الضوء الذهبي للغروب كان يلف غرفتها الصغيرة المؤجرة، لكنه لم ينجح في تدفئتها. كانت ليو شين يوي جالسة على حافة السرير الضيق، تحمل وسادتها الصغيرة كما لو كانت تبحث عن ملجأ فيها.
لم تخلع حتى حذاءها أو الوشاح الأبيض. كان كل ما فيها يشعر بالإرهاق. إرهاق العظام، إرهاق الروح.
ذلك اليوم لم يكن مجرد يوم دراسي عادي؛ كان غمرًا كاملاً، اختبار قسوة لعالم لم تستعد له. كل تلك الوجوه الغريبة، تلك الأصوات العالية، تلك الممرات الواسعة التي شعرت فيها بالضياع كورقة في إعصار. كلها تفاصيل صغيرة اجتمعت لتصنع منها كائناً منكمشاً خائفاً.
رفعت عينيها لتلمح الغرفة المهترئة التي تنخرها الصراصير. كانت صغيرة، بسيطة، وأثاثها قديم. لكن في هذه اللحظة، بدت لها فاخرة جدًا، كبيرة جدًا، غريبة جدًا. الجدران لم تكن جدران بيتها. الهواء لم يكن هواء بلدتها. حتى صمت الغرفة كان صمتًا مختلفًا، صمت وحيد وقاس.
أربع سنوات.
الكلمتان تدوران في رأسها كسهمين سامين. كيف ستعيش هنا أربع سنوات؟ كيف ستواجه كل صباح ذلك الخوف من الضياع؟ كيف ستتحدث إلى زملاء لا يفهمون صمتها، ولا يقدّرون هدوءها؟
لم تكن مستعدة. الخطأ كان خطأها. ظنت أن حبها للأدب الصيني الكلاسيكي سيكون جسرًا كافيًا لعبور هذه الهوة بين عالمها الصغير وهذا العالم العملاق. لكن الجسر كان هشًا، وكانت هي على وشك السقوط.
ذكريات بيتها الصغير في البلدة بدأت تتسلل إليها كأنسجة دافئة. رائحة الشاي الأخضر الذي يعدّه والدها في الصباح. صوت والدتها وهي تناديها لتناول الطعام. نوافذ غرفتها المطلة على الحقول الخضراء، حيث كان الصمت صديقًا وليس عدوًا.
هناك، كانت تعرف من هي. كانت شين يوي الهادئة، ابنة البلدة الطيبة. أما هنا، في بكين، لم تكن سوى رقمًا ضائعًا، وجهًا خائفًا في زحام لا يهتم.
دموع خجولة بدأت تتشكل في زوايا عينيها، لكنها لم تسقط. كانت تشعر بالإحباط أكثر من الحزن. الإحباط من عدم قدرتها على أن تكون قوية مثل الشخصيات في الكتب التي تحبها.
“لا أستطيع,” همست للوسادة، صوتها مرتجفًا. “أريد العودة إلى البيت.”
كانت الفكرة واضحة وصادقة لأول مرة. التخلي عن كل شيء. عن الحلم، عن الجامعة، عن التحدي و العودة إلى أحضان والديها، إلى ذلك العالم الآمن حيث لا كلاب مفاجئة، ولا قاعات محاضرات مهيبة، ولا نظرات غريبة.
قامت وأخذت حقيبة صغيرة وبدأت، بيدين مرتعشتين، في وضع بعض أغراضها الأساسية فيها. كل قطعة ملابس كانت تضعها كانت تشعر وكأنها تخلع جزءًا من هذا الثقل الذي كبّلَها طوال اليوم.
نظرت إلى الهاتف الخلوي. كل ما عليها فعله هو الاتصال بوالدها. كان سيأتي فورًا ليأخذها. لن يلومها. كان دائمًا يفهم خجلها.
لكن إصبعها توقف فوق شاشة الهاتف. صورة خاطفة لكتاب الأدب الصيني الذي كان على الطاولة، الغلاف الذي يحمل اسم لو شون، أحد أعظم كتابها المفضلين، جذب نظرها .
تذكرت لماذا جاءت إلى هنا. تذكرت شغفها بالكلمات، بالقِدم، بالجمال الذي وجدته دائمًا بين صفحات الكتب. كانت تريد أن تفهم ذلك الجمال بشكل أعمق، أن تتعلم من أساتذة عظامه.
هل ستتخلى عن كل هذا بسبب يوم واحد سيء؟ بسبب خوفها؟
تراجعت خطوة إلى الوراء، وجلست مرة أخرى على السرير، حائرة بين نداء الراحة والأمان في بلدتها، ونداء الحلم والتحدي هنا في هذه المدينة المخيفة.
الغرفة كانت تغرق في الظلام. ولم تكن تعرف أي طريق ستختار.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"