في مكتب ضيق، كانت جاي-هي في مواجهة مع رئيس القسم كيم جونغ-تشول.
“جاي-هي، تعالي معي—”
“لا.”
“أيتها الزميلة العزيزة.”
“مستحيل، لن أفعل.”
“على الأقل اسمعي كلامي حتى النهاية؟”
قال كيم جونغ-تشول بنبرة متذمرة، فقد بدا الأمر غير عادل بالنسبة له.
كيف ترفض قبل أن تسمع أصلًا؟
لكن جاي-هي لم تتراجع، فقد عرفت جيدًا أن أي مهمة يطلبها منها رئيسها ستكون مزعجة ومثقلة.
وكانت على حق.
تنهد كيم جونغ-تشول في داخله.
‘هكذا هم الزملاء الأذكياء يعرفون كل شيء بسرعة.’
ومع ذلك، لم يكن أمامه خيار فالأمر لم يكن مجرد طلب منه، بل تعليمات مباشرة من الإدارة العليا.
وهو، بصفته مجرد رئيس قسم، لا يستطيع رفضها.
“جاي-هي، أريدك أن تصوري مقطع فيديو واحد فقط.”
” ماذا؟”
“أنت تعرفين أن الهيئة تدير قناة على يوتيوب، صحيح؟”
في عصر يوتيوب، كانت معظم النقابات في كوريا تدير قنواتها الخاصة.
ولم ترغب الهيئة أن تتخلف، فافتتحت قناة رسمية قبل بضعة أشهر.
لكن النتائج كانت مخيبة للآمال.
فعدد موظفي الهيئة يقارب ثلاثة آلاف، بينما عدد المشتركين في القناة ثلاثة آلاف فقط.
‘مصادفة؟ لا أظن.’
“حتى المشاهدات ضعيفة جدًا، أكثر فيديو مشاهدة العام الماضي لم يتجاوز بضعة آلاف.”
“صحيح ولهذا، الإدارة العليا غير راضية.”
هزّ كيم جونغ-تشول رأسه بأسى.
ففي اجتماع مجلس الإدارة الأخير، أثير موضوع ضعف أداء القناة.
قد يقول البعض أن الهيئة ليست بحاجة إلى يوتيوب، لكن المشكلة أن قنوات النقابات الأخرى كانت تحقق نجاحًا ساحقًا.
والهيئة دائمًا في علاقة متوترة مع النقابات: هيئة تسعى للسيطرة، ونقابات تحاول الإفلات من تلك السيطرة.
لذلك، لم يكن المجلس ليتحمل فكرة أن تتفوق النقابات عليهم، حتى لو كان الأمر مجرد أرقام مشاهدات.
“أنتِ تشاهدين يوتيوب كثيرًا، صحيح؟ أترين كيف أن قنوات النقابات ناجحة؟ ملايين المشتركين وملايين المشاهدات.”
“لكن أنا موظفة في الهيئة، هل تتوقع أن أرفع مشاهدات النقابات المنافسة؟ مع ذلك، نعم، بعضها ناجح جدًا. أليس نقابة الغروب وصلت إلى عشرة ملايين مشترك؟”
“بالضبط. ونقابة آرك، التي بدأت معنا في نفس الفترة، وصلت مؤخرًا إلى خمسة ملايين مشترك.”
النقابة الأولى في كوريا بلا منازع هي نقابة الغروب، أما نقابة آرك فهي صاحبة المركز الثاني الأبدي.
كانت تحاول بكل الطرق انتزاع المركز الأول، لكنها تفشل في كل مرة.
حين ذُكرت نقابة آرك، أومأت جاي-هي برأسها.
“آه، مقاطعهم ممتعة فعلًا.”
“جاي-هي! ألم تقولي قبل قليل أنك لا تشاهدين مقاطع النقابات الأخرى؟!”
” أنا لم أشترك بالقناة.”
لا يجب الاستهانة بمرارة المركز الثاني الأبدي.
فبعد أن تكررت الهزائم أمام نقابة الغروب، قررت نقابة آرك أن تضع كل طاقتها في يوتيوب، على الأقل لتتفوق هناك.
“تخيّلي هذا، رئيس نقابة آرك يتنكر ويعمل يومًا كاملًا في نقابة الغروب! هل يمكنك مقاومة عنوان مثل هذا؟”
“هممم لا، لا يمكن.”
حتى جاي-هي، التي بدأت حياتها المهنية في أعلى مراتب الهيئة، لم تستطع مقاومة عنوان جذاب وصورة مصغّرة مثيرة.
وكانت محتويات الفيديو صادقة ومباشرة.
نجاح قناة نقابة آرك لم يكن صدفة.
“لا بد من مشاهدته.”
وافق كيم جونغ-تشول بسرعة.
‘نقابة آرك يا لهم من خصوم مخيفين!’
كم يجب أن يكونوا جادين في يوتيوب ليصوروا شيئًا كهذا؟
وبينما كان كيم جونغ-تشول يضيف الفيديو إلى قائمة المشاهدة لاحقًا، كانت جاي-هي تسترجع ما قيل لها للتو.
“هذا يعني.. تريدني أن أصوّر فيديو لقناة الهيئة؟”
“نعم، تمامًا. والفكرة هي.”
“لا.”
“الفكرة هي.”
“مستحيل، لن أفعل.”
سواء أزعج مجلس الإدارة من ضعف أداء القناة أم لا، فما شأن جاي-هي بذلك؟
هي مشغولة أصلًا بمهام أخرى، ولن تضيع وقتها في تصوير فيديوهات لا تفيد ترقيتها.
مبدأها بسيط:
‘لا تفعل شيئًا لا يزيد من رصيدك المهني.’
ثم إن هذا الطلب بحد ذاته أزعجها.
من بين كل موظفي الهيئة، لماذا هي بالذات؟
قد يبدو الأمر غرورًا، لكن حدسها كان يقول إن هناك سببًا خفيًا وراء اختيارها.
“ولماذا أنا؟ اختاروا شخصًا آخر.”
“المشكلة أن فريق إدارة القناة أصرّ على أن تكوني أنت بالذات.”
“لماذا؟”
“.…”
تردّد كيم جونغ-تشول، ثم أجاب بصوت بالكاد يُسمع:
“لأنك أنتِ نجمة الهيئة، موظفة واعدة ومصدر فخر لنا. إذا لم تصوّري أنتِ، فمن؟ يجب أن يعرف الجميع عنك.”
من الطبيعي أن جاي-هي لم تصدّق كلمة واحدة.
“وهل هناك سبب آخر؟”
“لأنك الوحيدة في العالم المصنّفة FFF من المستيقظين، فريق إدارة القناة يريد جذب الانتباه.”
“وااااو.”
‘حقًا؟’
وكأن تصنيفها المنخفض لا يكفي لإحباطها، ها هم الآن يرشّون الملح على الجرح.
“لن أفعل! مستحيل! وإذا كنتم تريدون جذب الانتباه، فلماذا لا تختارون شخصًا آخر؟ ماذا عن القائدة إي هوا-يون أو القائد باك يول؟”
كلاهما ظهر في برامج كثيرة، ويملكان شهرة واسعة، وسيكونان خيارًا أفضل من حيث عدد المشاهدات.
لكن كيم جونغ-تشول هزّ رأسه.
“لا يمكن. الفيديو هذه المرة سيكون يوميات عادية عن حياة موظف الهيئة، لا يمكننا أن نُري الناس حياتهما اليومية.”
“آه.”
وافقت جاي-هي بصمت.
فكلاهما من المستيقظين الأقوياء، ويعملان في وحدات القتال.
مهمتهما الأساسية هي القضاء على الوحوش داخل الغابات،
ويؤديان ذلك بحماس…أحيانًا أكثر من اللازم.
‘يا له من مشعل طبيعي! جسمه مليء بالدهون، يحترق جيدًا!’
‘هذا الوحش لذيذ، طعمه مثل اللحم المشوي!’
جاي-هي رافقتهما مرة في مهمة، ومنذ ذلك الحين، وتجنّبت الذهاب معهما مجددًا.
من المستحيل عرض تلك المشاهد على يوتيوب.
“وماذا عن القائد جونغ تشان-سي؟ أليس هو المستيقظ الوحيد المصنّف SS في كوريا؟ سيجذب مشاهدات أكثر مني.”
“جاي-هي هل نسيتِ؟ لقد صوّر إعلانًا توعويًا بأمر من الإدارة، وكان مرهقًا جدًا بعده. من الأفضل ألا نظهره الآن.”
“صحيح.”
وافقت جاي-هي مجددًا.
فقد ظهر في إعلان ضد المخدرات، وغنّى أغنية توعوية، وكانت صورته تُعرض في كل مكان.
وقد قال بنفسه:
‘سأستقيل، اللعنة على الهيئة.’
لو طلبوا منه تصوير فيديو جديد، قد يستقيل فعلًا.
“وماذا عن القائد تشوي نوا؟”
“آه، لا، مستحيل.”
“نعم، لا يمكن.”
هزّا رأسيهما في نفس الوقت فهو نادرًا ما يظهر بهيئته البشرية، وغالبًا ما يتنقل كذئب أو حيوان آخر.
‘تبًا.’
كلما استمرت جاي-هي في الحديث، أدركت أنها الخيار الأنسب لتصوير الفيديو.
لكن الرفض يبقى رفضًا.
“لماذا لا نطلب من المدير العام أن يصوّر؟ انظر إلى نقابة آرك، رئيس النقابة نفسه يشارك في التصوير. نحن أيضًا يمكننا تصوير شيء مع المدير العام. ‘مدير هيئة إدارة المستيقظين يخرج من منزله’ عنوان مثير، أليس كذلك؟”
“هل تريدين أن تزعجي المدير العام مجددًا؟ أنت تعرفين أنه لم يغادر المكتب منذ شهر!”
“لا يهمني! أنا لن أفعل!”
“هل تذكرين حادثة المبنى المحترق؟”
ارتجفت عينا جاي-هي بشدة.
“تقنيًا، لم يكن انفجارًا، كان مجرد حريق.”
“لكن الحريق بدأ بسبب الانفجار الذي تسببتِ به، أليس كذلك؟”
لم ترد جاي-هي، فهي تعلم أن كلامه صحيح.
ففي تلك المهمة، اقتحمت مختبرًا غير قانوني، وحين رأت التجارب اللاأخلاقية داخله، فقدت أعصابها وربما تسببت بانفجار داخلي.
النتيجة: المبنى احترق بالكامل.
لكن رسميًا، سُجّل أن المختبر نفسه فجّر المبنى لإخفاء الأدلة.
ورغم أن كيم جونغ-تشول مجرد رئيس قسم، إلا أن علاقاته القوية مع كبار المسؤولين أنقذت جاي-هي من العقوبة.
فقد حمل زجاجتين من الويسكي، وزارهم شخصيًا،وانتهى الأمر بهدوء.
والآن، كان يطلب منها أن ترد الجميل.
“ألم نتفق ألا نذكر تلك الحادثة مجددًا؟”
“بالطبع، فموظفة مثلك لا يمكن أن تكون قد فجّرت مبنى.”
“……”
“لذا، جاي-هي، لنصوّر فيديو واحد فقط، نعم؟”
“حسنًا.”
لم يكن أمامها خيار فهي موظفة ترد الجميل.
“سأصوّر الفيديو، سأفعلها.”
‘على أي حال، كم ستكون المشاهدات؟’
فأعلى فيديو في قناة الهيئة لم يتجاوز بضعة آلاف مشاهدة.
ستُرفع، ثم تُنسى بعد أشهر.
“هاكِ، هذه الكاميرا.”
أخرج كيم جونغ-تشول كاميرا صغيرة من درج مكتبه، وسلّمها لها.
“فقط احمليها، وتحدثي كما تفعلين عادة، الفريق سيتولى المونتاج، لا تضغطي على نفسك.”
“آه حسنًا، فهمت.”
‘التحدث مع كاميرا طوال اليوم؟ لا بأس، يمكنني فعلها.’
أخذت الكاميرا، وغادرت المكتب.
~*~
بعد أيام، نُشر فيديو بعنوان:
“يوميات موظفة هيئة إدارة المستيقظين – FFF المصنّفة”
ثم اختارته خوارزمية يوتيوب، وبدأت المشاهدات تتضاعف بشكل جنوني.
التعليقات لهذا الفصل " 28"