كان المساء باردًا حين دخل براندون وانغ إلى مطعم الفندق الفخم في قلب بكين.
الثريات الكريستالية و الموسيقى الهادئة. الطاولات المغطاة بأقمشة بيضاء ناعمة. النُدُل يتحركون بصمت بين الزبائن. كل شيء كان كما يجب. كل شيء كان مثاليًا. عدا مزاجه المتعكر .
على الطاولة المستديرة في الزاوية، كان أصدقاؤه في انتظاره.
ثلاثة رجال. كلهم من عالم الأعمال والتقنية. بدلات أنيقة و وجوه مبتسمة.
مارك تشين – عالم في التكنولوجيا الحيوية، صديقه الأقرب منذ الجامعة.
ليو فاي – خبير في الذكاء الاصطناعي.
وانغ جي – مستثمر في الشركات الناشئة.
“براندون! أخيرًا!” قال مارك وهو ينهض لتحيته. “كنا نظن أنك ستتغيب الليلة أيضًا.”
ابتسم براندون ابتسامة رسمية. جلس على الكرسي الفارغ. أشار للنادل. طلب كأسًا من الويسكي.
بدأ الأصدقاء حديثهم. كالمعتاد. عن الصفقات و الأسواق.
ثم تحول الحديث إلى الحواسيب الكمية و تكنولوجيا المستقبل .
“تخيلوا!” قال ليو فاي بحماس وهو يلوح بيديه. “حاسوب كمي يستطيع حل اعقد المعادلات الرياضية في ثوانٍ كانت تحتاج إلى آلاف السنين، كما محاكاة التجارب البيولوجية بدقة متناهية !”
“التقنيات الحوسبية الخارقة ستغير كل شيء.” أضاف وانغ جي. “الطب. الطاقة. الذكاء الاصطناعي. كل شيء.”
“نحن بحاجة للاستثمار في هذا المجال قبل فوات الأوان.”
ثم التفت ليو فاي إلى مارك وقال مازحًا: “لكن أنت يا مارك، لا تفهم في الحواسيب. أنت تعيش في عالم البكتيريا والفيروسات!”
ضحك الجميع. حتى مارك ضحك.
“صحيح!” قال مارك وهو يمسك بطنه. “أنا أفهم في الكائنات التي لا ترى بالعين المجردة. لكن الحواسيب؟ هذه لـ براندون!”
نظر الجميع إلى براندون.
كان صامتًا. جالسًا في زاويته. كأس الويسكي في يده. عيناه على الكأس. ليس على المتحدثين.
لم يضحك و لم يشارك.
ليو فاي رفع حاجبه. وانغ جي نظر إلى مارك باستغراب.
كان الحديث عن الحواسيب الكمية. وكان براندون مهندس حواسيب. كان من المفترض أن يكون هو صاحب الكلمة. من المفترض ان هذا أهم مجال يستثمر فيه حاليا .
لكنه كان غائبًا.
غائبًا تمامًا.
—
نظر مارك إلى صديقه طويلاً. كان يعرف براندون منذ سنوات الجامعة. كان يعرف بروده. لكن هذا المساء كان مختلفًا. كان هناك شيء في عينيه..
ابتسم مارك ابتسامة ماكرة. قرر أن يكسر الجليد. و بخفف من حدة التوتر .
التفت إلى ليو فاي ووانغ جي بصوت عالٍ .
“سؤال مهم جدًا يا رفاق.”
نظر الجميع إليه.
مارك أشار بإصبعه نحو براندون وهو يتظاهر بالتفكير العميق:
“متى آخر مرة رأيتم فيها براندون سعيدًا؟ أعني سعيدًا حقًا؟”
توقف ليو فاي للحظة. ثم هز رأسه. “لا أتذكر.”
وانغ جي أمال رأسه. “آخر مرة؟ في حفل تخرجنا؟ منذ اثتني عشرة سنة ؟”
ضحك ليو فاي. “لا، حتى ذلك الحين كان متجهمًا!”
مارك ضرب على الطاولة وهو يضحك. “أووه! أنا أتذكر الآن ! و لا مرة! لم نره سعيدًا ولو لمرة واحدة في حياته!”
انفجر الثلاثة في الضحك.
براندون رفع رأسه ببطء. نظر إليهم. لم يضحك. فقط زفر زفيرًا طويلاً.
“مضحك جدًا.” قال بصوت هادئ. بارد.
لكن في داخله، كانت الكلمات ترن كالأجراس.
آخر مرة كنت سعيدًا؟
تذكر. تذكر صباح اليوم. رؤيتها تمشي. كيس الحلوى في يدها. ابتسامتها لصديقتها.
لم يكن سعيدًا. بل كان منزعجًا أيضا و مرتبكًا.
لكنها كانت اللحظة الوحيدة التي شعر فيها بأنه حي.
رفع الكأس إلى فمه. شرب رشفة طويلة.
ملامحه كانت منزعجة. أكثر من أي وقت مضى.
لاحظ مارك التغيير. توقف عن الضحك. نظر إلى صديقه بعينين فاحصتين.
“براندون… أنت بخير؟”
“نعم.”
كان الرد باردًا. سريعًا و قاطعًا.
نظر مارك إلى الآخرين. هزوا أكتافهم.
عاد الحديث إلى الحواسيب الكمية و إلى الصفقات و عالم المستقبل .
براندون بقي في زاويته. يشرب. يصمت. يفكر.
طفت على زوايا تفكيره صورة ابتسامتها العريضة .
أنه ليس جزءًا من عالمها و مجددا تلك الإبتسامة لم تكون موجهة له .
تفكير تافه. قال لنفسه مجددًا.
لكنه استمر في التفكير.
—
نهض فجأة. “علي الذهاب. لدي عمل مبكر غدًا.”
نظر الأصدقاء إليه بدهشة. مارك فتح فمه ليقول شيئًا، ثم أغلقه.
ودعهم براندون ببرود. خرج من المطعم. وقف في بهو الفندق الفاخر. نظر حوله.
بدا كشخص يحاول أن يقبض على شيء واحد يستحق الإهتمام .
لكن كل شيء كان باردًا.
كل شيء كان فارغًا.
—
داخل المطعم، بقي الأصدقاء ينظرون إلى الباب الذي اختفى خلفه.
مارك أمال رأسه. “غريب. لم أره هكذا من قبل.”
ليو فاي هز كتفيه. “ربما ضغط العمل.”
وانغ جي أضاف: “أو ربما امرأة.”
نظر مارك إليه. “براندون وامرأة؟ هذا مستحيل.”
ضحك الثلاثة.
لكن مارك كان يفكر. كان يعرف صديقه. كان يعرف أن شيئًا ما تغير. ماذا لو كان كلام وانج جي صحيحا . حتى ما استحالة مجرد التخمين . روادته الفكرة .
التعليقات لهذا الفصل " 47"