الفصل 55
أمضى براندون وانغ يوم الأحد بأكمله في حالة من التململ غير المعتاد. لقد حاول أن يغرق نفسه في العمل، فتح العديد من الملفات وحاول كتابة ورقة بحثية، حتى أنه نظم مكتبه مرتين. لكن كل شيء بدا بلا طعم أو لون.
كانت الساعات تمر ببطء قاتل، كل دقيقة منها تذكره بأن اليوم لا يزال عطلة، وأن الحرم الجامعي خالٍ، وأن ليو شين يوي بعيدة في مكان لا يعرفه.
وفي هذه العزلة القسرية، بدأ عناده يضعف. لم يعد يحاول إقناع نفسه بأنها “ظاهرة” أو “خلل”. بدلاً من ذلك، وجد نفسه يتساءل: أين تكون الآن؟ ماذا تفعل؟ هل هي مع صديقتها؟ هل ما زالت تخاف؟
كانت الأسئلة بسيطة، شخصية، و غير عملية على الإطلاق. وهذا بالضبط ما جعله يدرك أن معركته الداخلية بدأت تقترب من نهايتها.
نهض من مقعده و مشى إلى المطبخ. فتح الثلاجة. أخذ قنينة ماء. شرب رشفة.
ثم أخرج هاتفه. اتصل بـ لي وي.
—
رد لي وي بعد الرنة الثالثة. كان صوته ناعسًا. من الواضح أنه كان يقضي عطلته الأسبوعية.
“سيد وانغ… مساء الخير.”
براندون تجاهل نبرة التعب في صوت مساعده.
“لي وي. أعد جدولة المحاضرات. سأستأنفها غدًا. أبلغ الجامعة.”
صمت.
صمت قصير من الطرف الآخر.
ثم قال لي وي بصوت حذر: “سيد وانغ… غدًا الاثنين. لكنه ليس يوم محاضرات عادي.”
توقف براندون للحظة.
“وماذا في ذلك؟”
“غدًا…” تردد لي وي. ثم قالها دفعة واحدة .
“غدًا تبدأ عطلة منتصف الخريف. ثلاثة أيام. لا جامعة حتى الأربعاء. كل شيء مغلق.”
توقف الزمن.
براندون بقي صامتًا.
ثلاثة أيام. ليس أسبوعًا. ليس شهرًا. ثلاثة أيام فقط.
لكنها كانت كافية لتحطم حماسه و تحول غده المنتظر إلى فراغ.
“سيد وانغ؟”
سأل لي وي بحذر
“هل تريدني أن أتواصل مع السيد العميد الان ؟ لتأكيد جدولة الحصص الجديدة بعد العطلة ؟”
براندون لم يرد. كان يفكر.
ثلاثة أيام. لن يراها. و لن يعرف أين قد يجدها .
ثلاثة أيام ليست طويلة. لكنها كانت طويلة بما يكفي ليجن.
“سيد وانغ؟”
فتح براندون عينيه. قال بصوت هادئ. بارد.
” لا. لا داعي. سأتصل بك لاحقا.”
أغلق الخط.
لم يهدر المزيد من الوقت
خلع قميصه المنزلي. ارتدى سترته الداكنة . بحركات سريعة و حازمة. ثم نزل في المصعد. عبر البهو الفخم. خرج إلى موقف السيارات.
جلس داخل سيارته السوداء الفاخرة، لكن لم يشعل المحرك على الفور. ظل جالسًا هناك، يداه على المقود .
رفع هاتفه، تحرك بأصابعه بتردد غير معهود، واختار اسم مارك من قائمة الاتصال.
“مارك” قال بمجرد الرد، صوته أكثر جدية من المعتاد.
“أحتاج أن ألتقيك.”
“براندون ؟ كل شيء على ما يرام ، لقد كنت في منزلك هذا الصباح فقط ..هل استجد شيء ا”
ثم أضاف مارك و صوته يحمل نبرة القلق .
“أنت لا تقول أحتاج’ أن ألتقيك أبدًا. أنت عادة ‘تخبرني’ أن ألتقيك.”
“هل أنت حرّ الليلة؟” تحدث براندون اخيرا متجاهلا كلام مارك .
“في الحانة المعتادة. الساعة الثامنة.”
صمت قصير من الطرف الآخر.
“حسنًا… نعم، بالطبع. هل حدث شيء؟ أزمة استثمارية؟ مشكلة في البحث؟”
“لا,” أجاب براندون ، ثم أضاف بعد تردد واضح،
“إنه… متعلق بـ الظاهرة.”
على الطرف الآخر، سمع براندون صوت شهقة، ثم ضحكة مكتومة.
“أوه! الظاهرة! حسناً، سيدي، سأكون هناك. هل سأحتاح أن أحضر معي أدواتك التحليلية؟ مجهر؟ استبيانات؟”
“اجلب نفسك فقط “
قال براندون محاولاً إخفاء تأثره. لكنه أضاف .
“وكمًّا من النصائح غير العلمية.” وأغلق الهاتف قبل أن يسمع رد فعل مارك.
وضع الهاتف، وأشعل محرك السيارة.
————————-
كانت هذه هي أول مرة في حياته يطلب فيها المساعدة في شيء شخصي. أول مرة يعترف فيها بأن هناك مجالاً لا يعرفه، وعليه أن يتعلمه كما يتعلم طالبٌ مبتدئ.
عندما وصل إلى الحانة الهادئة في المساء، كان مارك جالسًا على طاولة في الزاوية، أمامه كأسان. نظر إلى براندون وهو يقترب، وابتسامة عريضة تعلو وجهه.
“لقد بدأت جيدًا”
قال مارك وهو يدفع أحد الكأسين نحو براندون “الخطوة الأولى في إدمان الكحول… أقصد، في فهم النساء.”
جلس براندون، وأمسك بالكأس، لكنه لم يشرب. نظر إلى مارك بجدية.
“أنا لا أمزح.”
“وأنا لا أمزح أيضًا!”
ضحك مارك.
“لكن جدّيًا، أخبرني. ما الذي جعلك تستسلم أخيرًا وتطلب مشورة الخبير العاطفي؟”
أخذ براندون نفسًا عميقًا.
” أنا لم أعد أحاول المقاومة…ان استمرت هكذا سأبقى حبيس حلقة مفرغة من الانتظار”
صمت مارك، نبرته تجاه صديقه أصبحت أكثر لطفًا.
“وهل هذا سيء؟”
“لا أعرف” أ
أجاب براندون بصراحة غير معتادة.
“لهذا أنا هنا. لأعرف. لأفهم… الحب. كيف يعمل؟ ما قوانينه؟ كيف أتعامل معه؟”
كانت الكلمات تخرج منه ببطء، كما لو كان يعترف بجريمة.
ضحك مارك برقة.
“قوانين الحب؟ يا صديقي، هذا هو الشيء الجميل فيه: ليس له قوانين. لكن هناك مبادئ: الصدق، الشجاعة، والاستعداد لأن تكون ضعيفا ”
رفع كأسه. “إلى أول خطوة لك في عالم المجهول. قد
يكون مخيفًا، لكنني أعدك، إنه يستحق كل هذا العناء.”
رفع براندون كأسه أخيرًا، ولمسة صغيرة من الابتسامه ظهرت على شفتيه لأول مرة في ذلك المساء.
التعليقات لهذا الفصل " 55"