داخل مكتب نائبة الرئيس كوون دو-هي.
“إذن، السيدة كانغ جاي-هي هي رئيسة أخي الصغير؟”
قالت كوون دو-هي وهي تتفحص بطاقة العمل التي سلمتها لها جاي-هي.
كانت مكسوّة من رأسها حتى قدميها بأفخر العلامات التجارية، تشعّ منها هالة امرأة ناجحة في المجتمع.
وبهذا، تكون جاي-هي قد قابلت جميع أبناء عائلة كوون الثلاثة:
كوون دو-جون الغريب الأطوار،.
كوون دو-كي الهادئ،.
والمفعم بالحيوية كوون دو-هون.
لكن دو-هي كانت مختلفة، فقد بدت كاريزمية، قوية النظرة، عينان تلمعان وكأنهما على استعداد لافتراس أي ضعف يظهر أمامها.
لم يكن منصب نائب الرئيس في نقابة الغروب يُمنح بسهولة، حتى لو كانت ابنة الرئيسين المؤسسين.
ومع ذلك، حين خاطبت أخاها قالت: أخي الصغير
فهمت جاي-هي فجأة ما كان دو-هون يحاول قوله في المصعد.
حاولت جاي-هي أن تُخفي ارتباكها، بينما دو-هي تحتسي رشفة من الشاي.
“إذن، كيف يقضي أخي أيامه في العمل؟ لا بد أنه بخير، أليس كذلك؟”
قالتها وهي تضع الفنجان على الطاولة، وترسل نظرة حادة توحي: إن لم يكن بخير، فسأدفنك هنا فورًا.
كانت جاي-هي قد سمعت عن مثل هذه المواقف من قبل، حين يتدخل الأقارب في حياة الموظفين، ويُثقلون كاهل رؤسائهم بالأسئلة.
لكنها الآن تعيشه بنفسها.
رفعت فنجانها، واستنشقت رائحة الشاي بهدوء،
“دو-هون من أفضل الموظفين الجدد الذين قابلتهم.
ذكي جدًا، يستوعب بسرعة، ويؤدي عمله بإتقان.”
“هممم يبدو أنه يشبهني، لطالما كان ذكيًا منذ طفولته.”
قالت دو-هي وقد اختفى برودها فجأة، وبدت أكثر ارتياحًا.
أومأت جاي-هي برأسها، مدركة أن إظهار دو-هون بصورة جيدة أمام شقيقته الكبرى كان أفضل طريقة لكسب ودّها.
أن تكون شقيقة دو-هون الكبرى نائبة رئيس أقوى نقابة في كوريا؟
هذا ليس بالأمر السيئ إطلاقًا.
وبصراحة جاي-هي كانت تستمتع كثيرًا بهذا الموقف.
“كان مختلفًا منذ صغره. الكل يبدأ بحفظ جدول الضرب من الرّقم 1، أما هو؟ بدأ من الرّقم 9!”
“حقًا؟ يبدو أن العبقرية تظهر من البداية!”
“السيدة كانغ جاي-هي، أنتِ شخص رائع فعلًا!”
كان الأمر ممتعًا.
نظرت جاي-هي إلى وجه دو-هون الجالس بجوارها.
“جاي-هي أرجوكِ، توقفي.”
قالها وهو يغطي أذنيه، يتمنى لو كان هذا مجرد حلم.
لقد عاش سنوات من المعاناة بسبب شقيقته المتسلطة، منذ أيام المدرسة الثانوية، والآن ها هي تفضحه مجددًا.
كانت جاي-هي تتناغم مع دو-هي في مدح دو-هون، بينما وجهه يزداد احمرارًا مع كل كلمة.
حتى بدا وكأنه على وشك الانفجار.
‘مذهل ومضحك جدًا.’
فكّرت جاي-هي، وسجّلت هذه المعلومة الجديدة عن دو-هون في ذاكرتها.
لكنها قررت التوقف، فهو على وشك البكاء.
ثم تذكّرت سبب زيارتهما للنقابة، فغيّرت نبرة صوتها:
“أعتقد أنكِ سمعتِ سبب زيارتنا مسبقًا؛ الأمر يتعلق بالسيد كالانتور.”
ما إن ذُكر الاسم، حتى تغيّر وجه دو-هون تمامًا.
وبدا عليه التفكير العميق.
“القائد تشان-سي أخبرني بالوضع عبر الهاتف، إذن.”
طق، طق.
نقرت بأصابعها على الطاولة.
“أجرينا تحقيقًا شاملًا داخل النقابة وتأكدنا أن جميع بذور كالانتور في أماكنها، ولا توجد أي حالة تسريب.”
“يعني.”
“يعني أن البذور لم تُسرق من داخل النقابة.”
قطّبت جاي-هي حاجبيها.
فكالانتور لا ينمو إلا في منطقة واحدة، داخل أراضي نقابة الغروب.
فإن لم يكن الخطأ من النقابة، فكيف وصلت البذور إلى والدها؟
وبينما كانت تفكر، تذكّرت شيئًا كانت قد نسيته.
‘لا يمكن… هل يعقل؟’
لاحظ دو-هون تغيّر ملامحها، فابتسم ابتسامة غامضة.
“بالضبط، هناك مكان آخر ينمو فيه كالانتور.”
“قولي إنه ليس صحيحًا.”
انفلتت الكلمات من فم جاي-هي بشكل عفوي.
ابتسمت كوون دو-هي ابتسامة تفهم، لكن الحقيقة القاسية لم تتغير.
“غابة باروتارا؛ قبل سنوات، أهدت نقابة الغروب بذور كالانتور إلى الإلف هناك. وأنتِ كموظفة في الهيئة لا بد أنك تعرفين ذلك.”
إن لم تكن البذور قد تسرّبت من النقابة، فالمكان الوحيد المتبقي هو غابة باروتارا.
غابة نشأت قبل سنوات قليلة، يسكنها الإلف.
لحسن الحظ، لم يرغبوا في الصراع مع البشر، فأُبرمت معاهدة سلام.
هذا ما يعرفه العامة.
لكن جاي-هي، كموظفة في الهيئة، كانت تعرف الحقيقة الأعمق: الإلف لم يسعوا للسلام حبًا فيه، بل لأن اهتمامهم كان منصبًا في مكان آخر تمامًا.
“إنهم غريبون جدًا، بل شديدو الغرابة.”
قالت جاي-هي.
ضحكت دو-هي بخفة:
“هل هذا أسلوب موظفي الهيئة؟ تزيين الكلام؟ تصفين الإلف بأنهم ‘غريبون’ فقط؟”
نظرتها كانت مليئة بالاشمئزاز، فقد خبرت الإلف بنفسها، وتعلم أن وصفهم بالغرابة لا يكفي.
“لقد فقدوا عقولهم لا يوجد إلف واحد عاقل بينهم.”
~*~
قبل أن يغادروا إلى أرض الإلف، استدعت دو-هي شقيقها دو-هون على انفراد.
لاحظت جاي-هي ذلك، فتركت لهما المجال.
“دو-هون.”
“…..”
نادته باسمه، بينما اعتادت أن تناديه دائمًا: أخي الصغير، حبيبي، المدلل.
لكنها الآن استخدمت اسمه، وهذا يعني أنها غاضبة.
“دو-هون.”
” ماذا؟”
قالها وهو يتجنب النظر إليها، وكأن شيئًا يثقل قلبه.
“تهرب من المنزل؟ هل فكرت في والديك؟ هل تعرف كم يقلقان عليك الآن؟”
“……”
“حين سمعا أنك انضممت إلى الهيئة، كادا أن ينهارا. من بين كل الأماكن، لماذا الهيئة بالذات؟”
لم تكن العلاقة بين نقابة الغروب والهيئة سيئة، بل جيدة نسبيًا.
لكن في النهاية، هما منظمتان تتصارعان على المصالح.
وإن تعارضت مصالحهما، فالصراع محتوم.
فكيف ينضم ابن نقابة الغروب الأصغر إلى الهيئة؟
كأنه يسير بنفسه إلى قلب الخطر.
أما شقيقه الأكبر، كوون دو-جون، فقد كان يعمل باحثًا في الهيئة، لكن والديه تخلّيا عنه منذ زمن، ولم يعد يُعتبر ذا قيمة حتى كرهينة.
ومع ذلك، كانت دو-هي تفهم سبب اختيار دو-هون للهيئة.
فهي واحدة من الأماكن القليلة التي لا تصل إليها سلطة النقابة.
حين علم والداه بانضمامه، حاولا بكل الطرق أن يعيداه إلى المنزل، وأن يجدوا له مكانًا داخل النقابة، تحت أعينهم ورعايتهم.
لكن دو-هي اتخذت قرارًا صادمًا:
“لقد وضعت والدينا داخل شقّ، وأخفيت المدخل بسحر قوي لن يخرجوا منه لعدة أشهر.”
كانت ساحرة بارعة، رغم أن قوتها لم تصل إلى أعلى المستويات، لكنها كانت كافية لإخفاء المدخل ومنع والديها من التدخل.
“أأنتِ مجنونة؟!”
صرخ دو-هون بغضب.
لكنها اكتفت برفع كتفيها وقالت:
“لن يخرجوا قريبًا؛ فاستغل الوقت لتثبت نفسك في الهيئة. حين يرون أنك بخير هناك، سيتوقفون عن معارضتك.”
لم تقل إنها ستنتصر، لكنها كانت تؤمن أن والديها سيتراجعون حين يرون دو-هون ناجحًا.
” أختي.”
قالها دو-هون بصوت مفعم بالمشاعر المتناقضة.
لقد أدرك أن دو-هي، رغم قسوتها، كانت تحبه بصدق، وتحاول حمايته بطريقتها الخاصة.
اقتربت منه، وعانقته وهي تتنهد بعمق.
“لكن أخي الصغير.”
قالت بابتسامة ماكرة.
“ماذا؟”
“رئيستك إنها لطيفة جدًا وتبدو مناسبة لك.”
“……”
“ألا يوجد شيء بينكما؟”
“لا.”
“لا؟ إذن دعيني أعرّفها على أحد أعضاء النقابة الجدد؛ شاب رائع انضم مؤخرًا.”
“لا! لا تفعلي ذلك أبدًا!”
قالها دو-هون بسرعة، ثم غادر المكتب بخطوات متوترة.
راقبته دو-هي وهو يبتعد، وعلى وجهها ابتسامة غامضة، تخفي وراءها الكثير من الأفكار.
~*~
يتبع..
التعليقات لهذا الفصل " 23"