داخل مكتب نائبة الرئيس كوون دو-هي.
“إذن، السيدة كانغ جاي-هي هي رئيسة أخي الصغير؟”
قالت كوون دو-هي وهي تتفحص بطاقة العمل التي سلمتها لها جاي-هي.
كانت مكسوّة من رأسها حتى قدميها بأفخر العلامات التجارية، تشعّ منها هالة امرأة ناجحة في المجتمع.
وبهذا، تكون جاي-هي قد قابلت جميع أبناء عائلة كوون الثلاثة:
كوون دو-جون الغريب الأطوار،.
كوون دو-كي الهادئ،.
والمفعم بالحيوية كوون دو-هون.
لكن دو-هي كانت مختلفة، فقد بدت كاريزمية، قوية النظرة، عينان تلمعان وكأنهما على استعداد لافتراس أي ضعف يظهر أمامها.
لم يكن منصب نائب الرئيس في نقابة الغروب يُمنح بسهولة، حتى لو كانت ابنة الرئيسين المؤسسين.
ومع ذلك، حين خاطبت أخاها قالت: أخي الصغير
فهمت جاي-هي فجأة ما كان دو-هون يحاول قوله في المصعد.
حاولت جاي-هي أن تُخفي ارتباكها، بينما دو-هي تحتسي رشفة من الشاي.
“إذن، كيف يقضي أخي أيامه في العمل؟ لا بد أنه بخير، أليس كذلك؟”
قالتها وهي تضع الفنجان على الطاولة، وترسل نظرة حادة توحي: إن لم يكن بخير، فسأدفنك هنا فورًا.
كانت جاي-هي قد سمعت عن مثل هذه المواقف من قبل، حين يتدخل الأقارب في حياة الموظفين، ويُثقلون كاهل رؤسائهم بالأسئلة.
لكنها الآن تعيشه بنفسها.
رفعت فنجانها، واستنشقت رائحة الشاي بهدوء،
“دو-هون من أفضل الموظفين الجدد الذين قابلتهم.
ذكي جدًا، يستوعب بسرعة، ويؤدي عمله بإتقان.”
“هممم يبدو أنه يشبهني، لطالما كان ذكيًا منذ طفولته.”
قالت دو-هي وقد اختفى برودها فجأة، وبدت أكثر ارتياحًا.
أومأت جاي-هي برأسها، مدركة أن إظهار دو-هون بصورة جيدة أمام شقيقته الكبرى كان أفضل طريقة لكسب ودّها.
أن تكون شقيقة دو-هون الكبرى نائبة رئيس أقوى نقابة في كوريا؟
هذا ليس بالأمر السيئ إطلاقًا.
وبصراحة جاي-هي كانت تستمتع كثيرًا بهذا الموقف.
“كان مختلفًا منذ صغره. الكل يبدأ بحفظ جدول الضرب من الرّقم 1، أما هو؟ بدأ من الرّقم 9!”
“حقًا؟ يبدو أن العبقرية تظهر من البداية!”
“السيدة كانغ جاي-هي، أنتِ شخص رائع فعلًا!”
كان الأمر ممتعًا.
نظرت جاي-هي إلى وجه دو-هون الجالس بجوارها.
“جاي-هي أرجوكِ، توقفي.”
قالها وهو يغطي أذنيه، يتمنى لو كان هذا مجرد حلم.
لقد عاش سنوات من المعاناة بسبب شقيقته المتسلطة، منذ أيام المدرسة الثانوية، والآن ها هي تفضحه مجددًا.
كانت جاي-هي تتناغم مع دو-هي في مدح دو-هون، بينما وجهه يزداد احمرارًا مع كل كلمة.
حتى بدا وكأنه على وشك الانفجار.
‘مذهل ومضحك جدًا.’
فكّرت جاي-هي، وسجّلت هذه المعلومة الجديدة عن دو-هون في ذاكرتها.
لكنها قررت التوقف، فهو على وشك البكاء.
ثم تذكّرت سبب زيارتهما للنقابة، فغيّرت نبرة صوتها:
“أعتقد أنكِ سمعتِ سبب زيارتنا مسبقًا؛ الأمر يتعلق بالسيد كالانتور.”
ما إن ذُكر الاسم، حتى تغيّر وجه دو-هون تمامًا.
وبدا عليه التفكير العميق.
“القائد تشان-سي أخبرني بالوضع عبر الهاتف، إذن.”
طق، طق.
نقرت بأصابعها على الطاولة.
“أجرينا تحقيقًا شاملًا داخل النقابة وتأكدنا أن جميع بذور كالانتور في أماكنها، ولا توجد أي حالة تسريب.”
“يعني.”
“يعني أن البذور لم تُسرق من داخل النقابة.”
قطّبت جاي-هي حاجبيها.
فكالانتور لا ينمو إلا في منطقة واحدة، داخل أراضي نقابة الغروب.
فإن لم يكن الخطأ من النقابة، فكيف وصلت البذور إلى والدها؟
وبينما كانت تفكر، تذكّرت شيئًا كانت قد نسيته.
‘لا يمكن… هل يعقل؟’
لاحظ دو-هون تغيّر ملامحها، فابتسم ابتسامة غامضة.
“بالضبط، هناك مكان آخر ينمو فيه كالانتور.”
“قولي إنه ليس صحيحًا.”
انفلتت الكلمات من فم جاي-هي بشكل عفوي.
ابتسمت كوون دو-هي ابتسامة تفهم، لكن الحقيقة القاسية لم تتغير.
“غابة باروتارا؛ قبل سنوات، أهدت نقابة الغروب بذور كالانتور إلى الإلف هناك. وأنتِ كموظفة في الهيئة لا بد أنك تعرفين ذلك.”
إن لم تكن البذور قد تسرّبت من النقابة، فالمكان الوحيد المتبقي هو غابة باروتارا.
غابة نشأت قبل سنوات قليلة، يسكنها الإلف.
لحسن الحظ، لم يرغبوا في الصراع مع البشر، فأُبرمت معاهدة سلام.
هذا ما يعرفه العامة.
لكن جاي-هي، كموظفة في الهيئة، كانت تعرف الحقيقة الأعمق: الإلف لم يسعوا للسلام حبًا فيه، بل لأن اهتمامهم كان منصبًا في مكان آخر تمامًا.
“إنهم غريبون جدًا، بل شديدو الغرابة.”
قالت جاي-هي.
ضحكت دو-هي بخفة:
“هل هذا أسلوب موظفي الهيئة؟ تزيين الكلام؟ تصفين الإلف بأنهم ‘غريبون’ فقط؟”
نظرتها كانت مليئة بالاشمئزاز، فقد خبرت الإلف بنفسها، وتعلم أن وصفهم بالغرابة لا يكفي.
“لقد فقدوا عقولهم لا يوجد إلف واحد عاقل بينهم.”
~*~
قبل أن يغادروا إلى أرض الإلف، استدعت دو-هي شقيقها دو-هون على انفراد.
لاحظت جاي-هي ذلك، فتركت لهما المجال.
“دو-هون.”
“…..”
نادته باسمه، بينما اعتادت أن تناديه دائمًا: أخي الصغير، حبيبي، المدلل.
لكنها الآن استخدمت اسمه، وهذا يعني أنها غاضبة.
“دو-هون.”
” ماذا؟”
قالها وهو يتجنب النظر إليها، وكأن شيئًا يثقل قلبه.
“تهرب من المنزل؟ هل فكرت في والديك؟ هل تعرف كم يقلقان عليك الآن؟”
“……”
“حين سمعا أنك انضممت إلى الهيئة، كادا أن ينهارا. من بين كل الأماكن، لماذا الهيئة بالذات؟”
لم تكن العلاقة بين نقابة الغروب والهيئة سيئة، بل جيدة نسبيًا.
لكن في النهاية، هما منظمتان تتصارعان على المصالح.
وإن تعارضت مصالحهما، فالصراع محتوم.
فكيف ينضم ابن نقابة الغروب الأصغر إلى الهيئة؟
كأنه يسير بنفسه إلى قلب الخطر.
أما شقيقه الأكبر، كوون دو-جون، فقد كان يعمل باحثًا في الهيئة، لكن والديه تخلّيا عنه منذ زمن، ولم يعد يُعتبر ذا قيمة حتى كرهينة.
ومع ذلك، كانت دو-هي تفهم سبب اختيار دو-هون للهيئة.
فهي واحدة من الأماكن القليلة التي لا تصل إليها سلطة النقابة.
حين علم والداه بانضمامه، حاولا بكل الطرق أن يعيداه إلى المنزل، وأن يجدوا له مكانًا داخل النقابة، تحت أعينهم ورعايتهم.
لكن دو-هي اتخذت قرارًا صادمًا:
“لقد وضعت والدينا داخل شقّ، وأخفيت المدخل بسحر قوي لن يخرجوا منه لعدة أشهر.”
كانت ساحرة بارعة، رغم أن قوتها لم تصل إلى أعلى المستويات، لكنها كانت كافية لإخفاء المدخل ومنع والديها من التدخل.
“أأنتِ مجنونة؟!”
صرخ دو-هون بغضب.
لكنها اكتفت برفع كتفيها وقالت:
“لن يخرجوا قريبًا؛ فاستغل الوقت لتثبت نفسك في الهيئة. حين يرون أنك بخير هناك، سيتوقفون عن معارضتك.”
لم تقل إنها ستنتصر، لكنها كانت تؤمن أن والديها سيتراجعون حين يرون دو-هون ناجحًا.
” أختي.”
قالها دو-هون بصوت مفعم بالمشاعر المتناقضة.
لقد أدرك أن دو-هي، رغم قسوتها، كانت تحبه بصدق، وتحاول حمايته بطريقتها الخاصة.
اقتربت منه، وعانقته وهي تتنهد بعمق.
“لكن أخي الصغير.”
قالت بابتسامة ماكرة.
“ماذا؟”
“رئيستك إنها لطيفة جدًا وتبدو مناسبة لك.”
“……”
“ألا يوجد شيء بينكما؟”
“لا.”
“لا؟ إذن دعيني أعرّفها على أحد أعضاء النقابة الجدد؛ ش5. هل يُعتبر الإلف عاملًا أجنبيًا؟
ما هو الإلف؟
عادةً ما يتخيل الناس كائنًا نحيفًا، بأذنين مدببتين، وملامح غامضة.
الإلف الناضج، بغض النظر عن العمر أو الجنس، يملك جمالًا محايدًا وساحرًا.
في وسائل الإعلام، يُصوَّر الإلف ككائن مقدّس يحب الطبيعة، وغالبًا ما يظهر في الأفلام والألعاب.
في طفولتها، كانت جاي-هي تختار دائمًا شخصية الإلف في الألعاب، تحبهم وتكنّ لهم إعجابًا خاصًا.
لكن ذلك كان قبل ظهور الإلف الحقيقي.
في منطقة باروتارا المصنّفة من الفئة B،
ما إن دخل دو-هون الغابة حتى شكّ في عينيه.
كان يظن أن اسم غابة باروتارا يعني أنها مليئة بالأشجار، لكن ما رآه كان مجرد أرض قاحلة.
أما جاي-هي، التي زارت المكان من قبل، فلم تتفاجأ.
كل ما كانت تفكر فيه هو: لننهي العمل بسرعة ونغادر هذا الجنون.
“دو-هون، كم تعرف عن الإلف؟”
سألته جاي-هي.
“قرأت عنهم في دليل الموظفين الجدد، يُقال إنهم يحبون الطبيعة ويمكن التواصل معهم.”
“هممم.”
تنهدت جاي-هي.
من كتب هذا الدليل يجب أن يُجبر على إعادة راتبه.
تفهم أن الوثائق الرسمية يجب أن تكون مهذبة، لكن وصف الإلف بأنهم يحبون الطبيعة؟
هذا تبسيط مخلّ.
“اسمعني جيدًا، دو-هون الإلف كائنات بسيطة جدًا. هل تريد أن تكسب ودّهم؟ الأمر سهل جدًا.”
ثم همست له بسرّها المهني:
“امدح عضلاتهم، فهم يحبون ذلك.”
“نعم!”
أجاب دو-هون بحماس،لكنه لم يفهم شيئًا.
وقبل أن تسنح لها الفرصة لتفسير كلامها، شعر الاثنان بوجود شخص خلفهما.
التفتا، فرأى دو-هون إلفًا واقفًا أمامهما.
كانت هذه أول مرة يرى فيها إلفًا حقيقيًا، فكاد يرتكب خطأً كبيرًا لولا أن جاي-هي همست له بسرعة:
“دو-هون، حافظ على تعابير وجهك!”
“جاي-هي، مضى وقت طويل.”
قال الإلف، وكان أحد الشيوخ، يُدعى إيربا.
ومدّ يده نحوها، في إشارة إلى التحية.
“مرحبًا، السيد إيربا.”
قالت جاي-هي بابتسامة متكلفة،زثم صافحته.
كراش!
قبض إيربا على يدها بقوة، حتى شعرت أن الدم توقف عن الجريان.
ابتسمت جاي-هي ابتسامة مشدودة وقالت:
“سيدي إيربا، هلّا خففت قبضتك قليلًا؟ يدي على وشك أن تنكسر.”
“آسف، لقد نسيت أن البشر ضعفاء بطبيعتهم.”
قال إيربا بابتسامة ساخرة.
ضحكت جاي-هي وقالت:
“سيدي إيربا، لستُ ضعيفة كما تظن.”
‘الغريب ليس نحن بل أنتم.’
‘من الذي ابتكر صورة الإلف النحيل الرقيق؟ لقد كان ذلك خطأً فادحًا.’
“سيدي إيربا، تبدو عضلاتك أكبر مما كانت عليه آخر مرة، هل بدأت برنامج تدريب جديد؟”
قالت جاي-هي وهي تنظر إلى جسده الضخم.
ففي الحقيقة، لم يكن هناك أي إلف نحيل.
الإلف الحقيقيون كانوا أشبه بلاعبي كمال أجسام، يستطيعون رفع أوزان هائلة بسهولة.
انظر إلى تلك العضلات يمكنه أن يحمل ثلاثة أطفال على ذراعيه دفعة واحدة.
في كل مرة تدخل جاي-هي إلى أرض الإلف، تشعر وكأنها حضرت بطولة كمال أجسام.
أما حبهم للطبيعة؟
فهو صحيح جزئيًا، لكن طبيعتهم الحقيقية كانت الزراعة.
“أليست عضلاتي رائعة؟ لقد عملت بجد في حراثة الأرض، فأصبحت بهذا الشكل.”
قال إيربا وهو يستعرض عضلاته أمامهما.
“العضلات القوية تصنع مزارعًا قويًا.، لتباركنا أمّ الطبيعة إلى الأبد.”
وأضاف وهو يرسم إشارة مقدسة بيده.
لقد كان عشق الإلف الحقيقي هو الزراعة.
اختيار البذور، زراعة المحاصيل، كل ذلك بالنسبة لهم عمل مقدّس، وسبيل للتواصل مع الطبيعة الأم.
نعم..
الإلف في هذا العالم كانوا مزارعين مهووسين باللياقة البدنية.
‘أعيدوا لي أوهامي اللعينة.’
“سيدي إيربا، هذا هو مساعدي كوون دو-هون.”
قدّمته جاي-هي.
“أوه.”
قال إيربا وهو يتفحص دو-هون من رأسه حتى قدميه، مما جعل الأخير يشعر بالقشعريرة.
“هل لديك اهتمام بالزراعة يا فتى؟”
سأله إيربا بعينين متألقتين.
“هاه؟”
“بنيتك العضلية ممتازة. مع قليل من التدريب، ستصبح مزارعًا رائعًا. ما رأيك أن تنضم إليّ في خدمة الطبيعة الأم؟”
“أ… أممم…”
ارتبك دو-هون، فكلام الإلف كان صعبًا على موظف جديد أن يرفضه.
لكن جاي-هي تدخلت بسرعة وقالت:
“سيدي إيربا، ها أنت تعود مجددًا! لماذا تحاول دائمًا تحويل موظفي الهيئة إلى مزارعين؟ لن أسمح لك بأخذ مساعدي، فانسَ الأمر.”
“هممم…حضن الطبيعة الأم مفتوح دائمًا، فإن غيّر رأيه لاحقًا، فليخبرني.”
قالها إيربا دون أن يبدو عليه الانزعاج، ثم بدأ يقودهما نحو قرية الإلف.
“جاي-هي، أنتِ أيضًا تملكين صفات المزارع المثالي. صحيح أن جسدك الآن ناعم وخالٍ من العضلات، لكن أعطني ستة أشهر فقط، وسأحوّلك إلى مزارعة عظيمة.”
كان هذا تعليقًا يكرّره كلما رآها.
فالإلف يعتبرون الزراعة جوهر حياتهم، وكل سكان القرية يعملون في الزراعة، حتى أن الأراضي الزراعية التي مرّوا بها امتدت بلا نهاية.
في تلك الحقول الواسعة، كان الإلف الضخام يكدّون ويتصببون عرقًا، يحصدون المحاصيل بأيديهم، دون آلات أو تقنيات حديثة.
هزّت جاي-هي رأسها داخليًا.
في عالم تُدار فيه الزراعة بالآلات،
أن تتخيّل نفسها تحمل منجلًا وتحصد يدويًا؟
كان ذلك كابوسًا.
ثم نظرت إلى عضلات إيربا،
‘هذا ليس جسدًا طبيعيًا، أن أصبح مثله؟ مستحيل.’
“آه، أنا راضية تمامًا عن عملي الحالي، ولا أظن أنني أملك القدرة على الزراعة.”
قالتها بأدب،
وكانت قد رفضت عرضه مرات كثيرة من قبل، لذا اكتفى إيربا بهز كتفيه.
واصل الثلاثة السير، وخلال الطريق، همس دو-هون في أذن جاي-هي:
“أليست هذه المنطقة تُدعى غابة باروتارا؟”
لكن أين الغابة؟
لا أثر للأشجار، فقط حقول لا تنتهي.
وكان هناك سبب لذلك.
“في الماضي، كانت هذه المنطقة مليئة بالأشجار.”
قالت جاي-هي.
“ولهذا سُمّيت غابة باروتارا.”
لكن الإلف، حين شعروا بنقص الأراضي الزراعية، أحرقوا الغابة.
كانت الإلف في الأصل يعيشون على جمع الثمار، لكن بعد ظهور ديانة أمّ الطبيعة، بدأوا يؤمنون أن الزراعة هي الطريقة الوحيدة للتواصل معها.
انتشرت هذه العقيدة بسرعة، حتى قرروا التضحية بالغابة،
وزرعوا فوق رمادها، معتقدين أن المحاصيل تنمو أفضل هناك.
من تكون هذه أمّ الطبيعة التي يقدسونها؟
تساءلت جاي-هي.
وفجأة، صرخ إيربا:
“يا لهذا الكائن الشرير!”
تفاجأت جاي-هي ودو-هون، والتفتا بسرعة لمعرفة ما حدث..
الكائن الذي أثار غضب إيربا لم يكن سوى خلد.
أو على الأقل، بدا كخلد في نظر جاي-هي.
كان يحفر بين المحاصيل، وحين رآه إيربا، اشتعل غضبًا:
“كيف تجرؤ على مهاجمة الطبيعة الأم؟!”
أمسك بعصا خشبية من الأرض، وضرب بها الخلد ضربة قاضية، طار رأسه بعيدًا، وسقط جسده بلا حراك.
‘أليس هذا الكائن أيضًا جزءًا من الطبيعة؟’
همست جاي-هي لنفسها،
ثم قالت بصوت خافت:
“سيدي إيربا، إن حماسك لحماية الطبيعة الأم مثير للإعجاب.”
ابتسم إيربا بخجل، وقد احمرّ وجهه من الثناء.
‘هذا المكان لا يُطاق، يجب أن ننهي المهمة ونغادر بأسرع وقت.’
~*~
“بذور كالانتور؟ نعم، أتذكر أننا استلمناها من البشر قبل سنوات.”
قال إيربا وهو يقودهم إلى مستودع قديم في القرية.
“قمنا بزراعتها هنا لكن تلك النبتة كانت غريبة.”
رغم صعوبة زراعة كالانتور، فالإلف مهووسون بالزراعة،
وقد كرّسوا كل طاقتهم لها، فمن غير المنطقي أن يفشلوا.
فتح إيربا باب المستودع، وكانت المفاجأة:
داخل المستودع، نبتات كالانتور تنمو في كل زاوية، لكنها بدت ضعيفة، شاحبة، وكأنها تحتضر.
“هل كانت كالانتور دائمًا بهذا الشكل؟”
سألت جاي-هي بدهشة.
اقترب إيربا من إحدى النبتات، لكن جاي-هي صرخت:
“إيربا! لا تقترب كثيرًا—”
“هممم؟ ها هي تعود لطبيعتها.”
فجأة، أظهرت النبتة سلوكها المفترس، وفتحت فمها لتبتلع إيربا، تلمع أنيابها تحت الضوء.
لكن..
بووم!
لكمه إيربا بقبضته القوية، أسقطت النبتة أرضًا بلا حول ولا قوة.
كانت هذه النبتة قد أرهقت الكثير من المستيقظين، لكن أمام قوة عضلات إيربا، لم تستطع المقاومة ولو للحظة.
ضربة واحدة كانت كافية.
انهار كالانتور على الأرض.
“جاي-هي، ماذا قلتِ؟”
سألها إيربا بعد أن أنهى الأمر بسهولة.
“آه لا شيء.”
أجابت بابتسامة متوترة.
ثم أضاف:
“لكن، هل من الطبيعي أن تكون هذه النبتة بهذا الشكل؟”
“نعم هذا طبيعي الآن.”
قالت جاي-هي وهي تهز رأسها.
لقد فهمت السبب.
كالانتور كان في حالة سوء تغذية.
ففي الأصل، كان من المفترض أن يتغذى على الإلف، لكن المشكلة أن الإلف هنا كانوا أقوياء جدًا.
“ألم تسمعي ما قلته سابقًا؟ ‘العضلات القوية تصنع محاصيل قوية’.”
قالها إيربا بفخر.
ظنّت جاي-هي أن هذا مجرد هراء، لكن بعد أن رأت كيف هزم ككان ابن عرس، أصغر أمراء عشيرة الزهور، قد عبر إلى الأرض وافتتح متجره الخاص لسبب وجيه.
فبعد اتصال الأبعاد، اكتشف أن السوق هنا قد غُلّف بالرأسمالية.
‘رأسمالية؟ عالم يُباع فيه كل شيء بالمال؟ يا له من حلم رائع!’
ففي موطنه القديم، لم يكن هناك مفهوم للعملة، بل مجرد مقايضة.
لكن هنا، على الأرض، وُلدت لديه أمنية عظيمة:
“كوريا الجنوبية؟ يومًا ما سأشتري هذه البلاد كلها!”
ومن أجل تحقيق حلمه، افتتح متجر التحولات الشاملة، حيث يمكن شراء أي شيء بالمال.
قال وهو يبتسم لجاي-هي:
“إذن، لماذا جئتِ إلى هنا؟ اغتيال؟ تجارة؟ قولي ما تشائين.”
كانت كلماته قاسية، ففتح دو-هون عينيه بدهشة، لكن جاي-هي ابتسمت مطمئنة:
“إنه مجرد ثرثار لا يملك أي قدرة حقيقية.”
رغم أحلامه العظيمة، كان ابن عرس عاجزًا حتى عن دفع إيجار متجره المتهالك.
دخلت جاي-هي في صلب الموضوع مباشرة فهي جاءت إلى هنا لأن والدها اشترى بذور كالاندور من هذا المكان.
“سيدي، هل تتذكر البذور التي بعتها لوالدي مؤخرًا؟”
“أوه! بالطبع أتذكر! والدك كان أفضل زبون لدينا—”
“…..”
“زبون مليء بالعيوب، لذلك من الطبيعي أن أتذكره.”
“بكم بعتها له؟”
“مئة…”
“مئة؟”
“ألف…”
“ألف؟”
حدّقت جاي-هي فيه ببرود، فأخفض رأسه أخيرًا، وهمس لها بالسعر الحقيقي.
عندما سمعت المبلغ الذي أنفقه والدها على تلك البذور، عضّت جاي-هي على أسنانها بقوة.
يجب أن أجد طريقة لإيقافه بأي ثمن.
كان المبلغ فلكيًا، حتى بالنسبة لعائلة غنية مثل عائلتها.
لكن ما أثار غضبها حقًا، هو أن والدها أنفق كل ذلك على شيء عديم الفائدة وخطير.
“هل تعرف ما هي تلك البذور؟ إنها بذور كالاندور، ممنوعة تمامًا من التداول من قِبل الهيئة. أنت الآن متورط في تهريب محظورات.”
لكن ابن عرس لم يبدُ عليه أي خوف.
“لم أكن أعلم.”
“…..”
“قلت لك، لم أكن أعلم! كيف لي أن أعرف؟ جاء شخص إلى متجري وعرضها للبيع، فاشتريتها أنا أيضًا ضحية في هذه القصة!”
رغم وقاحة ابن عرس، قررت جاي-هي أن تؤجل محاسبته على جريمة تهريب المحظورات.
فالأهم الآن هو معرفة من باع تلك البذور لوالدها.
“حسنًا، لنفترض أنك ضحية. لكنني بحاجة إلى معلومات عن الشخص الذي باعك تلك البذور. هل لديك تسجيلات كاميرا المراقبة؟”
“معلومات؟”
قال ابن عرس وهو يرفع حاجبيه.
“نعم، إنها دليل مهم في التحقيق أرجو أن تتعاون.”
ابتسم بخبث وقال:
“ولماذا يجب أن أتعاون؟”
“..…”
“هذا متجر التحولات الشاملة، حيث يُشترى كل شيء بالمال. وبالمقابل، إن لم تدفع، فلن تحصل على شيء. تريدين معلومات؟ ادفعي الثمن!”
قالها بصوت متعجرف، نافخًا صدره.
لكن جاي-هي، بخبرتها الطويلة في التعامل مع المحتالين والمشاغبين، لم تكن بحاجة إلى إقناعه بالكلمات.
ابتسمت ابتسامة مشرقة، لكن من يعرفها جيدًا كان سيدرك أن تلك الابتسامة تعني شيئًا واحدًا: هي على وشك الانفجار.
“سيدي، نحن في مهمة رسمية. تعاون معنا، وإلا”
“هاه! تظنين أنني سأخاف من تهديدك؟ لقد دفعت رشاوى كثيرة للهيئة من قبل..”
توقف فجأة، مدركًا أنه أفشى سرًا خطيرًا.
لكن الأوان كان قد فات.
اقتربت منه جاي-هي بخطوات بطيئة، وعيناها تلمعان بغضب.
“رشاوى؟ قلت إنك دفعت رشاوى؟ لمن؟ من هم الموظفون الذين أخذوا منك المال؟”
“انتظري! اهدئي قليلًا!”
قال وهو يحاول التراجع.
لكن جاي-هي أمسكت بتلابيبه، وسحبته نحو المخزن خلف المتجر.
بووم!
أُغلق الباب بعنف، واهتز المكان كله.
أما دو-هون، فبقي واقفًا يراقب بصمت، متظاهرًا بالانشغال بتفحص البضائع الغريبة في المتجر، بينما كان يسمع صرخات مكتومة من الداخل.
وبعد قليل، فُتح الباب، وخرج ابن عرس وهو مغطى بالكدمات، يجرّ نفسه بصعوبة.
ابتسمت جاي-هي وقالت لدو-هون:
“لقد قرر أن يتعاون وبنشاط شديد.”
~*~
وبينما كانت تبحث عن تسجيلات الكاميرا، شرحت جاي-هي لدو-هون:
“يبدو أن ابن عرس حاول مدّ نفوذه داخل الهيئة، فأراد رشوة بعض الموظفين. لكن محاولاته كلها فشلت باستثناء واحدة.”
الرشاوى لا تنجح بسهولة مع موظفي الهيئة فمن يُكتشف أنه تلقى رشوة يُفصل فورًا، وهذا يعني نهاية حياته المهنية كمستيفظ رسمي.
فمن يُفصل من الهيئة لا يُقبل في أي نقابة، ولا يُسمح له بالعمل كمستيفظ مستقل، خصوصًا أن نقابات الهيئة تسيطر على السوق بالكامل.
كما أن وظيفة الهيئة مغرية جدًا: راتب مرتفع، مكانة اجتماعية، ومعاش تقاعدي مضمون.
بل إن الهيئة تُعد من أقوى المؤسسات، ومعدل النجاة فيها أعلى من باقي النقابات.
فهي لا تختار إلا من يملكون قدرة عالية على التحليل، لأن المستيقظ يجب أن يلتقط الدليل في لحظة واحدة فقط.
لهذا، من يجرؤ على المخاطرة بكل ذلك من أجل رشوة؟
ومع ذلك يبدو أن أحدهم فعلها.
“في الحقيقة، من الصعب القول إن ما حدث كان رشوة فعلًا لكن… القائد تشوي-نوا..”
قالها أحد الكتّاب وهو يعيد تقييم الموقف.
فالقائد تشوي-نوا اختفى من مقر الهيئة لفترة، ويبدو أنه كان يتلقى هدايا من ابن عرس، ظنًا أنها مجرد مجاملات بريئة.
أما ابن عرس، فكان يعتقد أنه كوّن علاقة قوية مع شخصية نافذة في الهيئة.
“القائد تشوي-نوا؟ لا يمكن! هو لا يعرف حتى معنى كلمة رشوة!”
قالها القائد تشان-سي بعد مكالمة هاتفية مع جاي-هي، التي بدت حائرة:
‘هل يجب أن أفرح لأن لا أحد في الهيئة متورط؟
أم أحزن لأن قائدي كان على حافة السقوط؟’
قالت جاي-هي:
“القائد تشوي-نوا تلقى هدايا بسيطة فقط ولم يمنح أي امتياز مقابلها، فمن الناحية القانونية، لا تُعد رشوة، بل مجرد هدية.”
وافق الكتّاب على كلامها، وفي تلك اللحظة، عاد ابن عرس وهو يحمل تسجيلات الكاميرا.
“قبل شهر، جاء زبون إلى متجري.”
ظهر في الفيديو امرأة ترتدي قبعة كبيرة وقناعًا، حتى بدا وكأنها تصرخ: أنا مشبوهة!
دخلت إلى المتجر، وبعد مفاوضة قصيرة، باعت البذور لابن عرس.
“كانت ضعيفة، وكأنها فقدت قوتها ربما حملتها طويلًا، حتى بدأت تتدهور حالتها، لذلك أرادت التخلص منها بسرعة.”
شرح ابن عرس.
شاهدت جاي-هي التسجيل عدة مرات، ثم تنهدت:
“لا يوجد أي معلومة مفيدة هنا.”
تردّد ابن عرس قليلًا، فهو لا يعطي شيئًا بلا مقابل، لكن بما أنه كان في موقف ضعيف أمام جاي-هي، قرر أن يضيف شيئًا:
“تلك المرأة لم تكن بشرية. إنها من الأجناس الأخرى.”
“ماذا؟ من الأجناس الأخرى؟”
قالت جاي-هي بدهشة.
“نعم، أنفي لا يخطئ كانت تفوح منها رائحة الأرض، رائحة غريبة من بعد آخر.”
‘رائحة الأرض؟ أي جنس يمكن أن يكون؟’
فكّرت جاي-هي، لكنها لم تجد جوابًا.
فالأجناس التي تعيش في بيئات محدودة، مثل حوريات البحر، معروفة، لكن جنس يعيش في الأرض؟ لم يخطر ببالها شيء.
تنهدت، ثم استعدت للمغادرة.
فهي لم تتوقع أن تجد كل الأدلة هنا.
ناداها ابن عرس وهو يلوّح:
“جاي-هي! لقد ساعدتك قدر استطاعتي! لا تنسي ذلك!”
“شكرًا. بخصوص تهريب المحظورات، سأرسل موظفًا آخر بعد أيام للتحقيق. استعد لذلك.”
“تسفف…”
قال ابن عرس وهو ينقر بلسانه،بينما كان يراقبها تغادر المتجر.
~*~
يتبع.. الانتور بقبضته، بدأت تدرك أن لهذا القول منطقًا خاصًا.
ربما كان هوس الإلف بالزراعة نعمة في النهاية.
لو كانوا مهووسين بالحرب بدلًا من ذلك، لكان العالم قد دُمّر منذ زمن.
فكّرت جاي-هي وهي تنظر إلى جسد إيربا المليء بالعضلات.
~*~
يتبع.. اب رائع انضم مؤخرًا.”
“لا! لا تفعلي ذلك أبدًا!”
قالها دو-هون بسرعة، ثم غادر المكتب بخطوات متوترة.
راقبته دو-هي وهو يبتعد، وعلى وجهها ابتسامة غامضة، تخفي وراءها الكثير من الأفكار.
~*~
يتبع..
التعليقات لهذا الفصل " 21"