الرحلة انتهت. الحافلة أعادتهم جميعًا إلى الجامعة. افترق الطلاب في موقف السيارات، كل يعود إلى حياته.
والآن هي هنا. وحدها. في غرفتها التي تسع سريرًا ضيقًا ومكتبًا خشبيًا قديمًا ونافذة تطل على أبنية مشابهة.
لكن اليوم… اليوم كل شيء مختلف.
وضعت حقيبتها على الأرض. أخرجت منه بحرص شديد.
الحاسوب الجديد.
وضعته على السرير برفق. ثم أخرجت شهادة التقدير الملفوفة بالشريط الأحمر.
نظرت إليهما ثم إلى الغرفة من حولها.
و همست بصوت خفيض.
“هذا المكان… لا يليق بهما.”
—
بدأت التنظيف.
خلافا للتنظيف المعتاد العابر . كانت تنظف شبرًا شبرًا هذه المرة .
أزاحت السرير. نظفت تحته. مسحت الغبار المتراكم خلف الأثاث. نظفت النوافذ من الداخل والخارج حتى أصبح الزجاج شفافًا. رتبت الكتب على الرف الخشبي بشكل هندسي. طوت الملابس في الخزانة بدقة لم تعهدها في نفسها.
كانت الحركة دؤوبة في أرجاء الغرفة الصغيرة . تمسح. ترتب. تنظم. تعيد ترتيب الأثاث. جربت وضع المكتب في مكان آخر. ثم أعادته. ثم غيرت مكان السرير قليلًا. ثم عدلته.
كانت تنشد المثالية.
تريد أن يكون مكانها مثاليًا. جميلًا. لائقًا.
لائقًا بالحاسوب الجديد.
لائقًا بالشهادة.
لائقًا بها.
—
بعد ساعتين من العمل المتواصل، وقفت في منتصف الغرفة تنظر حولها.
كانت مختلفة.
الغرفة نفسها بتلك المساحة الصغيرة. نفس الجدران القديمة و النافذة المطلة على الأبنية الرمادية.
لكنها كانت مرتبة و نظيفة . وكأن روحًا جديدة دبت فيها.
اقتربت من المكتب الخشبي القديم. كانت قد مسحته جيدًا حتى لمع. وضعت الحاسوب في وسطه تمامًا. استقامت وهي نظرت إليه من بعيد. عدلت وضعه قليلًا. ثم مجددًا. حتى أصبح في المكان المثالي.
فتحت الحاسوب. رأت شاشة الترحيب تضيء. ابتسمت.
ثم نظرت إلى الجدار خلف المكتب.
كان فارغًا. أصفر. قديم.
أخرجت شهادة التقدير. فكت الشريط الأحمر بحرص. فتحتها.
نظرت إلى اسمها مكتوبًا بخط جميل. شين يوي – الأولى في مسابقة الرواية.
رفعت عينيها إلى الجدار. أين اعلقها؟
جربت مكانًا. ثم آخر. ثم ثالث. كانت ترفع الشهادة إلى الجدار، تبتعد خطوات، تنظر، ثم تعيدها.
تريد المكان المثالي. المكان الذي تراها فيها فور دخولها الغرفة.
في النهاية، استقرت على المكان فوق المكتب مباشرة. خلف الحاسوب. بحيث عندما تجلس لتكتب، تراها أمامها دائمًا.
علقتها.
تراجعت خطوات إلى الوراء. نظرت إلى المشهد كاملًا.
الحاسوب الجديد على المكتب اللامع. الشهادة على الجدار فوقه. الغرفة النظيفة المرتبة حولهما.
ثم فجأة تذكرت انه يوم الغسيل .
———
نزلت شين يوي إلى غرفة الغسيل في بدروم المبنى القديم.
كانت لا تزال مبتسمة. ذكرى غرفتها المرتبة وحاسوبها الجديد وشهادتها على الجدار كانت تدفئ صدرها. حتى خطواتها على الدرج الخشبي الآخذ في الاهتراء كانت أخف من المعتاد.
فتحت باب غرفة الغسيل الصغيرة. الرطوبة مع رائحة المنظفات الرخيصة ممزوجا بصوت الأنابيب المكشوفة في السقف التي تطلق أصواتًا غريبة. كل شيء كان كما هو.
لكنها لم تكن تكترث. كانت تغني همسًا وهي تضع ملابسها في الغسالة.
وفجأة، انفتح الباب خلفها.
التفتت شين يوي. كان قلبها لا يزال خفيفًا.
ثم تجمدت.
السيدة فانج. مالكة المبنى.
كانت تقف في الباب، ترتدي ثوبًا منزليًا من الحرير الرخيص، وتحمل بين ذراعيها كومة ضخمة من الملابس.
كومة كبيرة. متنوعة. بعضها ملاءات سرير. بعضها مناشف. بعضها ملابس داخلية. كلها متسخة و بحاجة إلى غسل.
نظرت شين يوي إلى الكومة. ثم إلى السيدة فانج ثم إلى الكومة مجددًا.
شعرت بشيء بارد يتسلل إلى صدرها.
ابتسمت السيدة فانج ابتسامة عريضة، مصطنعة و انتهازية.
“أوه! عزيزتي شين يوي! كم أنا سعيدة برؤيتك!”
تقدمت نحوها خطوة و هي تضعت الكومة الضخمة على الطاولة القذرة بجانب الغسالة.
“أنت هنا! رائعة! رائعة جدًا!” صفقت بيديها بحرارة مصطنعة. “اسمعي، أنا مشغولة جدًا اليوم. مشغولة حقا عزيزتي . ولا يوجد وقت لدي لغسل هذه الملابس. فكرت فيكِ على الفور! قلت لنفسي: شين يوي فتاة طيبة، مجتهدة، تحب المساعدة.”
توقفت للحظة. نظرت إلى شين يوي بعينيها اللامعتين.
“قومي من فضلك بغسل هذه الملابس من أجلي.”
لم يكن سؤالًا و لا طلبًا. كان أمرًا مبطنا في صيغة طلب . أمرا لا يقبل الرفض.
شين يوي شعرت بأن فمها يجف.
تذكرت جيدًا.
يوم الكستناء.
قبل اسبوعين . كانت في المطبخ المشترك تطبخ عشاءها البسيط. دخلت السيدة فانج فجأة وهي تحمل كيسًا ضخمًا من الكستناء.
“أوه! شين يوي! أنت هنا! ساعديني في تنقية هذه الكستناء من فضلك. إنها كثيرة جدًا و أنا مشغولة بتنظيف البيت .”
السيدة فانج كانت تتحدث طوال الوقت. عن حياتها الصعبة. عن مشاكلها. عن تعبها. وكأنها تفعل معروفًا لـ شين يوي بأن تسمح لها بالعمل معها.
لم تكن شين يوي تستطيع الرفض. جلست على الأرض . كانت تنقي الكستناء بسكين صغير. ساعة. ساعتين. ثلاثة. كانت أصابعها تؤلمها و يداها كانتا ترتعشان .
انتهت الكستناء بعد ثلاث ساعات.
صعدت شين يوي الدرج للطابق للثالث حيث تقع شقته السيدة فانج لتسليمها الكستناء . لكن أول ما فتخ الباب لفحها زخم الضحكات داخل الشقة حيث كانت نساء الحي مجتمعات للعب الورق .
السيدة فانج لم تحاول حتى تبرير موقفها . شكرتها ببرود و اخذت الكيس دون حتى تعطي لها حبة كستناء واحدة .
لا. ليس حتى واحدة.
شين يوي نظرت إلى يديها. كانتا متعبتين من ذلك اليوم. كانتا تؤلمانها.
والآن…
نظرت إلى كومة الملابس الضخمة. إلى ملابس السيدة فانج المتسخة. المناشف و الملاءات ستحتاج تنظيفا يدويا لأن ماكينة الغسيل شبه بدائية .
شعرت بشيء يغلي في صدرها. شيء لم تشعر به من قبل.
غضب.
لا. ليس غضبًا فقط.
ظلم.
نظرت إلى السيدة فانج و ابتسامتها المصطنعة و عينيها الجشعتين. إلى الطريقة التي تقف بها و كانها تطلب منها شيئًا طبيعيًا.
“السيدة فانج..” همست شين يوي بصوت خافت.
“نعم عزيزتي؟” ابتسامة السيدة فانج اتسعت. كانت متأكدة من النتيجة. هذه الفتاة الخجولة المسكينة ستنحني وتطيع.
لكن شين يوي لم تنحنِ.
رفعت رأسها. نظرت إليها بعينيها الواسعتين. لكن عينيها كانتا مختلفتين هذه المرة. كانت فيهما شرارة صغيرة. لكنها موجودة.
“أنا آسفة.” قالت بصوت أوضح مما توقعت. “لكنني مشغولة ولدي موعد بعد قليل.”
خيم صمت طويل.
السيدة فانح نظرت إليها كما لو أنها نبت لها رأس ثانٍ. اتسعت عيناها للحظة. ثم ضاقتا.
“ماذا؟”
“أنا آسفة.” كررت شين يوي. لكن صوتها كان أكثر ثباتًا. “لا أستطيع. ربما في وقت آخر.”
الابتسامة اختفت من وجه السيدة فانج حل محلها تعبير بارد. حاقد.
“همم.” همهمت بصوت منخفض. ثم أخذت كومة الملابس. دون أن تقول كلمة أخرى. خرجت من الغرفة.
أغلقت الباب بعنف.
شين يوي بقيت واقفة في مكانها. كان قلبها يدق بعنف. كانت يداها ترتجفان. كانت لا تصدق ما فعلته.
لقد رفضت.
لأول مرة في حياتها وجدت الشجاعة لتقول لا .
جلست على الكرسي البلاستيكي المكسور بجانب الغسالة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم نفسًا آخر.
ثم بدأت تنظر لملابسها البسيطة و هي تدور داخل الغسالة .
التعليقات لهذا الفصل " 42"