5
“إذن، سأغادر الآن.”
قالت جاي-هي وهي تستعد لمغادرة مكتب جونغ تشاي-شين.
لكن قبل أن تفتح الباب، انفتح الباب فجأة بصوت فرررر!
لا، في الحقيقة الباب لم يُفتح فقط بل سقط بالكامل من مكانه.
ثم…
“عووو! عووو عووو!”
اندفع ذئب ضخم إلى داخل المكتب متّجهًا نحو جاي-هي.
لكنها تفادته بخفة، وكأنها معتادة على مثل هذه المواقف.
“تشوي نوا، قلت لك ألا تندفع نحو الناس وكأنك جرو صغير!”
كان الذئب في الحقيقة رفيق المستيقظ من رتبة SS، تشوي نوا.
أما جونغ تشاي-شين، فقد وضع يده على جبينه، وكأنه يقول: “ليس مجددًا…”
في العُرف العام، يُطلق على المستيقظين من الرتب العليا اسم الحسّاسين.
ويوجد حاليًا أربعة منهم يعملون في إدارة المستيقظين.
ومع ظهور تشوي نوا، أصبح العدد خمسة.
عادةً ما يتصرّف هؤلاء الحسّاسون كأنهم منبوذون، ولو طُلب من أحد أن يختار أكثرهم غرابة، لاختار الجميع تشوي نوا دون تردد.
تشوي نوا هو باختصار: المنبوذ الرّسمي لإدارة المستيقظين.
وبصراحة، يمكن القول إنه لا يفكر كثيرًا.
لكن المشكلة ليست في تفكيره بل في كونه مستيقظًا من رتبة SS، ويمتلك قدرة خارقة: التحوّل إلى أي حيوان على الإطلاق.
في إدارة المستيقظين، لا يوجد حدّ عمري رسمي للانضمام،
لكن ضمنيًا معظم الموظفين أنهوا على الأقل المرحلة الثانوية قبل التقديم.
أما المستيقظون من الرتب العليا، فهم استثناء.
فقد تظهر قدراتهم في سن مبكرة، بين الثانية عشرة والثامنة عشرة.
وبعض الحالات النادرة تظهر بعد البلوغ، لكنها قليلة جدًا.
ورغم أن المجتمع أصبح أكثر استقرارًا منذ ظهور القوى، إلا أن المستيقظين من الرتب العليا ظلوا نادرين.
لذلك حتى لو كان المستيقظ في سن المراهقة، يُرسل مباشرة إلى الميدان.
جونغ تشاي-شين نفسه انضم إلى الإدارة في سن السابعة عشرة فور استيقاظه.
أما تشوي نوا، فقد دخل الإدارة لأسباب مختلفة تمامًا فهو استيقظ في سن الثانية عشرة، وبصفته من رتبة SS، لم يكن من الممكن تركه يتجوّل بحرّية في المجتمع.
لذا وبموافقة والديه، ضمّته الإدارة تحت جناحها.
ورغم أن الأمر سُمّي توظيفًا، إلا أنه كان أقرب إلى الرعاية.
علموه كيف يتحكم في قدراته، درّسوه، وأعطوه مصروفًا.
وقيل له: “حين تتمكن من ضبط نفسك، يمكنك المغادرة متى شئت.”
لكنه بقي.
المشكلة الوحيدة: أنه دائمًا ما يتنقّل في هيئة حيوان، وأحيانًا يتسبب في حوادث غريبة.
وغالبًا ما يقع عبء السيطرة عليه على جونغ تشاي-شين فهو الوحيد القادر على ضبط قدراته،
وبسبب كونه من رتبة SS أيضًا، أصبح مسؤولًا عن رعايته رغم فارق السن.
لحسن الحظ يمتلك تشاي-شين مهارة تقوية جسدية، وإلا لكانت قد كُسرت عظامه أكثر من مرة أثناء محاولة ضبط نوا.
وهكذا، استمرت تربية تشوي نوا على يد تشاي-شين منذ أحد عشر عامًا، ولا يزال نوا غير ناضج حتى الآن.
أما جاي-هي فكانت تراقب كل هذا، ثم طرحت على تشاي-شين سؤالًا يحمل في طيّاته مشكلة جديدة
“عوو! عوو عوو!”
“نعم، مضى وقت طويل، أنا أيضًا سعيد بلقائك، رئيس الفريق تشوي نوا.”
“عوو عوو!”
“كنتَط مشغولًا مؤخرًا، هل كنت بخير في هذه الفترة، رئيس الفريق تشوي نوا؟”
لا تسأل كيف يمكن أن تجري محادثة مع ذئب.
لكن في إدارة المستيقظين، كل موظف متمرّس يعرف أن التواصل مع تشوي نوا، حين يكون في هيئة حيوان، أمر ممكن إلى حدّ ما.
‘ليس الأمر أنك أمير أو شيء من هذا القبيل’
فكّر جونغ تشاي-شين وهو يدلك عنقه بتعب.
“تشوي نوا، ما الأمر؟ وقلت لك مرارًا، أرجوك عد إلى هيئتك البشرية، هل لديك وعي بما تفعل؟”
“عوو! عوو عوو عوو!”
اعترض تشوي نوا بشدة على كلامه.
“إن كان جسد الحيوان مريحًا، فماذا أفعل؟ أنا إنسان، إنسان! جميل أيضًا، والآن، ما الذي يحدث؟”
مع تشوي نوا، كان الاستسلام هو الخيار الأسهل.
ومع ذلك، كان يؤدي المهام الموكلة إليه بإتقان، وهذا ما يجعل جونغ تشاي-شين يتحمّل تصرفاته.
“عوو! عوو عوو!”
“شقّ؟ أين بالضبط؟”
“عوو! عوو!”
“حسنًا سأذهب فورًا، وأنت، تعال معي.”
لكن تشوي نوا لم يرغب في مرافقة جونغ تشاي-شين، فحاول أن يتحوّل إلى طائر ليطير بعيدًا.
غير أن يد جونغ تشاي-شين كانت أسرع، فأمسك عنقه قبل أن يكتمل التحوّل.
وبذلك ظهر مخلوق غريب: رأس طائر وجسد ذئب، عالق بين هيئتين.
أمسكه جونغ تشاي-شين بيد واحدة، وخرج به من المكتب.
أما جاي-هي، التي كانت تراقب المشهد، فكرت في نفسها:
’اليوم أيضًا يوم هادئ في إدارة المستيقظين.
~*~
في الطابق الأول من إدارة المستيقظين، داخل مقهى الشركة.
“هذا مشروب بارد، تفضل.”
وضعت جاي-هي كوبين على الطاولة أمام كوون دو-هون.
“شكرًا جزيلاً.”
عادةً يشرب الموظفون العاديون قهوة مثلجة، لكن الكافيين لا يؤثر في المستيقظين.
لذلك يشربون بدلًا منها مشروبًا خاصًا يُسمّى الجرعة الباردة.
بينما كان كوون يحتسي مشروبه، تظاهرت جاي-هي بأنها تشرب، لكنها في الحقيقة كانت تراقبه بعناية.
’يا له من حسن حظ…‘
كان هذا أول شيء يخطر في ذهنها وهي تتأمله.
فقد أدركت الآن أنه رجل وسيم للغاية، رغم أنها لم تلحظ ذلك من قبل.
طويل القامة، ذو جسد رياضي، وملامح وجه دقيقة بارزة.
شعره المصفف إلى الخلف انساب قليلًا ليغطي نصف جبهته، مما زاد من جاذبيته.
حين التقت عينا جاي-هي بعيني كوون دو-هون، ابتسم تلقائيًا.
كانت ابتسامة متوترة بعض الشيء، لكنها كشفت عن غمازتين جذابتين على وجنتيه.
كان شكله أقرب لأن يكون مذيعًا في محطة تلفزيونية لا موظفًا في إدارة المستيقظين.
لكن هذا كل ما في الأمر: مجرد وسامة تُشبه تمثالًا جميلًا.
’سواء كان وسيمًا أم لا، ما علاقتي أنا بذلك؟‘
فجاي-هي اعتادت النظر في المرآة كل صباح، واكتسبت مناعة ضد الوجوه الجميلة.
الأهم بالنسبة لها الآن هو فرض الهيبة.
’أظهري له وقار المشرف داخل الإدارة.‘
كانت مشاعرها في تلك اللحظة في أدنى مستوياتها، أسوأ ما يمكن.
فمنذ البداية كان المتدرّبون الجدد يتجاهلونها، بينما زملاؤها القدامى كانوا يحترمونها إلى حدّ ما.
لكن مع الوافدين الجدد، كان الأمر مختلفًا:
ينظرون إليها من علٍ، يتجاهلون كلامها ويقلّلون من شأنها.
لذلك، كان عليها أن تُحكم قبضتها منذ البداية، وتُظهر لهم أنها ليست سهلة.
“لقد رأينا بعضنا من قبل، أليس كذلك؟ في ذلك المبنى.”
“نعم، صحيح.”
“حسنًا، أنا الآن مشرفك وشريكتك، فلنعمل معًا بشكل جيد.”
“نعم، أرجو أن تعتني بي.”
كوون كان لا يزال الموظف الجديد المهذّب، لكن جاي-هي لم تُخفف حذرها.
أخذت تقرأ ملفه الشخصي:
العمر: 22 عامًا.
مدة الاستيقاظ: شهر واحد فقط.
قدرته: تحريك الأشياء غير الحيّة.
لكن الملف أشار أيضًا إلى أن قدرته غير مستقرة بعد.
ارتشفت جاي-هي من مشروبها البارد، ثم قلبت الصفحة التالية.
وهنا ظهر بند خاص:
الابن الأصغر لزعيم نقابة الغروب وزوجته.
“سيدتي، هل أنتِ بخير؟”
كادت تختنق بالمشروب لكنها تداركت الموقف.
“كوون دو-هون، أنت ابن زعيم نقابة الغروب؟”
ارتجفت عيناها بشدة.
فزعيم نقابة الغروب هو قائد أقوى نقابة في كوريا.
كيف لابنه الأصغر أن ينضم كموظف مبتدئ في إدارة المستيقظين؟
“…نعم، صحيح.”
أجاب كوون بحذر.
“لكن لماذا تنضم للإدارة؟ ما السبب؟”
سألت جاي-هي بصدق، غير قادرة على استيعاب الأمر.
فالأمر أشبه بأن يتخلى ابن ملياردير عن امتيازاته ليعمل كسائق بسيط.
“النقابة والإدارة لهما أدوار مختلفة، النقابة مؤسسة تجارية تهدف إلى الربح، أما الإدارة فهي مؤسسة لحماية المواطنين. لطالما كنت أطمح للعمل في الإدارة، وحين حصلت على فرصة متأخرة للاستيقاظ، شعرت أنني محظوظ جدًا لانضمامي إليها.”
رمشت جاي-هي ببطء وهي تحدّق في عيني كوون دو-هون.
لم يكن يبدو أنه يكذب.
“…يا له من شخص طيب.”
“عذرًا؟ ماذا قلتِ للتو؟”
“لا شيء مهم.”
كلامه جعل جدار الحذر في قلبها ينخفض قليلًا.
’أطيب مما توقعت.‘
“لكن لماذا دخلت عبر التوظيف العام؟ برتبتك كان يمكن للإدارة أن تستدعيك مباشرة لمنصب رفيع.”
“لا أعلم، أعتقد أن الرتبة مجرد رمز. صحيح أنني حصلت على رتبة عالية لكنني أرى أن من لا يملك الخبرة يجب أن يبدأ من الأسفل.”
“…نظرة متواضعة.”
“عذرًا؟ لم أسمع جيدًا.”
“لا شيء مهم.”
أن تحذر من شخص بهذه النية الصافية يجعلك تشعر وكأنك قمامة.
~*~
“لهذا المهام الشاملة تُسند إلى فريق الاستجابة الميدانية، ونحن في الفريق الأول الذي يتصدّر الخطوط الأمامية.”
شرحت جاي-هي لكووون طبيعة عمله القادم.
“لكن بما أنك جديد، فلن تُرسل إلى الميدان مباشرة.”
ترررن!
رنّ هاتفها، فنظرت إلى المتصل: رئيسة الفريق جانغ تشاي-بين.
مكالمة مهمة.
استأذنت من كوون، ثم أجابت:
“نعم، رئيسة الفريق؟ هل هناك أمر طارئ؟”
[جاي-هي.]
كان صوتها عبر السماعة جادًا، وكذلك محتوى المكالمة.
[مالك قلعة الشتاء يطلبك.]
“ماذا؟ بهذه السرعة؟”
ردّت جاي-هي بنبرة مترددة.
فزيارتها الأخيرة للقلعة لم تكن منذ وقت طويل، فكيف يطل بها مجددًا؟
[الأمر عاجل، توجّهي فورًا، الآن.]
“حسنًا، سأتوجه حالًا.”
أغلقت المكالمة، ثم التفتت إلى كوون وقالت:
“تعرف أن أفضل تدريب هو التجربة الميدانية، صحيح سأريك الآن ما الذي يفعله فريقنا بشكل حيّ جدًا.”
~*~
يتبع..
التعليقات لهذا الفصل " 5"