5. هل يُعتبر الإلف عاملًا أجنبيًا؟
ما هو الإلف؟
عادةً ما يتخيل الناس كائنًا نحيفًا، بأذنين مدببتين، وملامح غامضة.
الإلف الناضج، بغض النظر عن العمر أو الجنس، يملك جمالًا محايدًا وساحرًا.
في وسائل الإعلام، يُصوَّر الإلف ككائن مقدّس يحب الطبيعة، وغالبًا ما يظهر في الأفلام والألعاب.
في طفولتها، كانت جاي-هي تختار دائمًا شخصية الإلف في الألعاب، تحبهم وتكنّ لهم إعجابًا خاصًا.
لكن ذلك كان قبل ظهور الإلف الحقيقي.
في منطقة باروتارا المصنّفة من الفئة B،
ما إن دخل دو-هون الغابة حتى شكّ في عينيه.
كان يظن أن اسم غابة باروتارا يعني أنها مليئة بالأشجار، لكن ما رآه كان مجرد أرض قاحلة.
أما جاي-هي، التي زارت المكان من قبل، فلم تتفاجأ.
كل ما كانت تفكر فيه هو: لننهي العمل بسرعة ونغادر هذا الجنون.
“دو-هون، كم تعرف عن الإلف؟”
سألته جاي-هي.
“قرأت عنهم في دليل الموظفين الجدد، يُقال إنهم يحبون الطبيعة ويمكن التواصل معهم.”
“هممم.”
تنهدت جاي-هي.
من كتب هذا الدليل يجب أن يُجبر على إعادة راتبه.
تفهم أن الوثائق الرسمية يجب أن تكون مهذبة، لكن وصف الإلف بأنهم يحبون الطبيعة؟
هذا تبسيط مخلّ.
“اسمعني جيدًا، دو-هون الإلف كائنات بسيطة جدًا. هل تريد أن تكسب ودّهم؟ الأمر سهل جدًا.”
ثم همست له بسرّها المهني:
“امدح عضلاتهم، فهم يحبون ذلك.”
“نعم!”
أجاب دو-هون بحماس،لكنه لم يفهم شيئًا.
وقبل أن تسنح لها الفرصة لتفسير كلامها، شعر الاثنان بوجود شخص خلفهما.
التفتا، فرأى دو-هون إلفًا واقفًا أمامهما.
كانت هذه أول مرة يرى فيها إلفًا حقيقيًا، فكاد يرتكب خطأً كبيرًا لولا أن جاي-هي همست له بسرعة:
“دو-هون، حافظ على تعابير وجهك!”
“جاي-هي، مضى وقت طويل.”
قال الإلف، وكان أحد الشيوخ، يُدعى إيربا.
ومدّ يده نحوها، في إشارة إلى التحية.
“مرحبًا، السيد إيربا.”
قالت جاي-هي بابتسامة متكلفة،زثم صافحته.
كراش!
قبض إيربا على يدها بقوة، حتى شعرت أن الدم توقف عن الجريان.
ابتسمت جاي-هي ابتسامة مشدودة وقالت:
“سيدي إيربا، هلّا خففت قبضتك قليلًا؟ يدي على وشك أن تنكسر.”
“آسف، لقد نسيت أن البشر ضعفاء بطبيعتهم.”
قال إيربا بابتسامة ساخرة.
ضحكت جاي-هي وقالت:
“سيدي إيربا، لستُ ضعيفة كما تظن.”
‘الغريب ليس نحن بل أنتم.’
‘من الذي ابتكر صورة الإلف النحيل الرقيق؟ لقد كان ذلك خطأً فادحًا.’
“سيدي إيربا، تبدو عضلاتك أكبر مما كانت عليه آخر مرة، هل بدأت برنامج تدريب جديد؟”
قالت جاي-هي وهي تنظر إلى جسده الضخم.
ففي الحقيقة، لم يكن هناك أي إلف نحيل.
الإلف الحقيقيون كانوا أشبه بلاعبي كمال أجسام، يستطيعون رفع أوزان هائلة بسهولة.
انظر إلى تلك العضلات يمكنه أن يحمل ثلاثة أطفال على ذراعيه دفعة واحدة.
في كل مرة تدخل جاي-هي إلى أرض الإلف، تشعر وكأنها حضرت بطولة كمال أجسام.
أما حبهم للطبيعة؟
فهو صحيح جزئيًا، لكن طبيعتهم الحقيقية كانت الزراعة.
“أليست عضلاتي رائعة؟ لقد عملت بجد في حراثة الأرض، فأصبحت بهذا الشكل.”
قال إيربا وهو يستعرض عضلاته أمامهما.
“العضلات القوية تصنع مزارعًا قويًا.، لتباركنا أمّ الطبيعة إلى الأبد.”
وأضاف وهو يرسم إشارة مقدسة بيده.
لقد كان عشق الإلف الحقيقي هو الزراعة.
اختيار البذور، زراعة المحاصيل، كل ذلك بالنسبة لهم عمل مقدّس، وسبيل للتواصل مع الطبيعة الأم.
نعم..
الإلف في هذا العالم كانوا مزارعين مهووسين باللياقة البدنية.
‘أعيدوا لي أوهامي اللعينة.’
“سيدي إيربا، هذا هو مساعدي كوون دو-هون.”
قدّمته جاي-هي.
“أوه.”
قال إيربا وهو يتفحص دو-هون من رأسه حتى قدميه، مما جعل الأخير يشعر بالقشعريرة.
“هل لديك اهتمام بالزراعة يا فتى؟”
سأله إيربا بعينين متألقتين.
“هاه؟”
“بنيتك العضلية ممتازة. مع قليل من التدريب، ستصبح مزارعًا رائعًا. ما رأيك أن تنضم إليّ في خدمة الطبيعة الأم؟”
“أ… أممم…”
ارتبك دو-هون، فكلام الإلف كان صعبًا على موظف جديد أن يرفضه.
لكن جاي-هي تدخلت بسرعة وقالت:
“سيدي إيربا، ها أنت تعود مجددًا! لماذا تحاول دائمًا تحويل موظفي الهيئة إلى مزارعين؟ لن أسمح لك بأخذ مساعدي، فانسَ الأمر.”
“هممم…حضن الطبيعة الأم مفتوح دائمًا، فإن غيّر رأيه لاحقًا، فليخبرني.”
قالها إيربا دون أن يبدو عليه الانزعاج، ثم بدأ يقودهما نحو قرية الإلف.
“جاي-هي، أنتِ أيضًا تملكين صفات المزارع المثالي. صحيح أن جسدك الآن ناعم وخالٍ من العضلات، لكن أعطني ستة أشهر فقط، وسأحوّلك إلى مزارعة عظيمة.”
كان هذا تعليقًا يكرّره كلما رآها.
فالإلف يعتبرون الزراعة جوهر حياتهم، وكل سكان القرية يعملون في الزراعة، حتى أن الأراضي الزراعية التي مرّوا بها امتدت بلا نهاية.
في تلك الحقول الواسعة، كان الإلف الضخام يكدّون ويتصببون عرقًا، يحصدون المحاصيل بأيديهم، دون آلات أو تقنيات حديثة.
هزّت جاي-هي رأسها داخليًا.
في عالم تُدار فيه الزراعة بالآلات،
أن تتخيّل نفسها تحمل منجلًا وتحصد يدويًا؟
كان ذلك كابوسًا.
ثم نظرت إلى عضلات إيربا،
‘هذا ليس جسدًا طبيعيًا، أن أصبح مثله؟ مستحيل.’
“آه، أنا راضية تمامًا عن عملي الحالي، ولا أظن أنني أملك القدرة على الزراعة.”
قالتها بأدب،
وكانت قد رفضت عرضه مرات كثيرة من قبل، لذا اكتفى إيربا بهز كتفيه.
واصل الثلاثة السير، وخلال الطريق، همس دو-هون في أذن جاي-هي:
“أليست هذه المنطقة تُدعى غابة باروتارا؟”
لكن أين الغابة؟
لا أثر للأشجار، فقط حقول لا تنتهي.
وكان هناك سبب لذلك.
“في الماضي، كانت هذه المنطقة مليئة بالأشجار.”
قالت جاي-هي.
“ولهذا سُمّيت غابة باروتارا.”
لكن الإلف، حين شعروا بنقص الأراضي الزراعية، أحرقوا الغابة.
كانت الإلف في الأصل يعيشون على جمع الثمار، لكن بعد ظهور ديانة أمّ الطبيعة، بدأوا يؤمنون أن الزراعة هي الطريقة الوحيدة للتواصل معها.
انتشرت هذه العقيدة بسرعة، حتى قرروا التضحية بالغابة،
وزرعوا فوق رمادها، معتقدين أن المحاصيل تنمو أفضل هناك.
من تكون هذه أمّ الطبيعة التي يقدسونها؟
تساءلت جاي-هي.
وفجأة، صرخ إيربا:
“يا لهذا الكائن الشرير!”
تفاجأت جاي-هي ودو-هون، والتفتا بسرعة لمعرفة ما حدث..
الكائن الذي أثار غضب إيربا لم يكن سوى خلد.
أو على الأقل، بدا كخلد في نظر جاي-هي.
كان يحفر بين المحاصيل، وحين رآه إيربا، اشتعل غضبًا:
“كيف تجرؤ على مهاجمة الطبيعة الأم؟!”
أمسك بعصا خشبية من الأرض، وضرب بها الخلد ضربة قاضية، طار رأسه بعيدًا، وسقط جسده بلا حراك.
‘أليس هذا الكائن أيضًا جزءًا من الطبيعة؟’
همست جاي-هي لنفسها،
ثم قالت بصوت خافت:
“سيدي إيربا، إن حماسك لحماية الطبيعة الأم مثير للإعجاب.”
ابتسم إيربا بخجل، وقد احمرّ وجهه من الثناء.
‘هذا المكان لا يُطاق، يجب أن ننهي المهمة ونغادر بأسرع وقت.’
~*~
“بذور كالانتور؟ نعم، أتذكر أننا استلمناها من البشر قبل سنوات.”
قال إيربا وهو يقودهم إلى مستودع قديم في القرية.
“قمنا بزراعتها هنا لكن تلك النبتة كانت غريبة.”
رغم صعوبة زراعة كالانتور، فالإلف مهووسون بالزراعة،
وقد كرّسوا كل طاقتهم لها، فمن غير المنطقي أن يفشلوا.
فتح إيربا باب المستودع، وكانت المفاجأة:
داخل المستودع، نبتات كالانتور تنمو في كل زاوية، لكنها بدت ضعيفة، شاحبة، وكأنها تحتضر.
“هل كانت كالانتور دائمًا بهذا الشكل؟”
سألت جاي-هي بدهشة.
اقترب إيربا من إحدى النبتات، لكن جاي-هي صرخت:
“إيربا! لا تقترب كثيرًا—”
“هممم؟ ها هي تعود لطبيعتها.”
فجأة، أظهرت النبتة سلوكها المفترس، وفتحت فمها لتبتلع إيربا، تلمع أنيابها تحت الضوء.
لكن..
بووم!
لكمه إيربا بقبضته القوية، أسقطت النبتة أرضًا بلا حول ولا قوة.
كانت هذه النبتة قد أرهقت الكثير من المستيقظين، لكن أمام قوة عضلات إيربا، لم تستطع المقاومة ولو للحظة.
ضربة واحدة كانت كافية.
انهار كالانتور على الأرض.
“جاي-هي، ماذا قلتِ؟”
سألها إيربا بعد أن أنهى الأمر بسهولة.
“آه لا شيء.”
أجابت بابتسامة متوترة.
ثم أضاف:
“لكن، هل من الطبيعي أن تكون هذه النبتة بهذا الشكل؟”
“نعم هذا طبيعي الآن.”
قالت جاي-هي وهي تهز رأسها.
لقد فهمت السبب.
كالانتور كان في حالة سوء تغذية.
ففي الأصل، كان من المفترض أن يتغذى على الإلف، لكن المشكلة أن الإلف هنا كانوا أقوياء جدًا.
“ألم تسمعي ما قلته سابقًا؟ ‘العضلات القوية تصنع محاصيل قوية’.”
قالها إيربا بفخر.
ظنّت جاي-هي أن هذا مجرد هراء، لكن بعد أن رأت كيف هزم كالانتور بقبضته، بدأت تدرك أن لهذا القول منطقًا خاصًا.
ربما كان هوس الإلف بالزراعة نعمة في النهاية.
لو كانوا مهووسين بالحرب بدلًا من ذلك، لكان العالم قد دُمّر منذ زمن.
فكّرت جاي-هي وهي تنظر إلى جسد إيربا المليء بالعضلات.
~*~
يتبع..
التعليقات لهذا الفصل " 24"