الصباح التالي كان ثقيلاً على شين يوي. كانت عيناها متورمتان من البكاء الخفي في الليل، وقلبها ما زال مثقلاً بفكرة الهروب. ارتدت ملابسها بطريقة آلية، الوشاح الأبيض مربوط بإحكام حول عنقها الهش، كدرع وهمي.
لم تكن متحمسة للذهاب إلى المحاضرة، لكنها شعرت أن عليها أن تفعل ذلك، ولو ليوم واحد آخر، قبل أن تتخذ قرارها النهائي بالرحيل.
جلست في المحاضرة في أقصى الزاوية الخلفية من القاعة، منكمشة على نفسها، تحاول أن تكون غير مرئية. كانت محاضرة في الأدب الكلاسيكي، موضوع تحبه، لكن حتى كلمات الأستاذ العذبّة بدت وكأنها تأتي من عالم بعيد جدًا لا تستطيع الوصول إليه.
عندما انتهت المحاضرة، تدفق الطلاب خارجًا بضجيج وثقة، بينما بقيت هي جالسة لبرهة، تؤرشف ملاحظاتها ببطء، مؤجلة اللحظة التي سيتعين عليها فيها مواجهة الزحام في الممرات مرة أخرى.
أخيرًا، نهضت وخرجت. كانت تخطو بخطواتها الصغيرة السريعة، عيناها مثبتتان على الأرض، عندما سمعت صوتًا ناعمًا وجميلاً يناديها.
“مهلاً! أظن أنك أسقطت هذا.”
شين يوي التفتت بخوف، ممسكة بحقيبتها بقوة.
كانت تقف أمامها فتاة. لم ترَ في حياتها من قبل فتاة بهذا الجمال الوهاج والثقة الآسرة. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا لكنه أنيق، شعرها الأسود الطويل يلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من النافذة، وعيناها الكبيرتان تنظران إليها بفضول وودية.
في يدها، كانت تمسك دفتر ملاحظات صغير. دفتر شين يوي.
“إنه… إنه دفترتي,” همست شين يوي، خجلة، ممتنة، ومذعورة في نفس الوقت من هذا الاحتكاك غير المتوقع.
“أن اعرف ذلك ،” قالت الفتاة الجميلة وهي تبتسم ابتسامة مشرقة تملأ المساحة حولها دفئًا. “رأيته يسقط من حقيبتك عندما نهضت. أنا مي لينغ، طالبة سنة أولى في الأدب الصيني أيضًا.”
مدت مي لينغ الدفتر لها، وابتسامتها لم تتزعزع. فضول حقيقي وروح مرحة إلتمعا معا في نظراتها نحو شين يوي.
“ش-شكرًا لك,” تمتمت شين يوي، وأخذت دفترها، أصابعها تلامس أصابع مي لينغ لفترة قصيرة، وشعرت بدفء غير متوقع.
“لا تقلقي، الأيام الأولى هنا كانت مربكة بالنسبة لي أيضًا,” قالت مي لينغ ببساطة، وكأنها تقرأ أفكارها. “كل هذا العالم الضخم والجديد… يشعرك بالضياع، أليس كذلك؟”
لم تنتظر إجابة، واستمرت: “هل تريدين أن نذهب لتناول كوب من عصير الفواكه في المقهى القريب من المكتبة أعتقد أننا يمكن أن نصبح أصدقاء.”
كان العرض مباشرًا، صادقًا، وخاليًا من أي تعقيد. بالنسبة لشين يوي، التي كانت تشعر بأنها تغرق في بحر من الغرباء، كان صوت مي لينغ وكأنه طوق نجاة أُلقي لها في اللحظة المناسبة.
لم تستطع حتى التفكير. كل ما في داخلها كان يتشبث بهذا العرض كغريق.
فقط أومأت برأسها الموافقة، محاولة أن تبتسم ابتسامة صغيرة خجولة.
“رائع! هيا بنا,” قالت مي لينغ وأخذت تمشي بجانبها، تثرثر بمرح عن صعوبة ايجاد قاعات الفصل في اليوم الأول، وعن أستاذ غريب الأطوار في تاريخ الأدب.
شين يوي لم تقل الكثير. كانت تستمع، تشرب كل كلمة من كلمات مي لينغ كما يشرب العطشان الماء. كانت تشعر وكأن ضغطًا هائلاً قد أُزيح عن صدرها. وجود مي لينغ بجانبها جعل الممرات الواسعة تبدو أقل رهبة، والأصوات العالية أقل إرهابًا.
لم تكن بعد قد قررت البقاء في الجامعة، ولكن لأول مرة منذ أن وطأت قدمها بكين، لم تعد تشعر أنها وحيدة تمامًا في معركتها. كان لديها حليف. وكانت ستتشبث بهذا الحليف كطوق نجاة في جحيم الغربة والخوف.
وفي أعماقها، بدأ خيط رفيع من الأمل بالتشكل، خيط رفيع وهش، لكنه كان هناك.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"