عائدًا إلى شقته في الطابق العلوي من ذلك البرج الزجاجي والفولاذي الذي يطل على المدينة، كان براندن وانغ يحاول استعادة السيطرة على إيقاع يومه.
الهواء المكيف البارد استقبله كما يفعل كل صباح، ناشرًا هدوءًا صناعيًا مألوفًا. لكن اليوم، كان هناك شيء مختلف. كان هناك صمتٌ أكثر ثقلًا، كأن ذلك الإحساس الغريب الذي انتابه في الشارع قد تسلّل إلى مساحته المقدسة.
أطلق سراح كلبه، “أبوللو”، الذي ذهب فورًا إلى زاويته بسلوك مطيع يعرف أن صاحبه ليس في مزاج يعكر صفوه. لم يكن براندن غاضبًا منه، بل كان غاضبًا من نفسه.
ذهب إلى المطبخ الفسيح والأنيق، حيث كل شيء في مكانه وبزاوية 90 درجة تمامًا، وصب لنفس كوبًا من الماء المثلج. وقف يشربه وهو يحدق عبر النافذة الأرضية التي تطل على المدينة .
لكن ما رآه لم يكن ناطحات السحاب.
بل رأى عينيها.
تلك العينان الواسعتان، بلون الشاي الفاتح، والمليئتان بصدمة خالصة، كما لو أن روحًا بريئة قد اُقتُلعت فجأة من عالمها الآمن وأُلقت في مواجهة مع وحش. كان خوفًا نقيًا، خامًا، وغير مُصطنع. نظرة لم يصادفها في عالمه أبدًا. عالمه كان مكونًا من نظرات طموحة، جشعة، واثقة، أو متلاعبة. لم يكن فيه مكان للنقاء.
وشعر مرة أخرى بتلك الهزة المزعجة في صدره. إحساس قصير، حاد، ومرفوض.
“سخيف،” همس لنفسه بصوت خشن، وهو يضع الكوب على الرخام بضجة أعلى مما ينبغي.
لماذا لا تزال تلك الصورة عالقة في ذهنه؟ كانت مجرد فتاة عابرة. شخص لا أهمية له. ضعفٌ يمشي على قدمين في عالم لا يرحم. كان من المفترض أن يشعر بالازدراء، أو لا يشعر بشيء على الإطلاق، كما يفعل دائمًا.
” من تكون ؟ ..بالحكم على شكلها و الطريق الذي تسكله من الممكن ان تكون طالبة في طريقها للجامعة ”
رغما عنه وجد نفسه يضع افتراضات حولها . و عندما ادرك ذلك هز رأسه محاولا التخلص من أي افكار نحوها .
لكنه لم يستطع. لقد كانت النظرة وكأنها شظية زجاج دقيقة انغرست في وعيه. غير مؤلمة بشكل صارخ، لكنه يستطيع أن يشعر بوجودها مع كل نبضة. كانت تذكره بشيء نسيَه، أو ربما أخفاه عن عمد.
التفت بعيدًا عن النافذة، محاولًا التركيز على جدول أعماله اليومي. اجتماع مع الإدارة الاستراتيجية الساعة العاشرة ثم اجتماع مع عميد كلية العلوم التكنولوجية بعد الظهر. تحليل بيانات استثمارية مساءً. كانت هذه هي لغته. كانت هذه هي حياته المنظمة، الخالية من الفوضى والعواطف غير الضرورية.
لكن كلماته التي قالها لها بصوتٍ ناعم غير معتاد عادت لتتردد في أذنه: “لا تخافي… إنه غير مؤذٍ.”
لماذا قال ذلك؟ لماذا لم يمر بها ببرودة كما يفعل مع أي عائق آخر في طريقه؟
هذا التناقض في شخصيته… هو ما أزعجه أكثر من الفتاة نفسها. لقد كان دائمًا سيد مشاعره، مهندسًا دقيقًا لصورته وردود أفعاله. وذلك اللقاء العابر كشف أن هناك شقًا في ذلك الجدار الحصين.
أغلق عينيه للحظة، محاولًا محو الصورة. لكنها ظلت هناك، خلف جفنيه. تلك الوجه الشاحب، الوشاح الأبيض البسيط، والنظرة المذهولة التي هزت يقينه الراسخ عن نفسه.
فتح عينيه. نظراته أصبحت أكثر برودة و حزم . لا. هذا غير مقبول. لن يسمح لبضع ثوانٍ من العاطفة غير المنطقية أن تعكر صفو نظامه.
التقط هاتفه وفحص بريده الإلكتروني بعنف غير معتاد، محاولًا أن يغرق نفسه في عالم المنطق والأرقام، العالم الذي يفهمه ويسيطر عليه.
لكن في زاوية بعيدة من عقله، في مكان لم يستطع السيطرة عليه، بقيت شين يوي واقفة، متجمدة في مكانها، خائفة وصامتة، تنتظر أن يقرر ماذا سيفعل بها، أو ربما… ماذا ستفعل به.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"