بعد أن أُعيد الملك إلى عالمه، بدأت جاي-هي بتنظيف موقع الحدث.
لكن فجأة، شعرت بحركة غريبة خلفها.
وبدون تردد، أخرجت سلاحها ووجّهته نحو رأس القادم.
“جاي-هي، مضى وقت طويل.”
رغم أن فوهة السّلاح كانت مصوّبة إلى رأسه، إلا أن هان يون-جي تحدث وكأن شيئًا لم يكن.
‘هاه..’
بالنسبة لجاي-هي، كان الأمر صادمًا.
فخيانة هان يون-جي للهيئة ولها شخصيًا، كانت قبل سنوات، لكن الغضب داخلها لم يخمد بعد.
ولن يخمد بسهولة.
“السيد هان يون-جي، هل نحن في موقف يسمح لنا بتحية كهذه؟”
قالتها وهي تحاول كتم مشاعرها، لكن بعض الغضب تسرّب إلى نبرة صوتها رغمًا عنها.
“آه، حين رأيتك آخر مرة كنت مصابًا بشدة، يبدو أنك تعافيتَ الآن، أليس كذلك؟”
قالتها وكأنها تمازحه، رغم أنها هي من أطلقت النار على فخذه حينها.
لكن هان يون-جي لم يرمش حتى.
“شكرًا على اهتمامك، ربما تعافيت بفضل قلقك عليّ.”
“هل تظن أن هذا كان قلقًا؟ يبدو أن الإصابة لم تكن في فخذك بل في رأسك.”
سخرت منه جاي-هي، لكن ما قاله بعدها هزّها.
“بالطبع كان قلقًا. كنتِ دائمًا تقلقين عليّ، حتى لو جُرحت إصبعي كنتِ ترتبكين.”
هل أتجرأ؟
شعرت جاي-هي بالغضب يتصاعد، وأمسكت بسلاحها بقوة.
لكنها أخذت نفسًا عميقًا، وأعادت السلاح إلى جيبها، ثم قالت بصوت هادئ:
“السيد هان يون-جي.”
“لماذا أتيت إلى هنا؟ أنت لست من يهتم بسلامة الآخرين.
د أن تأتي طوعًا للمساعدة في احتواء الشقّ؟ لا أحد سيصدق ذلك.”
اكتفى هان يون-جي بابتسامة غامضة.
“يبدو أن المحادثة مع الملك سارت على ما يرام؟”
” نعم، سارت بشكل جيد. على عكس البعض، الملك يقدّر السلام.”
“هذا مطمئن، كنت قلقًا عليك، فقد قيل لي إن هذا الملك وحشي، عدواني، لا يعرف التفاوض. ظننت أن المحادثات ستفشل، لكنك نجحتِ.”
كان يتحدث وكأنه لم يكن له علاقة بالأمر، لكن معرفته بتفاصيل الملك كانت مريبة.
حتى الهيئة لم تكن تعلم كل ذلك.
لكن جاي-هي لم تهتم بكلامه، بل ردّت بحدة:
“الوحش الحقيقي هو أنت وليس الملك، أنت من خنت زملاءك، وقتلت الأبرياء. إن لم تكن وحشًا، فما أنت إذًا؟”
“…..”
“لا تظهر أمامي مجددًا.”
بعد أن أنهت جاي-هي حديثها، غادرت المكان أولًا.
كان جونغ تشان-سي يراقب كل شيء من بعيد، وقلق على حالة أخته، فتقدّم نحوها.
“أخي.”
قالت جاي-هي بعد لحظة صمت طويلة.
“ما الأمر يا جاي-هي؟”
سألها تشان-سي بقلق.
فقد كان شاهدًا على حجم الجرح الذي تركه هان يون-جي فيها قبل سنوات، وكان يخشى أن لقاءها به الآن قد أعاد إليها الصدمة.
هما تقريبًا أعداء دمويون، أن تلتقيه بعد سنوات لا بد أن الأمر هزّها بشدة.
قالت جاي-هي بعينين متقدتين:
“حين نعود إلى الهيئة.”
“حين نعود؟”
“لنفتح تحقيقًا ضريبيًا ضد نقابة هوشو.”
“تحقيق ضريبي؟”
أجابت جاي-هي بحزم:
“نعم، تحقيق ضريبي. عشر مرات لا، عشرين مرة!”
ابتسم تشان-سي وربّت على ظهرها:
“حسنًا، سأطلب من المدير الموافقة.”
كان يعلم أن هذا لن يخفف من غضبها،
لكن ما الذي يمكن أن يفعله موظف حكومي غير ذلك؟
أقصى درجات الانتقام الإداري هي التحقيقات الضريبية، وهذا أفضل وسيلة لإزعاج هان يون-جي الآن.
جاي-هي كانت تغلي من الداخل، وتصرّ على الانتقام.
~*~
[مقطع جانبي – حتى الملوك كان لهم طفولة بريئة]
كانت إيريناس ترى نفسها بلا حظ مع والديها.
فالمخلوقات السحرية لا تعرف روابط قوية بين الآباء والأبناء.
يعيشون آلاف السنين، وينجبون عشرات الأطفال، لكن الطفل بالنسبة لهم مجرد قطعة من الماضي.
ومع ذلك، كان والداها أسوأ من المعتاد.
أمّها، سيدة قلعة الشتاء، كانت تستبدل الأزواج كما لو كان ذلك هواية.
أما والدها، الملك، فقد عاملها وكأنها غير موجودة.
وربما كان من حسن حظها أن أمها لم تهتم بها كثيرًا.
فقد كانت مشغولة بأزواجها الجدد أكثر من اهتمامها بابنتها، وذلك كان أفضل بالنسبة لإيريناس.
فقد رأت ما حدث للرجال الذين جذبوا اهتمام أمها، وكانت تدرك أن اللامبالاة أفضل بكثير من ذلك الاهتمام المدمر.
لم يكن بينهما أي مشاعر أمومة.
لقد أنجبتها أمها فقط لأنها أرادت وريثًا قويًا، فنامت مع الملك لهذا الغرض.
ولدت إيريناس بلا حب، بلا حنان، بل كانت مجرد مشروع نفعي بحت.
أما إخوتها غير الأشقاء، فقد كانوا بالنسبة لها مجرد عقبات، أعداء يجب أن تُقصيهم يومًا ما حين ترث قلعة الشتاء.
لذلك، حين سمعت أن لها أخًا جديدًا، لم تشعر بأي شيء كان الأمر بلا معنى بالنسبة لها.
على الأقل، كان ينبغي أن يكون كذلك.
“إيريناس، لقد صار لكِ أخ جديد.”
قالت أمها أثناء العشاء.
فما إن سمعت ذلك حتى فقدت شهيتها، ومسحت فمها بمنديل بعنف.
“كم مضى على دخول هذا الرجل إلى القلعة؟ أسبوع واحد؟
والآن تقولين إن لكِ منه طفلًا؟”
نظرت إلى زوج أمها الجديد الجالس بجانبها.
أسبوع واحد فقط والآن طفل؟
“كم هو الآن ترتيبه بين أزواجك؟ لقد ملأتِ القلعة بأزواجك حتى صارت تدور حولها دائرة كاملة.”
كان ذلك بالفعل هوايتها المقيتة، أمها اشتهرت بعلاقاتها الكثيرة، وبمللها السريع. حتى أنها كانت تغيّر رأيها في يوم واحد، تتغزل بزوج قديم ثم تركله لتستبدله بآخر.
ابتسمت أمها ابتسامة مغرية، تلك التي كانت تفتن قلوب المخلوقات السحرية.
“إنه الزوج الخامس والثمانون، ثم”
لم تكمل، لكن إيريناس فهمت قصدها.
سيُطرد غدًا، وسيأتي السادس والثمانون بعد أسبوع.
لم تستطع أن تتحمل أكثر، فتركت مائدة الطعام.
لكن قبل أن تغادر، قالت أمها بصوت عالٍ:
“إيريناس، هذا الأخ الجديد ليس منّي، إنه ابن والدك.”
توقفت خطواتها فجأة.
~*~
في غرفتها، لم تستطع أن تنسى كلمات أمها.
لم يكن لإيريناس أي مشاعر تجاه إخوتها غير الأشقاء.
كانوا مجرد حمقى يتنافسون على وراثة قلعة الشتاء.
لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.
شعرت باهتمام غريب تجاه هذا الأخ الجديد.
‘سأذهب فقط لأراه، مجرد نظرة.’
هكذا أقنعت نفسها.
وفي منتصف الليل، تسللت إلى قلعة الملوك.
وهناك، رأت أخاها الجديد لأول مرة.
وشعرت بشيء لم تعرفه من قبل.
“من أنت؟”
سألها الطفل.
كان قصيرًا جدًا، لا يصل حتى إلى خصرها.
لكن عينيه كانتا ميّتتين بالفعل.
نظرت إيريناس حولها.
كان المكان برج السّجناء في القلعة، حيث يُحبس المذنبون حتى يموتوا، ولا يخرجون إلا عظامًا.
‘لماذا يوجد طفل هنا؟ وحيدًا؟’
اقتربت وسألته:
“أيها الصغير، ما اسمك؟”
“لا أعرف.”
أجاب الطفل.
“…….”
“الملك قال أنّ أمثالي لا يستحقون اسمًا.”
كان في عيني الطفل شيء جعل إيريناس، دون أن تشعر، تمد يدها وتربّت على رأسه.
رغم أنها تربّت كخليفة لقلعة الشتاء، وتدرّبت على كبح المشاعر الرقيقة مثل الشفقة، إلا أن هذا الطفل أيقظ فيها شيئًا كانت تظنه مات منذ زمن.
وما إن لمست رأسه، حتى بدأت دموعه تنهمر بصمت.
“لا تبكِ، صغيري.”
كان الطفل نفسه مندهشًا من دموعه، وكأنها باغتته.
فاحتضنته إيريناس بصمت.
~*~
ومنذ ذلك اليوم، بدأت تزوره كلما سنحت لها الفرصة.
لكن تلك الزيارات لم تدم طويلًا.
“إيريناس، توقفي.”
قالتها أمها بنبرة صارمة.
“لا أعرف عن ماذا تتحدثين.”
رغم أنها كانت تعرف جيدًا، إلا أنها تظاهرت بالجهل.
“هاه.”
تنهدت الأم، وكأنها تعاني من صداع مزمن.
“إيريناس، إن كنتِ تريدين إنقاذه، فلا تقتربي منه مجددًا.”
ثم أعطتها شيئًا ملفوفًا في منديل.
وحين فتحته، وجدت فيه قرنًا صغيرًا.
“هذا!”
عرفت فورًا لمن يعود هذا القرن.
“الملك أمسك به وكان تصرفًا بشعًا.”
قالت الأم بأسى.
“إيريناس، ذلك الطفل يملك طاقة سحرية هائلة. اختيار الملك له كان أمرًا متوقعًا، لكن إن واصلتِ زيارته، فلن يترككِ الملك وشأنك، ولن يتركه هو أيضًا.”
“هل عليّ أن أتجاهله إذًا؟ أن أتركه هناك؟ إنه أخي.. أخي الوحيد.”
عضّت على شفتيها وهي تسأل.
“انتظري. سيخرج من ذلك البرج بنفسه يومًا ما.”
قالت الأم، وهي ترى ألم ابنتها.
وفي ذهن إيريناس، لم يكن هناك سوى فكرة واحدة:
‘صغيري، ستصبح سعيدًا يومًا ما.’
“أختي، ما معنى السعادة؟”
“السعادة؟ هي تلك اللحظة التي ترتسم فيها الابتسامة على وجهك، حين يشعر قلبك بالفرح.”
“ومتى تشعرين أنتِ بالسعادة؟”
“حين أقطع رؤوس الأعداء…. لا بل حين أراك، صغيري. حين أنظر إليك أشعر بالسعادة. انتظر قليلًا فقط، وحين تكبر وتغادر هذه القلعة، ستجد السعادة بانتظارك.”
كان ذلك آخر حوار بينهما.
وكحلم ليلة صيف، انتهى لقاء إيريناس وكارلوس عند هذه اللحظة.
~*~
يتبع..
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"