كان الملك كارلوس ناقصًا قليلًا.
أو ربما يجب القول: مخلوق سحري ناقص.
كان الآن داخل خيمة مؤقتة، تحوّلت إلى مكتب ميداني.
وبما أن كارلوس لم يُظهر أي عدائية تجاه البشر، فقد تعاون كل من تشوي-نوا وجاي-هي على جلبه بسرعة إلى داخل الخيمة.
وخلال ذلك، لم يُبدِ أي اعتراض.
بل أمسك بيد تشوي-نوا وتبعها بهدوء.
رأى أحدهم هذا المشهد وقال:
“كما هو متوقع من السلاح النهائي للهيئة.”
لكن لنعلّق هذا التعليق جانبًا الآن.
“سيدي الملك! أنا كانغ جاي-هي، نائبة من قسم التفتيش التابع للهيئة، مسؤولة عن شؤون المستيقظين.”
أكملت تحيتها الرسمية حتى النهاية.
كارلوس، بعد أن سمع كلامها، أمال رأسه قليلًا وضحك، ثم نظر إلى شعرها الطويل وبدأ يتحدث.
كادت ملامحها أن تنهار، لكنها كانت موظفة محترفة.
رفعت زاوية فمها بابتسامة رسمية، ومدّت يدها نحو الأوراق الموضوعة على الطاولة.
هذه الوثائق أُعدّت من قبل فريق الوثائق في الهيئة، بعد جهد شاق دام أسابيع.
كل ما عليها هو توقيعها، ثم تمريرها إلى الطرف الآخر وينتهي الأمر.
لكن هذه الأوراق لم تكن عادية.
كانت تحتوي على لعنات خفيفة، لا تقتل، لكنها مزعجة جدًا.
كل من يلمسها يُصاب بجروح صغيرة، أو تتساقط عليه فضلات الطيور، أو تُجرح أصابعه.
لكن الأهم أن هذه الوثيقة كانت تحتوي على خاصية خفية: ما إن ينوي الطرف الموقع خرق الاتفاق، تتحول كل الكلمات إلى اللون الأحمر، وترسل الهيئة إنذارًا فوريًا.
إبتسمت كانغ جاي-هي وقالت:
“سيدي الملك، سأكون مباشرة: الهيئة ترغب في توقيع معاهدة سلام معك.”
“ناديني كارلوس، ثم”
نظر إليها بتعبير فارغ، وسأل:
“ما معنى السلام؟”
“….؟”
“القتل، الدمار، الفوضى، الحرب أفهمها. لكن السلام؟ لا أفهمه، ما الذي يعنيه السلام؟”
توقفت جاي-هي لتفكر.
السلام ليس مفهومًا موحدًا للجميع.
ثم قالت:
“سيدي كارلوس، السلام شيء جميل جدًا. ما أكثر شيء تحبه؟ أو ما أسعد لحظة مررت بها؟”
كانت تنوي أن تقول له إن السلام أجمل من أي شيء يحبه.
“أسعد لحظة؟ حين قطعت رأس والدي. عندما رأيت الحياة تغادر عينيه، شعرت لأول مرة بالفرح. كانت أقرب لحظة إلى السعادة.”
“……”
تجمّدت تعابير جاي-هي
‘لا يمكنني أن أقول له: السلام أجمل من قتل والدك.’
ثم سألها كارلوس:
“هل تفضلين السّلام أم الحرب؟”
“طبعًا السلام!”
‘هل هناك شك؟ أنا أقف أمام ملك لأول مرة في حياتي، وأقوم بهذا العرض المسرحي كله لأجل السلام.’
لم يكن هناك موظف واحد في الهيئة يكره السلام.
فلو اندلعت حرب بين العوالم، لكانت الهيئة أول من يتقدّم الصفوف.
لحسن الحظ، لم تحدث حروب كهذه مؤخرًا.
لكن قبل عشر سنوات فقط، كانت تحدث باستمرار.
حتى أن هناك قصصًا متداولة بين الموظفين:
“خلال الحرب الأولى، عملت ستة أشهر متواصلة دون راحة. وعندما عدت إلى البيت، لم يعرفني أولادي وسألوني: من أنت يا عم؟”
لهذا، كان طبيعيًا أن يعشق موظّفوا الهيئة السلام.
ابتسمت جاي-هي ابتسامة مشرقة، وأرادت أن تُظهر للملك كارلوس مدى حبها للسلام.
“إذن، أنا أيضًا أحب السلام.”
قال كارلوس.
ما إن نطق بذلك، حتى أخرجت جاي-هي بسرعة وثيقة معاهدة السلام.
“إن كنت تحب السلام، فلتوقّع هنا فورًا!”
حتى أنها وضعت القلم في يده وأجبرته على التوقيع.
كان جونغ تشان-سي يراقب من الخلف، واضطر أن يغطي فمه كي لا ينفجر ضاحكًا.
مهما كانت أختي محبوبة، فهذا مبالغ فيه، من يوقّع معاهدة سلام بهذه الطريقة؟
أدرك أن أخته لا تملك أي موهبة في الدبلوماسية أو الإقناع.
لن تصبح دبلوماسية أبدًا.
هز رأسه وهو يفكر بذلك.
لكن فجأة
“ما المطلوب هنا؟ توقيع؟ وما معنى ذلك؟”
سأل كارلوس.
“فقط اكتب اسمك!”
قالت جاي-هي بحماس.
“همم.. حسنًا.”
وبكل بساطة، وقّع كارلوس على الوثيقة.
‘هل.. هل نجح الأمر؟ ‘
تساءل كل من جاي-هي وتشان-سي في نفس اللحظة.
كان الأمر جيدًا، لكن غريبًا جدًا أن ينجح بهذه السهولة.
“حسنًا، بما أنني وقّعت، فهذا يعني أن الأمر قد تم.”
قال كارلوس.
“بالضبط! هذا يعني أن السلام قد تحقق بين عالمكم والأرض. لن تهاجمونا بعد الآن، وسنبدأ علاقات دبلوماسية متبادلة!”
قالت جاي-هي بفرح.
“هل هذا ما تعنيه هذه الورقة؟ همم حسنًا. لقد وعدت، ولا يمكنني أن أخلف وعدي. لن يهاجم عالم السحر عالمكم بعد الآن.”
أومأ كارلوس بجدية.
في تلك اللحظة، أدرك تشان-سي الحقيقة: الملك..غبي قليلًا.
ولهذا، نجحت حيلة جاي-هي البسيطة.
تنفس تشان-سي الصعداء.
بعد أيام من القلق بسبب ظهور شقّ من رتبة عالية، انتهى الأمر بسهولة غير متوقعة.
أما جاي-هي، فقد ارتخت أعصابها أخيرًا.
نظرت إلى وثيقة السلام في يدها، وابتسمت.
‘هذه الوثيقة ستفتح لي باب الترقية القادمة.’
~*~
ما إن شعرت جاي-هي بالارتياح بعد نجاح احتواء الشقّ، حتى بدأت تلاحظ ما حولها بوضوح.
راحت تعبث بخصلات شعرها، وكانت لا تزال تشعر بلمسة الملك وهو يصفف شعرها بعناية.
‘هل هذه ضفيرة متعددة الطبقات؟ كيف لمخلوق مثل الملك أن يكون ماهرًا في التجديل؟’
“أنت ماهر في تجديل الشّعر، سيدي الملك.”
قالت جاي-هي.
“كنت أصفف شعر أختي من قبل.”
ردّ كارلوس.
يبدو أن العلاقة بينه وبين إيريناس كانت قوية فعلًا.
ابتسمت جاي-هي، لكن ما قاله بعدها جعل ابتسامتها تتجمّد.
“لكن ذات مرة، رآنا والدي ونحن نسرّح شعرها فغضب وقطع معصميّ.”
“……!”
“لا داعي لتلك النظرة المصدومة لقد أعدتُ وصلهما. لكنني ربطتهما بالعكس، فاضطررت إلى قطع المعصمين مرة أخرى.”
ما هذا المكان؟
ما نوع هذا الملك السابق؟
فهمت جاي-هي الآن لماذا يصف كارلوس قراره بقتل والده بأنه مفارقة مشرقة.
ثم بدأ كارلوس يفكّ الضفيرة التي صنعها، وكأنها لم تعجبه، وراح يعيد تجديلها من جديد.
وبينما يعمل على شعرها، سألها فجأة:
“لكن إن كنتِ تحبين السلام، لماذا بدأتم الحرب؟”
“ماذا؟ أنا؟ لا يمكن!”
لم تفهم جاي-هي ما يقصده، فسألته مجددًا.
“هممم أليست الشقوق بين العوالم من صنعكم أنتم البشر؟تقولون إنكم تحبون السلام، لكنكم تخلقون الفوضى. أنتم مخلوقات معقدة فعلًا.”
سمعت جاي-هي وفريق الهيئة كلامه، واتسعت أعينهم بدهشة.
هل قال للتو إن البشر هم من صنعوا الشقوق؟
سألت جاي-هي، وهي تشعر بقلبها يرتجف:
“سيدي كارلوس، هل يمكنك شرح ذلك؟ هل تقصد أن الشقّ الذي ظهر مؤخرًا من صنع البشر؟”
“نعم، أنتم من صنعتموه.”
وبحسب رواية كارلوس، قبل عدة أشهر، حين كان الملك السابق لا يزال حيًا، جاء بعض البشر إلى عالم السحر.
“لم يكن من المعتاد أن يزورنا بشر، لذا أتذكرهم جيدًا وبعد رحيلهم، قال لي والدي شيئًا غريبًا.”
كانت علاقة كارلوس بوالده سيئة جدًا.
فهو من دمّر جانبًا من حياة كارلوس، لذا كل ما يقوله عنه كان صحيحًا.
يتذكّر كارلوس أن والده كان دائمًا خائفًا من فقدان سلطته.
وحين وُلد كارلوس، لم يشعر بالفرح، بل ارتعب من قوته السحرية الهائلة.
هذا الطّفل سيأخذ مكاني يومًا ما.
لذا، رغم أنه كان ابنه الشرعي، قام الملك السابق بحبس والدته، ونفى كارلوس خارج قلعة الملوك.
لم يكن يراه أحد سوى أخته التي كانت تزوره أحيانًا.
وهكذا نشأ كارلوس في عزلة تامة عن العالم.
وربما لهذا السبب، أصبح شخصًا باردًا، يشعر أن كل شيء بلا معنى، ولا يعرف لماذا عليه أن يعيش أصلًا.
كان كارلوس يشعر أن كل شيء بلا معنى.
وبصراحة، لم يكن يعرف لماذا عليه أن يعيش أصلًا.
ومع مرور الوقت، نمت قوته السحرية بشكل هائل.
حينها، بدأ والده، الذي كان يتجاهله سابقًا، في تعذيبه من حين لآخر.
لكن حتى ذلك، لم يكن مؤلمًا بقدر ما كان مزعجًا.
قبل أن يقتل والده، لم يكن كارلوس مهتمًا بمنصب الملك أصلًا.
في أحد الأيام، زار البشر قلعة الملوك.
وفي تلك الليلة، جاء والده، مخمورًا، إلى مكان حبس كارلوس.
وبدأ يهذي:
“انتهى أمرك! لقد وجدت الطريقة! رغم أنني لا أحب التعاون مع هؤلاء البشر، لكنهم يملكون قوة تفوقك، بل تفوق الجميع!”
ثم حاول أن يضربه كعادته.
لكن في تلك الليلة، ولأول مرة، ردّ كارلوس.
دفع والده، فسقط ومات في الحال.
وهكذا أصبح كارلوس ملكًا لكنه لم يشعر بشيء.
لم يبقَ في القلعة، بل بدأ يتجوّل في أراضيه يوميًا.
وفي أحد الأيام، اكتشف بوابة تربط بين العوالم.
وكانت تفوح منها رائحة البشر الذين زاروا القلعة سابقًا.
:هل هذه هي الطريقة التي تحدث عنها والدي؟’
وبدا أن البوابة على وشك أن تنفتح.
فكّر كارلوس قليلًا.
لم يكن لديه سبب لكره البشر، لكنهم بدوا متشابهين.
وكان على وشك أن يدمر العالم الآخر، لولا زيارة أخته في الليلة السابقة.
“أخي العزيز.”
قالت إيريناس، وهي تمسك بيده.
كانت الوحيدة التي عاملته بلطف.
كل شيء كان بلا معنى إلاّ هي.
“غدًا، سيتصل عالمنا بعالم آخر، وفي ذلك العالم، هناك طفلي.”
“طفلك؟ هل أنجبتِ؟”
“لا، ليس طفلي البيولوجي إنه طفل بشري، لكنه أول من جعلني أضحك بهذا الش ّكل منذ زمن طويل.”
رجته ألا يدمّر ذلك العالم.
وطلبت منه أن يعامله بلطف إن التقاه.
بعد أن أنهى كارلوس قصته، تبادل تشان-سي وجاي-هي النظرات.
‘بعد انتهاء هذه المهمة، يجب أن أذهب فورًا إلى قسم التحقيق مع جاي-هي. لقد أنقذت الأرض من ص
دام مع الملك.’
أما جاي-هي، فلم تنظر إليه فقد كانت تفكر بعمق.
‘هناك من صنع هذه البوابة عمدًا. ولو لم يمت الملك السابق، لكانت الأرض في خطر. هناك من يحرّك الأمور من خلف الستار.’
وقد بدأت جاي-هي تشعر أنها تعرف من هو وأن هذه ليست سوى البداية.
~*~
يتبع..
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"