كان صباح اليوم التالي باردًا في مكتب براندون وانغ.
السماء خارج النافذة الزجاجية الكبيرة كانت صافية، والشمس تشرق على المدينة كعادتها. لكن داخل المكتب، كان الجو جليديًا.
وقف براندون خلف مكتبه الفخم، يرتدي بدلة زرقاء داكنة أنيقة، وشعره مصفف بدقة. كان يحدق في الأوراق أمامه، لكن عينيه كانتا فارغتين في شرود بعيد.
دق الباب.
“ادخل.”
فتح الباب ودخل لي وي، مساعده الشخصي. كان يحمل ملفات الصباح وفنجان قهوة ساخنة. بدا مرهقًا. لم ينم جيدًا الليلة الماضية بسبب الرحلة المفاجئة التي حرمته من يوم عطلته الثمين. ثم العودة المتأخرة تلاه الاستيقاظ المبكر كالمعتاد.
” صباح الخير سيد وانغ “
وضع لي وي القهوة على المكتب. ثم بدأ بعرض جدول الأعمال.
“سيد وانغ، لديك اجتماع مع مجلس الإدارة في العاشرة. ثم غداء عمل مع مستثمرين من سنغافورة. ثم…”
براندون رفع يده ليوقفه. نظر إلى المساعد بنظرة فارغة.
لي وي نظر إليه طويلاً. كان يعرف رئيسه منذ سنوات. كان يعرف بروده. كان يعرف صمته. لكنه لم يرَه هكذا من قبل. شاردا. مرتبكا. متعبًا رغم بدلته الأنيقة.
“اتصل بالجامعة و علّق موعد المحاضرات حتى إشعار آخر.”
اتسعت عينا لي وي للحظة .
“سيد وانغ… المحاضرات الأسبوعية كان هذا البرنامج الذي وقعت عليه شخصيًا؟”
براندون التفت إليه بنظرة جليدية.
“هل سمعت ما قلت؟ علّق الموعد. إلى تاريخ غير معلوم.”
” أمرك سيدي ”
انحنى لي وي ثم خرج بخطوات محسوبة .
بقي براندون وحده في المكتب مع أفكاره.
كان يعرف أنه ارتكب خطأ فادحًا.
حضوره إلى حفل التكريم و ذهابه إلى القرية السياحية. كل ذلك كان خطأ.
ما بدا في البداية كرغبة بسيطة لفهم مشاعره و لاختبار نفسه، لمعرفة ما يشعر به تجاه تلك الفتاة الغريبة… انتهى إلى تعقيد المسألة فقط.
لم يفهم شيئًا بل زاد اضطرابًا.
لقاءاته العابرة معها .
كل لقاء كان يفترض أن يطفئ فضوله و يجعله ينساها.
لكن العكس حدث.
كل لقاء زاد من تعميق مشاعره نحوها.
لم تكن مجرد نزوة عابرة . كانت شيئا آخر يخنقه و يجعله يكتشف أمورا جديدة عنه لم يكن يعلمها.
و الآن هو أمام خيار لا يقبل النقاش . يجب عليه بيساطة ان يخضع هذه التجربة العاطفية لعلاج منطقي .
وصل إلى استنتاج واضح ، الخطأ كان في التصنيف. لقد أعطى أهمية غير ضرورية لحدث عابر. لقد عامل ردّة فعله على أنها “خلل” يحتاج “إصلاح”، مما منحها وزنًا أكبر من حجمها.
نهض من مكتبه ووقف أمام النافذة. نظره كان يحلل مجريات الاحداث الأخيرة . لم تكن هناك حيرة، بل قرار إستراتيجي.
سيكون عليه البدء من حيث توقف ، عندما قرر تجاهل كل ما يتعلق بها.
“إنها مجرد عاطفة عابرة هذا لا لبس فيه ، كانت كذلك منذ البداية” قال لنفسه بصوته الموضوعي المسطح. “مثل نبضة غير متوقعة في مخطط القلب. تظهر وتمضي. محاولة تحليلها أو مواجهتها سيعطيها طاقة لا تستحقها. سيمضي الوقت عليها.”
لم يكن هذا تفاؤلاً ساذجًا، بل كان تكتيكًا.
أفضل طريقة لقتل ظاهرة غير مرغوب فيها هي حرمانها من الاهتمام. كان يعرف أن أعماقه تعمل بكفاءة، وأن نظامه الداخلي سيتعرف على هذا الشذوذ العاطفي ويعزله مع مرور الوقت، شريطة ألا يتدخل هو بإعادة تغذيته . لا كان لزاما عليه ان يغير جدولة الحصص الجامعية حتى يمنع اي فرصة لمصادفتها . و منع اي شعور بالتقارب من عالمها.
عاد إلى مكتبه. هذه المرة، كان تحوله كاملاً. أغلق الملف العقلي الذي يحمل صورة تلك العينين المذعورتين وأعاد توجيه كل قوته الحسابية نحو النماذج الاقتصادية على شاشته. كان التركيز الآن حقيقيًا، مدعومًا بإرادة حازمة.
كانت إستراتيجية التجاهل قد وُضِعت موضع التنفيذ. سيمنع نفسه من استدعاء الصورة. إذا مر بها مصادفة، سيعيد توجيه نظره فورًا. سيرفض منح تلك اللحظة أي مساحة إضافية في وعيه.
لم يكن الأمر سهلاً، بل كان تمرينًا في الانضباط الذهني. لكنه كان واثقًا من كفاءة منهجه. الوقت والعودة إلى الروتين الصارم سيهزمان أي “ثورة مشاعر” عابرة.
نظر إلى شاشته، وعيناه تعكسان البرودة الواثقة للشاشة. لقد أعاد السيطرة. ليس عبر المواجهة، بل عبر الرفض المنطقي للاعتراف بوجود أي شيء يحتاج إلى مواجهة.
التعليقات لهذا الفصل " 41"