وقفت شين يوي أمام البوابة الحديدية الضخمة، تحدق في سماء المنزل الذي يمتد لأربعة طوابق، محاطًا بحديقة غنّاء تبدو أكبر من قريتها الصغيرة بأكملها. كان العنوان الذي تم ارساله في بريدها الخاص بمنصة الطلاب يقودها إلى هنا، إلى أرقى أحياء بكين، حيث الأمن الخاص والهدوء المخيف والهواء الذي يفوح بالثراء الفاحش قبل أن يفوح بأي شيء آخر.
يدها ارتجفت وهي تضغط على جرس البوابة.
“أهلاً… أنا شين يوي، جئت بخصوص وظيفة التدريس…” قالت بصوت خافت للكاميرا الصغيرة التي تحدق فيها.
دوى صوت طنين إلكتروني، وانفتحت البوابة ببطء.
—
مشيت في الممر المرصوف بالحجارة الطبيعية، بين أشجار الصنوبر القزمة التي تم تشذيبها بدقة متناهية، ونافورة صغيرة تهمس بالماء في شكل أنيق و متناظر . كان كل شيء هنا مخيفا.
فتحت الباب الرئيسي امرأة في اواخر الثلاثينيات من عمرها، ترتدي ملابس منزلية أنيقة، وشعرها مسرح بدقة. نظرت إلى شين يوي من الأعلى إلى الأسفل بنظرة سريعة خبيرة، ثم ابتسمت ابتسامة رسمية خالية من الدفء الحقيقي.
“آه، أنتِ الطالبة القادمة من… أين؟”
“من مقاطعة جيونشان، سيدتي.” أجابت شين يوي بصوت خافت، وهي تحني رأسها قليلًا.
“أدخلي.”
تبعتها شين يوي إلى داخل البيت. كادت تتوقف لتحدق في كل شيء. الثريات الكريستالية المتدلية من سقف مرتفع يبلغ ارتفاعه ضعف أي سقف رأته في حياتها. اللوحات الزيتية الضخمة على الجدران. الأثاث العتيق المنحوت بدقة. الأرضيات الرخامية اللامعة التي تعكس صورتهما كمرآة. كان البيت متحفًا، لا منزلًا.
جلست على حافة أريكة فخمة من الجلد الأبيض، تشعر بأن جسدها لا يستحق الجلوس على شيء بهذه القيمة. جلست الأم أمامها، على كرسي منفصل، وعقدت ساقيها بحركة أنثوية مدروسة.
“اسمي السيدة تشانغ.” بدأت بصوت هادئ ولكن صارم. “ابني اسمه ليام. عمره اثنا عشر عامًا. نشأ في أمريكا، وهذه أول سنة له في بكين.”
أومأت شين يوي برأسها، تحاول تذكر كل كلمة.
“مستواه في الصينية…” توقفت السيدة تشانغ لحظة، وكأن الكلمات التالية تتطلب منها مجهودًا. “مستواه ضعيف جدًا. النطق سيئ، والكتابة شبه معدومة. يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وهنا تكمن المشكلة.”
“المشكلة؟” همست شين يوي قبل أن تتمكن من منع نفسها.
نظرت إليها السيدة تشانغ بنظرة حادة. “بالطبع. هو في الصين الآن. يجب أن يتقن لغته الأم. في المدرسة الدولية يتحدث الإنجليزية طوال اليوم. في البيت، زوجي وأنا نتحدث معه بالإنجليزية أحيانًا لأنه أسهل. هذا غير مقبول.”
صمتت للحظة، ثم انحنت قليلًا نحو الأمام، وعيناها تثبتان شين يوي في مكانها.
“أحتاج منكِ شيئًا واحدًا فقط: اجعليه يحب اللغة. لا أهتم بالمناهج التقليدية، ولا بالتمارين المملة. هو يكره المدرسة و يكره الدروس الخصوصية. جربنا مدرسين قبلك، كلهم فشلوا بعضهم استقالوا أو آخرون طردناهم.”
رفعت حاجبها. “وظيفتكِ هي أن تجعليه يتعلم دون أن يشعر بأنه يتعلم. افعلي أي شيء. العبي معه. تحدثي معه. اقرئي له. المهم أن يتحسن نطقه خلال ستة أشهر. عندها سنرى إن كنا سنستمر معكِ.”
توقفت، ثم أضافت ببرود: “الراتب 300 يوان للساعة، ثلاث مرات أسبوعيًا، ساعتين كل مرة. سأدفع لكِ نقدًا في نهاية كل أسبوع. مفهوم؟”
اتسعت عينا شين يوي. 300 يوان في الساعة! هذا مبلغ خرافي مقارنة بأي وظيفة طلابية أخرى. بهذا المال، ستشتري حاسوبها خلال شهر، وربما ترسل باقي المال لوالديها .
“م… مفهوم، سيدتي.” تمتمت، وهي تحاول إخفاء دهشتها.
نظرت إليها السيدة تشانغ للحظة طويلة، وكأنها تختبر صلابتها. ثم نهضت فجأة.
“تعالي. سأصعدكِ إلى غرفته. هو الآن يلعب بألعابه الإلكترونية كالمعتاد. أول لقاء لكِ معه سيكون اختبارًا حقيقيًا.”
مشت شين يوي خلفها، ترتجف تحت فستانها البسيط الرخيص، وصعدتا الدرج الرخامي الفخم إلى الطابق الثاني.
كانت تسمع دقات قلبها في أذنيها. طفل مدلل، غني، نشأ في أمريكا، ويكره الدروس الخصوصية. أربعة مدرسين فشلوا قبله.
يا إلهي… ماذا فعلت بنفسها؟
لكنها تذكرت الحاسوب الذي تحتاجه. تذكرت والدها التي يعمل في المتجر الصغير و تذكرت حلمها.
وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح السيدة تشانغ الباب.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"