عادت شين يوي إلى غرفتها بعد منتصف الليل.
كانت متعبة . لكنها كانت تحمل بين يديها شيئًا ثمينًا: شهادة التقدير الملفوفة بالشريط الأحمر، و صندوق الهدية الأبيض الذ تسلمته في حفل التكريم .
أغلقت الباب خلفها. استندت إليه للحظة و أغمضت عينيها.
لقد مضى.
فتحت عينيها. مشت نحو السرير و جلست على حافته. وضعت الشهادة و صندوق الهدية أمامها.
نظرت إليهما طويلاً.
شهادة تقدير. اسمها مكتوب عليها بخط جميل. شين يوي – الأولى في مسابقة الرواية.
لمستها بأصابعها. كان الورق ناعمًا. فخمًا.
ثم نظرت إلى الصندوق المغلف بالأبيض.
ماذا بداخله؟
فتحته ببطء.
—
أزالت ورق التغليف الابيض بعناية. ثم سحبت الشريط . ليظهر صندوق آخر بالداخل و فوقه مغلف على شكل ظرف أحمر اللون .
انزلقت محتويات المغلف إلى يديها.
كان شيكا مصرفيا .
نظرت إلى الرقم المكتوب عليه. قرأته مرة. مرتين. ثلاث مرات.
اتسعت عيناها.
كان مبلغًا كبيرًا…بل كبيرًا جدًا. أكبر مما توقعت. أكبر مما كانت ستحصل عليه من عملها مع ليام في شهور.
لكن ما لفت انتباهها لم يكن الرقم فقط.
كان الشعار.
في أعلى الشيك، كان هناك شعار صغير لكنه واضح: مجموعة شركات يونغلي.
توقف قلبها للحظة.
يونغلي. مجموعته.
تذكرت السيرة الذاتية التي قرأتها في الباص. براندون وانغ، الرئيس التنفيذي لمجموعة يونغلي.
هذا الشيك من شركته.
يدها ارتجفت قليلًا. وضعت الشيك جانبًا بحرص شديد.
ثم أخرجت الشيء الثاني.
صندوق أنيق كان أيضا باللون الأبيض. عليه شعار علامة تجارية مشهورة.
فتحته.
بمجرد ان أزالت الورقة الرفيعة الشفافة في أعلى الصندوق حتى ظهر جسم معدني مسطح .
شهقت.
شهقة قصيرة، لا إرادية، خرجت من أعماق صدرها.
إنه حاسوب .!!
كان جميلًا. رفيعًا. أنيقًا. شاشته لامعة. هيكله معدني. كان من أحدث الموديلات وأغلاها. رأت مثله في الإعلانات فقط.
حتى وقت تقدمت لوظيفتها بغية شراء حاسوب محمول كانت رغبتها بامتلاك حاسوب و لو بمواصفات متواضعة . لكن هذا كانت مواصفاته عالية جدا.
نظرت إلى الغطاء الخارجي. كان هناك نفس الشعار.
مجموعة شركات يونغلي.
ارتعشت يداها.
لم تستطع السيطرة عليهما. بدأتا ترتجفان بارتعاش خفيف لا يمكن إخفاؤه.
مدت يدها نحوه ببطء و بتردد. كأنها تخاف أن يختفي إذا لمسته. كأنها تخاف أن يكون سرابًا.
لمسته.
بأطراف أصابعها المرتجفة.
كان باردًا. ناعمًا. أملس. حقيقي.
رفعته بكلتا يديها. كانت يداها ترتجفان بشدة الآن. كادت تسقطه. تمسكت به بقوة.
كان خفيفًا. أخف مما توقعت. حملته برفق، برقة . كأنه أغلى ما تملك.
نظرت إليه طويلاً. إلى شاشته اللامعة و هيكله المعدني ثم إلى الشعار الصغير في الزاوية. إلى كل سنتيمتر فيه.
هذا… هذا لي؟
لا تصدق.
كانت ترمش بسرعة. تنظر إليه. ثم تغمض عينيها. ثم تفتحهما. ثم تنظر إليه مجددًا.
ما زال هناك. لم يختف.
وضعته على الطاولة ببطء و حرص شديدين . وكأنه مصنوع من الزجاج. وكأنه سينكسر إذا لمسته بخشونة.
انقطع نفسها.
كانت تخاف أن ينكسر. تخاف أن يخدش. تخاف أن يختفي كحلم.
يداها كانتا لا تزالان مرفوعتين في الهواء، ترتجفان، كأنها لا تزال تمسكه. كانت تحدق فيه وكأنه كائن حي. وكأنه معجزة.
ثم مدت يدها المرتجفة مجددًا. لمسته. تفحصته. قلبت. نظرت إلى منافذه. إلى أزراره. إلى شاشته. إلى كل شيء.
كانت تتعرف عليه. تتعامل معه. تحاول أن تصدق أنه ملكها.
هذا الحاسوب وحده كان يساوي ما كانت ستدخره من عملها مع ليام لمدة سنتين. سنتين كاملتين من الدروس الخصوصية. سنتين من التوفير. سنتين من الحرمان.
وهي الآن تملكه.
بالإضافة إلى الشيك و إلى الشهادة.
جلست على السرير أمام الطاولة. وضعت يديها المرتجفتين على ركبتيها. كانت تحدق في الحاسوب كأنها في حالة ذهول.
شعرت بشيء غريب في صدرها. شيء لم تشعر به من قبل.
لم يكن فرحًا عاديًا. لم يكن مجرد سعادة.
كان فخرًا.
نعم. فخرًا حقيقيًا.
جهودها في الرواية. السهر. الكتابة. إعادة الكتابة. الخوف. التردد. كل ذلك لم يذهب هباءً.
في جامعة بيكين تم منحها التقدير الذي كانت تستحقه من أعلى الأطر الاكاديمية. . لقد تم الاعتراف بجهودها .و مكافأتها بسخاء.
لأول مرة في حياتها، شعرت بأنها مرئية. بأنها موجودة. بأن لها قيمة.
بكت بصمت. بهدوء. بابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها. يداها لا تزالان ترتجفان.
—
نظرت إلى الحاسوب مجددًا. إلى الشعار الصغير. إلى الشيك بجانبه.
تذكرت وجهه البارد على المنصة. تذكرت همسات الطلاب: “غادر. غادر المدينة الرياضية.”
لم تكن هذه هديته شخصيًا. كانت من برنامج الدعم الاكاديمي الخاص بمجموعته . و كانت مخصصة لجميع الطلاب .
لكنها مع ذلك… كانت مرتبطة به.
أزاحت الفكرة من رأسها. لا. لن تفكر فيه الآن. هذه ليلتها. هذا تكريمها. هذا انتصارها.
“أنا شين يوي.” همست بصوت مبحوح. “أنا كاتبة. أنا الأولى. أنا… أنا موجودة.”
مدت يدها مجددًا نحو الحاسوب. هذه المرة بثقة أكثر. لمسته برفق. فتحت شاشته. شغلته. رأت شاشة الترحيب تضيء.
كان جميلًا. سريعًا. مثاليًا.
الآن يمكنها الكتابة في أي وقت. الآن يمكنها البحث. الآن يمكنها الدراسة بسهولة. الآن يمكنها التواصل مع العالم.
كل ذلك بفضل روايتها.
أغلقت الحاسوب. وضعته بجانبها على السرير بحرص شديد. أخذت الشيك بيدها المرتجفة. قرأته مجددًا. رأت شعار يونغلي مرة أخرى.
المبلغ كان كافيًا لمساعدة والديها . كافيًا لشراء ما تحتاجه و لتأمين شهور قادمة.
اختلطت سعادتها بابتسامات متوالية .
كانت بالفعل ليلة من ليالي بيكين التي لا تنسى .
التعليقات لهذا الفصل " 40"