق أن نُبقي مالك القلعة منتظرًا.”
دخلت جاي-هي وكوون معًا إلى منطقة الشق.
~*~
ظهر الشق لأول مرة قبل ثلاثين عامًا.
في يوم واحد، انبثقت عشرات الشّقوق السوداء في أنحاء العالم، أشبه بالدوامات المؤدية إلى عوالم أخرى.
ارتجف الناس من الخوف.
كوريا الجنوبية لم تكن استثناءً.
ففي قلب سيول، في أكثر المناطق ازدحامًا، ظهر شق واحد، مما شلّ حركة المرور وأدخل المدينة في فوضى.
نشرت الحكومة الجيش حوله.
وبينما استمر التوتر أيامًا، خرج شخص من داخل الشق.
كان رجلًا.
يرتدي رداءً غريبًا، بعينين وشعر بلون لم يُرَ من قبل على الأرض، وفي يده عصا تشبه سلاحًا سحريًا.
فتح فمه وقال أول ما قاله:
“اللّعنة، أين أنا؟”
كان صادمًا أن يتحدث بالكورية، والأكثر صدمة أن يبدأ بالشْتيمة.
فهذا أول لقاء مع كائن ذكي من خارج الأرض، لكن أسلوبه كان رخيصًا للغاية.
“أنا أيضًا تفاجأت! كنت أبحث في فضائي الخاص، وفجأة ظهرت بوابة غريبة، أنا ساحر ومن الطبيعي أن أكون فضوليًا، دخلت وفجأة وجدت الناس يوجهون أسلحتهم نحوي! هل هذه الأرض؟”
ثم تابع:
“هذا مكان البشر إذن، أنا مارتمان من إمبراطورية آرتاكاس، كوني ساحرًا أبحث عن حقائق العوالم من الطبيعي أن أتأقلم، الأرض مجرد بُعد آخر خارج أبعادنا، أنا من الكائنات البُعدية.”
أخرج سجلًا قديمًا وقال بسخرية:
“لا تعرفون أنكم داخل بُعد؟ أنتم جنس متأخر، هذه حقيقة عرفناها منذ ألف عام، على أي حال، لقد دخلت وتجاوزت قوانين الأبعاد، وسرعان ما سيظهر بينكم من يستطيع استخدام السحر مثلي.”
وكما قال، ظهر المستيقظون.
أناس عاديون فجأة يستدعون سيوفًا من اللهب، أو يتحكمون بالنار.
“تريدون أن أحدثكم عن الأبعاد؟ حسنًا، الأبعاد كثيرة: أبعاد سحرية، أبعاد علمية، فضائي الخاص أحدها، بُعدكم يسمح بالحياة لكن قوانينه مختلفة، إن لم تستوعبوا هذا فستواجهون صعوبة، لكن حضارات أخرى ستجدكم مثيرين للاهتمام.”
وبهذا، بدأت الأرض تدرك أنها تواجه حضارة جديدة.
فسارعت حكومة كوريا الجنوبية إلى جمع المستيقظين، وأنشأت مؤسسة رسمية: إدارة المستيقظين.
كانت إدارة المستيقظين مسؤولة عن كل ما يتعلق بالاستيقاظ، الشقوق التي تظهر في كوريا الجنوبية، والأبعاد المرتبطة بها.
أما الدول الأخرى، فقد أنشأت مؤسسات مشابهة لإدارة الشقوق، وبعضها أوكل المهمة إلى شركات خاصة، مما أدى غالبًا إلى فقدان الحكومة لسلطتها، وصارت تلك الدول تحت رحمة الشركات.
بعض الشقوق لها مالك، وبعضها لا.
الشقوق التي بلا مالك تكون غير خاضعة لأي سيطرة، وغالبًا ما تسمح للكائنات التي بداخلها بالخروج إلى الأرض دون رادع.
لذلك، تعاونت إدارة المستيقظين مع النقابات الكورية لتطويق تلك الشقوق.
أما الشقوق التي لها مالك، فالوضع مختلف تمامًا.
وجود مالك يعني أن البيئة داخل الشق يمكن ضبطها،
وأن الكائنات لا يمكنها الخروج إلى الأرض بسهولة.
لذا، عند ظهور شق جديد، تقوم الإدارة أولًا بتحديد ما إذا كان له مالك أم لا.
وإن وُجد، تكون الأولوية القصوى هي منع تسرب الكائنات إلى الخارج.
والشق الذي دخله كوون وجاي-هي الآن، قلعة الشتاء في آرتكاوس، هو مثال واضح على ذلك.
~*~
“سيدتي.. الجو بارد جدًا!”
قال كوون وهو يرتجف.
حتى أبرد أيام الشتاء في كوريا لا تُقارن بهذا المكان.
الرياح كانت مؤلمة من شدّة برودتها، رغم أنهم دخلوا وهم يرتدون ملابس واقية، إلا أن البرد ظلّ يخترقهم.
“اصبر قليلًا فقط، هل ترى ذلك القصر هناك؟ هذا هو مقرّ مالك قلعة الشتاء.”
أشارت جاي-هي إلى قصر ضخم يلوح في الأفق، وكانت هيبته واضحة حتى من بعيد، مما جعل القشعريرة تسري في ظهر كوون.
’هل سنقابل مالك القلعة حقًا؟‘
رغم أن كوون مستيقظ من رتبة S، إلا أنه كان حتى وقت قريب مجرد إنسان عادي.
ومقابلة مالك شق؟ هذا أمر يبعث على التوتر بلا شك.
“سيدتي، ما نوع الشخص الذي هو مالك قلعة الشتاء؟”
“هممم.. كيف أشرح؟ على الأقل، ليس من النوع الذي يقتل الناس بسهولة، لا تقلق.”
’ماذا؟! هل يعني هذا أنه يقتل أحيانًا؟!‘
شحب وجه كوون فجأة.
لاحظت جاي-هي توتره، فحاولت تهدئته:
“لا داعي لكل هذا القلق، فكّر فيه كأنه مسؤول رفيع المستوى، مثل مدير عام أو والد شريكتك في الزواج، في الحقيقة، هو دوق من عالم الشياطين.”
“سيدتي.. هذا يجعلني أكثر توترًا!”
“اصمت.”
قالت جاي-هي ببرود.
لكن الحقيقة أنها كانت تشعر بشيء خاص تجاه مالك القلعة.. شيء لا يمكنها شرحه بسهولة.
وبلا وعي، وضعت يدها على صدرها.
“أيها البشر الحمقى، هل تعرفون أين أنتم لتجرؤوا على دخول هذا المكان؟ ألا تهمّكم حياتكم؟”
“سيدتي الخادمة، كيف حالك؟”
ما إن دخلوا القصر، حتى استقبلتهم امرأة في منتصف العمر، لها قرنان ضخمان على رأسها.
بشرتها شاحبة تميل إلى الزرقة، وعيناها بيضاء بالكامل، لا شك أنها من سلالة الشياطين.
كوون اتسعت عيناه من الدهشة فقد بدأت توبّخهم بكلمات قاسية فور دخولهم، لكن جاي-هي تقدّمت منها بابتسامة ودودة.
“أنتم تجرؤون على دخول قلعة الشتاء بأجسادكم الحقيرة؟
لو رآكم الدوق السّابق، لبكى دمًا.”
’هل هذه.. غريبة الأطوار؟‘
فكّر كوون، متعجبًا من تناقضها. فرغم كلماتها القاسية كانت تستقبلهم بابتسامة، وقدّمت لهما كوبين من الشاي الدافئ.
ثم قالت وهي تهمّ بالمغادرة:
“ليت الدوق يتخلّص سريعًا من ذلك الشخص الخبيث…”
دووم!
أغلقت الباب خلفها وغادرت.
كوون رمش بعينيه، مذهولًا.
“سيدتي، هل نحن بخير فعلًا؟ كلامها كان مرعبًا”
“آه، لا تقلق، الخادمة تتحدث بهذه الطريقة دائمًا، لكنها طيبة جدًا في الحقيقة.”
قالت جاي-هي وهي ترتشف من كوبها.
كوون لم يفهم كيف يمكن اعتبارها طيبة، لكن بما أن جاي-هي تعرف أكثر، فليكن.
ارتشف من كوبه، وما إن تذوّق الشاي، حتى اتسعت عيناه.
“لذيذ، أليس كذلك؟
الخادمة بارعة جدًا في تحضير الشاي، بل وتُبدع في صنع الحلويات أيضًا، خصوصًا المادلين، إنها تخبزها بطريقة مذهلة.”
قالت جاي-هي وهي تضحك.
“هل تزورين هذا المكان كثيرًا؟”
“ممم.. نوعًا ما، نعم.”
غمزت جاي-هي بأنفها.
فزياراتها المتكررة إلى قلعة الشتاء لها أسبابها…
لكن كيف تشرح ذلك؟
وبينما كانت تفكر،
فُتح باب غرفة الاستقبال.
“الدوق يطلب مقابلة الضيوف الحقيرين، توجّهوا إليه فورًا.”
وضعت جاي-هي وكوون أكوابهما، ونهضا من مكانهما.
~*~
ها هو مالك قلعة الشتاء.
كوون حدّق من بعيد نحو الدوق إيريناس.
امرأة تجلس بفخر على كرسي فاخر، تضع ساقًا فوق الأخرى، وترتدي عباءة سوداء طويلة، وعلى رأسها قرنان ضخمان، ومن ظهرها تمتد أجنحة هائلة.
يكفي النظر إليها لتدرك أنها ليست بشرًا عاديًا.
أما هالتها السحرية…
فكوون، بصفته مستيقظًا من رتبة S، استطاع أن يشعر بها.
كانت أشبه ببحر بلا قاع،
دوامة إن دخلتها فلن تخرج أبدًا.
نظرت إليهما بعينيها البيضاء البراقة، ثم أمالت رأسها قليلًا،
وبعد أن حدّقت بكوون بنظرة باردة، التفتت إلى جاي-هي وابتسمت ابتسامة واسعة.
“يا صغيرتي.”
’صغيرتي؟!‘
كوون لم يصدق ما سمعه.
كيف يمكن أن تخرج هذه الكلمة من فم تلك المرأة المهيبة؟
لكن الدوق إيريناس، مالكة قلعة الشتاء، أظهرت فرحًا حقيقيًا وهي ترى جاي-هي.
“أوه، ألم تزوريني منذ زمن طويل؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا، صغيرتي.”
“آه.. كانت لدي أعمال كثيرة، لكنني أيضًا اشتقت إليك كثيرًا يا دوقتي!”
شعرت جاي-هي بالخجل الشديد،حتى أنها تمنت أن تضرب رأسها بالحائط.
فهي في الثالثة والعشرين من عمرها،
ومع ذلك تُنادى بـالصغيرة، وأمام مساعدها الجديد أيضًا!
لكن ما في القلب شيء، وما يخرج من الفم شيء آخر.
فقد حاولت أن تبتسم وتبدو سعيدة، رغم إحراجها.
~*~
يتبع..
التعليقات لهذا الفصل " 6"