عادت شين يوي إلى غرفتها بعد المواجهة مع السيدة فانج. أغلقت الباب خلفها. استندت إليه ثم أغمضت عينيها.
كان قلبها لا يزال يدق بعنف و يداها لا تزالان ترتجفان.
لكنها فعلتها . وقفت في وجه الظلم.
“هذا هو الصواب.”
قالت لنفسها.” هذا ما كان يجب فعله …. لا تندمي.!”
لكن القلق كان أقوى منها.
جلست على حافة السرير. نظرت حولها. الغرفة الصغيرة التي كانت قبل أيام مصدر فخرها بعد ترتيبها وتنظيفها… الآن بدت ضيقة ومظلمة وكأن الجدران تقترب منها.
ماذا ستفعل بها السيدة فانج؟
تذكرت عيناها المحتقنتان و هي تصرخ في وجهها في فورة الغضب العارم .
لم يبد أبدا أنها قد قررت ترك الأمر يمر دون محاسبة ..
“هل ستطردني؟ هل ستجعل حياتي جحيمًا؟
أغمضت عينيها بقوة. حاولت ألا تفكر. لكن الأفكار كانت تتزاحم.
—
نهضت. مشت إلى النافذة الصغيرة.دخل هواء الخريف البارد ليلامس وجهها . لكن حتى هذا الانتعاش الطفيف لم ينجح في درء الخوف و القلق الآخذ في التضخم .
نظرت إلى الشارع أسفلها. أصوات السيارات. حياة المدينة التي لا تنام.
كانت تعرف أن ما فعلته هو عين الصواب. و القانون معها و حتى تأييد الطلبة الآخرين .
لكن القانون لا يحمي أحيانا. والحقيقة لا تنتصر دائما. والطلاب الآخرون… سيعودون إلى غرفهم و ينشغلون بحياتهم. وستبقى هي وحدها تواجه غضب المالكة.
صعدت إلى حاسوبها و فتحت تطبيق البنك.
نظرت إلى الرقم.
كان مريحًا.
الجائزة و المكافأة. ما تبقى من رواتبها مع ليام. كلها جمعت لتشكل رصيدًا يحميها و يمنحها حرية الاختيار.
لأول مرة في حياتها، لم تكن خائفة من الجوع و لا من عدم قدرتها على دفع الإيجار الشهر المقبل.
لكنها كانت تعرف أن بكين مدينة مهولة. وأنها ستبقى هنا أربع سنوات كاملة . أربع سنوات من الدراسة. من الكتب. من المواصلات. من الطعام. من الإيجار. من الطوارئ. لهذا كان عليها ان تعيش باقتصاد و ترشيد نفقاتها . ذهبت لدرجة حرمت نفسها من شراء ملابس جديدة و حتى من الخروجات و النزهات و المطاعم .
مع ان الرصيد المريح… كان مصدر أمانها الوحيد و درعها في هذه المدينة الجبارة.
انصرف تفكيرها فورا لتخيل الاسوأ الذي قد يأتي به المستقبل . في أسوأ الحالات قد تضطر لبيع حاسوبها و استبداله بحاسوب بمواصفات أقل بكثير. بالنظر إلى ثمنه فبيعه قد يكسبها ثروة إضافية . لكن مجرد التفكير في بيعه مستقبلا خلف المرارة في حلقها
لقد ارتبطت به عاطفيا منذ اللحظة التي لمست هيكله المعدني لحظة كان داخل صندوق الهدية.
هزت رأسها بقوة .
“لا يمكنني فسخ العقد الآن. “قالت لنفسها. لا يمكنني المغامرة برصيدي في البحث عن سكن جديد. الأسعار مرتفعة. والضمانات مكلفة. ووقتي ثمين للدراسة والكتابة. و أيضا لن أتخلى عن حاسوبي الذي صارت قيمته المعنوية أهم و اجل في قلبي “
جلست على الكرسي. و وضعت رأسها على المكتب.
كان عليها التحمل. هذا ما قررته.
لكي تحمي ثرائها الصغير. هذا الثراء الذي بنته بصعوبة و هذا الأمان الذي لم تملكه في حياتها قط.
كل هذا كان ممكنًا لأنها ادخرت و خططت و لم تهدر أموالها في أمور تافهة.
لا يمكنني التخلي عن هذا الأمان او حتى المخاطرة به.
—
نهضت و مشت إلى السرير. استلقت و هي تنظر إلى السقف.
تذكرت الطالب النحيف الذي دافعت عنه .
هل كان الأمر يستحق؟
نعم. كان يستحق.
ستدافع عنه مرة أخرى لو تكرر الموقف.
لكنها كانت تعرف أن الثمن قد يكون باهظًا.
و أيضا هي كانت تخاف.
وكان هذا الخوف شيئا بديهيا بحكم الطبيعة البشرية .
—————————————————
كانت الساعة الثامنة مساءً حين رن هاتف شين يوي. نظرت إلى الشاشة. مي لينغ.
رفعت الهاتف بصوت متعب. “مرحبًا…”
لكنها لم تستطع إكمال الجملة. صوت مي لينغ من الطرف الآخر كان عاليًا، مفعمًا بالحماس و كأنها تطفو على سحابة.
“شين يوي! لن تصدقي ما حدث!”
ابتعدت شين يوي بالسماعة قليلًا. “ماذا؟ ماذا حدث؟”
“لي باو! دعاني إلى حفلة في منزله تخيلي! منزله يقع في منطقة فاخرة لا يسكنها إلا الأثرياء!”
جلست شين يوي على السرير. كانت لا تزال مرهقة بعد مواجهة السيدة فانج، لكن صوت صديقتها كان معديًا فابتسمت رغمًا عنها.
“هذا رائع يا مي لينغ “
“سأرسل لكِ صور كل شيء . الفيلا! الحديقة! الديكور! “
“استمتعي. وكوني حذرة.”
“حذرة من ماذا؟”
ضحكت مي لينغ. “لا تقلقي. سأكون مع أميري الوسيم! احبك يا مجنونة الحلوى ”
أغلقت الخط. بقيت شين يوي تنظر إلى الهاتف. ابتسمت.
بالعادة كانت ستخبر مي لينغ بما حدث اليوم لكنها تراجعت .
“لا تفسدي فرحتها. هي سعيدة. هذا ما يهم”.
—
وصلت مي لينغ إلى الفيلا بعد ساعة.
كانت أكبر مما توقعت. حديقة واسعة و ضاءة ذهبية. مع نافورة في الوسط. كانت السيارات الفاخرة مصطفة أمام المدخل . و في الحديقة الخلفية كان الرجال ببدلات أنيقة و النساء بفساتين لامعة.
لي باو استقبلها عند الباب. كان يرتدي بدلة رمادية، وساعة ثمينة في معصمه عندما لمحها ابتسام ابتسامة عريضة.
“مي لينغ! جئتِ! أنتِ جميلة الليلة!”
احمر وجهها. كانت ترتدي أفضل ما عندها. الفستان الوردي الذي اشترته خصيصًا لهذه المناسبة.
دخلت القاعة. كانت فسيحة. ثريات كريستالية. موسيقى هادئة. نادلون يحملون صواني المشروبات.
كانت تحلم بهذه اللحظة. أن تكون في هذا العالم معه.
—
بعد ساعة، كانت مي لينغ تتجول في الحديقة الخلفية. كانت سعيدة. تشرب كأسًا من العصير. تتأمل الأضواء و تلتقط صورًا لهاتفها.
وفجأة…
ارتطام.
كأس كامل من العصير انسكب على رأسها. السائل البارد يتدفق على شعرها. على وجهها غامرا فستانها الوردي و حذائها. من رأسها حتى أخمص قدميها.
توقفت مي لينغ مصدومة . كانت تسمع قطرات العصير تتساقط من شعرها على الأرض.
وقفت أمامها فتاة. ترتدي فستانًا أحمر فاتحًا. مع مكياج ثقيل. كان وجهها مذهولًا.
“آآآه! آسفة! آسفة جدًا!” صرخت الفتاة. “لم أنتبه! كنت أتحدث مع صديقتي و…”
مدت يدها كأنها تريد مسح العصير عن مي لينغ، ثم توقفت. كانت مرتبكة و متوترة.
مي لينغ كانت مصدومة. لم تستطع الكلام. كانت ترتجف. من البرد و الصدمة. من الإحراج أمام ضيوف الطبقة الغنية.
التعليقات لهذا الفصل " 54"