“غرررررر.”
كانت كوت-نيم تزمجر بلا توقف، يبدو أنها جائعة.
من يراها هكذا سيظن أنّنا نمنع عنها الطعام!
ضحكت جاي-هي بذهول، غير مصدّقة.
“إن كنتِ جائعة فلتأكلي طعامك. هناك في طبقك، طعام ممتاز! إنه طعام عضوي فاخر للقطط، بطعم السّلمون!”
أشارت جاي-هي إلى الطبق الممتلئ، لكن كوت-نيم لم تُعره اهتمامًا، بل أطلقت زفيرًا ساخرًا.
وكأنها تقول: أنا لا آكل هذه التفاهات.
هي ليست قطة عادية، بل…
“غررر! غرررر!”
“أيتها القطة! إلى متى ستستمرين في التذمّر؟ إن اخترتِ أن تعيشي كقطة، فعليكِ أن تأكلي مثل القطط!”
لكن كوت-نيم رفضت، فبدأت جاي-هي تطاردها في أرجاء المتجر.
لقد دلّلها والدها كثيرًا، حتى أصبحت لا تعبأ بأحد.
حتى الطّعام الذي اختاره لها بعد تفكير طويل، لم تنظر إليه.
وحتى عندما قدّم لها لحم بقر فاخر مشوي، أكلت منه قليلًا ثم تجاهلته.
وفي النهاية، بعد مطاردة طويلة، استسلمت جاي-هي.
“أخبريني فقط ما الذي تأكلينه؟ لقد عشنا معًا لسنوات، ولم أركِ تأكلين طعام القطط ولو مرة واحدة. إن كنتِ تريدين الحفاظ على شكلك فلا بد أنكِ تأكلين شيئًا، أليس كذلك؟”
“غررر. غرررررر.”
فتحت كوت-نيم فمها، لتُظهر أنيابًا حادة ولامعة.
لو عضّت بها، لسقطت معظم الوحوش أرضًا من شدة الألم.
“هل تتفاخرين بأسنانك؟ هل تمضغين العلكة؟ لا، لا أريد أن أعرف.”
تنهدت جاي-هي بوجه متعب.
حتى وهي ترى هذا الوحش أمامها، لا يزال والدها يصفها بـالجميلة، الجميلة جدًا.
كانت جاي-هي تملك فكرة عمّا تأكله كوت-نيم لكنها لم تكن ترغب في تأكيدها.
هل يُعقل أن نربّي شيئًا كهذا في المنزل؟
لكن بعد سنوات من العيش تحت سقف واحد، لا يمكن إلا أن تتعلّق بها.
والداها كانا يعاملان كوت-نيم وكأنها كنز ثمين، يحرصان عليها أكثر من أي شيء.
ورغم شكلها المخيف، لم تؤذِ أحدًا.
بل على العكس في بعض المواقف، كانت مصدرًا للشعور بالأمان.
لكن جاي-هي سبق أن شاهدت هواية كوت-نيم الغريبة، وتذكّرها جعل جسدها يرتجف.
لم تكن ذكرى لطيفة.
“فقط لا تدعي أبي يراكِ وأنتِ تفعلين ذلك في الخارج، مفهوم؟ أنتِ تعرفين أن أبي حساس جدًا.”
“غرررر.”
هزّت كوت-نيم رأسها موافقة.
ها هي مجددًا تفهم الكلام بوضوح.
أي جزء في هذا الكائن يُشبه القطط؟
تنهدت جاي-هي بحزن.
حتى الأفكار التي كانت تدور في رأسها، شعرت أن كوت-نيم تلتقطها.
نظرت القطة إلى نباتات المتجر السحرية، ثم إلى جاي-هي، بالتناوب.
كانت تبتزّها بصمت: إن لم تلبّي طلبي، سأحوّل هذه النباتات إلى فتات.
النباتات السحرية كانت ترتجف فعليًا.
ولم يكن ذلك مجازًا، بل حقيقة.
حتى تلك النبتة المتعجرفة، كانت على وشك أن تفقد وعيها من الخوف.
تنهدت جاي-هي بعمق مرة أخرى.
“سأترك باب المتجر مفتوحًا الليلة، اخرجي وتناولي شيئًا، لكن عودي مبكرًا، مفهوم؟”
كوت-نيم، وقد حصلت على ما تريد، تجاهلتها تمامًا، ثم قفزت إلى الوسادة السّحرية الموضوعة في زاوية المتجر واستلقت براحة.
كانت كوت-نيم راضية تمامًا عن حياتها الحالية.
كل شيء حولها كان غريبًا وممتعًا، ورجلٌ يعتبر نفسه خادمها الشخصي يعتني بها بكل تفانٍ.
صحيح أن جلبه لتلك المادة الغريبة التي تُستخدم في طرد الأرواح الشريرة كان مبالغًا فيه، لكنها تجاوزت الأمر.
على أي حال، كوت-نيم كانت تنوي البقاء هنا لأطول فترة ممكنة.
ففي حياتها الطويلة، لم تعش لحظة سلام كهذه من قبل.
بدأت تشحذ مخالبها على لوح الخدش بجانب الوسادة.
ومع أن اللوح تمزّق بسرعة تحت أنيابها الحادة، إلا أنها استمرت بلا مبالاة.
أما جاي-هي، فكانت حياتها تزداد غرابة يومًا بعد يوم.
أندر مستيقظة في العالم، شقّ في حديقة المنزل، إرث والدها الغريب، وقطة لا يمكن تحديد هويتها أو بالأحرى، لا تريد أن تعرف حقيقتها.
أحيانًا، كانت تفكر:
“بهذا الكم من الغرابة ألا يحق لي أن أكون بطلة رواية؟”
بطلة دراما أو ويب رواية على الأقل.
لكنها كانت تضحك بسخرية كلما فكّرت بذلك.
فلا توجد بطلة برتبة FFF.
وليس من النوع الذي يخفي قوته، بل من النوع الحقيقي: FFF بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
~*~
بينما كانت كوت-نيم تواصل خدش اللوح، جلست جاي-هي لتكتب إعلانًا جديدًا على موقع التوظيف.
[مطلوب موظف لمحل الزهور. لا يشترط الخبرة. أجواء عائلية. دخل ممتاز.]
توقفت قليلًا، ثم نظرت إلى كوت-نيم، وأضافت سطرًا جديدًا:
[لا يُقبل من يعاني من حساسية تجاه القطط.]
وفجأة، شعرت بشيء يلتف حول كاحلها.
وبحركة معتادة، فتحت درج المكتب وأخرجت بخاخ الطرد.
تششش—! تششششش—!
ما إن رشت البخاخ، حتى ارتخت القبضة التي كانت تمسك بساقها.
أحد مخلوقات ماتا-هوتسو كان يمازحها.
جاي-هي اعتادت على هذه التصرفات، لكن أي شخص آخر كان سيُصاب بالذعر وربما يُغمى عليه.
فأضافت سطرًا جديدًا:
[يرجى التقديم فقط لمن يملك أعصابًا قوية.]
وهكذا، اكتمل إعلان التوظيف الجديد.
“من يملك هذه الصفات لن يتقدّم أصلًا.”
لكنها نشرته كما هو.
“لا بأس، سيظهر شخص مناسب في النهاية.”
حتى لو احتاج الأمر إلى بعض التعديلات لاحقًا، المهم أن تبدأ.
رنّ هاتفها فورًا بعد نشر الإعلان.
ما إن سمعت صوت الرنين، حتى أدركت أن عملها بدأ بالفعل.
‘هذه مكالمة لا يجب أن أجيب عليها. ‘
لكن يد جاي-هي تحركت وكأنها تملك روحًا مستقلة، لتلتقط الهاتف وتردّ.
“مرحبًا؟”
[جاي-هي، عليكِ أن تخرجي الآن.]
قال جونغ تشان-سي بصوت جاد.
“لماذا؟ هل حدث شيء؟”
بالطبع، لا يتصل أحد في عطلة نهاية الأسبوع إلا لوجود أمر مهم.
لكن جاي-هي سألت على أمل أن يكون الأمر بسيطًا.
[يبدو أن الزّنزانة ستفتح قريبًا. سأرسل لكِ العنوان برسالة، تعالي بسرعة.]
” سأكون هناك حالًا.”
أن تُستدعى للعمل في عطلة نهاية الأسبوع، كان ذلك كابوسًا بالنسبة لها.
أغلقت الهاتف بوجه متجهم.
“حتى الزنزانات لا تعرف الأخلاق، كيف تفتح في عطلة؟”
تمتمت وهي تغلق باب المتجر خلفها.
~*~
في الساحة حيث ستفتح الزنزانة، تجمّع عشرات الأشخاص.
بينهم، رأت جاي-هي وجهًا مألوفًا، فتقدمت نحوه.
“القائد جونغ تشان-سي!”
“جاي-هي، وصلتِ؟”
كان يبدو منهكًا، وكأن معاناته مع الزنزانات قد استنزفت روحه.
“متى ستفتح الزنزانة؟ ومن حضر حتى الآن؟”
“يبدو أنها ستفتح خلال ساعات قليلة، أما الحضور”
توقف عن الكلام، وارتسمت على وجهه ابتسامة متصلبة، وعيناه تهرّبتا من النظر إليها.
“سيدي ما الأمر؟”
لم يطل الأمر حتى أدركت جاي-هي السبب.
بين الحاضرين، كان هناك وجه تعرفه جيدًا وجه لا يجب أن يكون هنا أبدًا.
رجل ذو شعر بني مجعّد، ملامحه ودودة، عيناه الطويلتان تتحولان إلى نصف قمر جميل كلما ابتسم.
تحت عينه اليسرى، نقطة صغيرة زادت من جاذبيته.
وجهه كان من النوع الذي يبعث الطمأنينة، حتى الأطفال يتوقفون عن البكاء بمجرد أن يروه.
لكن جاي-هي كانت تعرف الحقيقة خلف هذا الوجه الجميل، تعرف أن داخله ملتوي ومظلم.
“جاي-هي، لا تلمسي ذلك.”
قال جونغ تشان-سي بسرعة، وهو يلاحظ كيف تجمّد وجهها غضبًا.
“أفهم أنكِ غاضبة، لكن رجاءً، أبعدي يدك عن السلاح.”
أوه…!
كانت جاي-هي تعبث بمسدسها المعلّق على خصرها دون أن تشعر.
ذلك الرجل هان يون-جي، كان موظفًا سابقًا في هيئة إدارة المستيقظين.
كلمة سابقًا لا تعني أنه استقال بهدوء، بل لأنه خان الهيئة بشكل صارخ، وتركها بعد أن طعنها في الظهر.
~*~
عندما التحقت جاي-هي بالهيئة لأول مرة،
“هل سمعتِ؟ بين الموظفين الجدد هناك واحدة من رتبة FFF.”
“يوجد شيء كهذا؟ كيف دخلت أصلًا؟ هل لها واسطة؟”
“أكيد، لا يمكن أن تدخل الهيئة بهذه الرتبة إلا إن كان لها ظهر قوي.”
في أيامها الأولى، كانت تسمع هذه الأحاديث من داخل كابينة الحمام، فتعضّ على أسنانها بقهر.
“يتكلمون بهذه الوقاحة في مكان عام؟”
رغبت في الخروج فورًا وضربهم، لكنها تمالكت نفسها.
بدلًا من ذلك، أخرجت هاتفها ودوّنت اسميهما في قائمة “المعالجة لاحقًا”.
كانت تلك القائمة مخصصة لمن ستتصرّف معهم عندما تحصل على سلطة كافية داخل الهيئة.
وفي أعلى القائمة، كان اسم رئيس المجلس مكتوبًا بخط عريض.
رغم أنها اجتازت الاختبارات الرسمية ودخلت الهيئة بجدارة، إلا أن معظم الموظفين رفضوا تقبّلها.
رتبة FFF كانت وصمة في نظرهم.
لم يصدق أحد أنها وصلت إلى هنا بجهدها، بل انتشرت شائعات بأنها دخلت بفضل والدها، صاحب متجر الزهور الشهير.
حتى زملاؤها في الدفعة نفسها كانوا يعاملونها وكأنها مدعومة من فوق.
ولم يساعدوها كونها سريعة الغضب.
كانت تقول:
“هل تعرف ما يوجد فوق رقبة الإنسان؟”
“الرأس؟”
“بالضبط، الرأس مهم جدًا، لأنه يمنح الإنسان الذكاء، ومن لا يملك ذكاءً، لا يختلف عن الحيوان.”
“هل جننتِ؟ ما هذا الكلام؟”
“بعض الناس لديهم رأس، لكن لا يملكون ذكاءً. فماذا نفعل معهم؟”
“…..”
“الجواب: نمنحهم رأسًا ثانيًا، شدّ على أسنانك، سأصنع لك رأسًا إضافيًا الآن.”
“ماذا؟! أنتِ مجنونة؟! آااه!”
بعد أن ضربت أحد زملائها في مهمة ميدانية، بدأ الجميع يتجنّبها.
كادت تُطرد من الهيئة، لكن التحقيق كشف أن الطرف الآخر تعمّد تخريب المهمة لإيقاعها، فتم الاكتفاء بعقوبة بسيطة.
تحمّلت جاي-هي المهام الصعبة، وساعات العمل الطويلة، وكل شيء.
لكن أكثر ما كان يصعب عليها تحمّله هو زملاؤها في الدفعة نفسها.
ومع ذلك، إن كان هناك شخص واحد يعاملها بلطف، فلا يمكن إلا أن تلين.
ذلك الشخص الوحيد كان هان يون-جي.
~*~
يتبع..
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"