كانت الشاشة العملاقة للقاعة تعرض صورا من أرشيف جامعة بيكين بالاضافة إلى صور خالدة للأطر الأكاديميين . و في الخلفية انطلقت موسيقى هادئة . كانت الصور المؤرشفة تتماهى مع الموسيقى في انسيابية داخل أضواء القاعة الكبرى.
لكن الأصوات توقفت و المحادثات تجمدت حتى لأيدي التي كانت تمد إلى الطعام توقفت في منتصف الطريق.
كل الأنظار توجهت نحوه.
كان يمشي بخطوات ثابتة نحو المنصة. البدلة السوداء الأنيقة. القميص الأبيض. ربطة العنق الرفيعة. النظارة ذات الإطار المعدني الرفيع التي تعكس أضواء الثريات. كان وكأنه نجم سينمائي دخل إلى القاعة.
بدأت الهواتف ترتفع في كل مكان.
الطلاب يلتقطون الفيديوهات حتى بقية الحاضرين يصورونه و بعض المسؤولين التقطوا هواتفهم لتوثيق اللحظة .
شين يوي كانت تحدق فيه مثل الجميع. لكن نظرتها كانت مختلفة.
رأت الرجل المهيب الذي يعتلي المنصة الآن و الكاميرات التي تلتقطه من كل زاوية محاطا بنظرات الانبهار في عيون الجميع.
مشى بخطوات ثابتة نحو المنصة. كان وجهه مثل صخرة باردة.
صعد المنصة. وقف خلف المنضدة الخشبية. نظر إلى الحضور بنظرة عامة سريعة.
ثم بدأ يتحدث.
—
“مساء الخير.”
صوته كان هادئًا، رسميًا، خاليًا من أي عاطفة.
“يسعدني أن أرحب بكم نيابة عن مجموعة يونغلي في هذه المأدبة الأكاديمية. أنتم هنا لأنكم أظهرت تميزا و إبداعا في مجال تخصصكم .”
نظرت شين يوي إليه من مقعدها. كانت تحدق في وجهه البارد، الرسمي. الرجل المهيب الذي يقف على المنصة الآن، يلقي كلمته بثقة واقتدار.
هذا الرجل … يحمل عنها أسوأ الانطباعات.
تذكرت اللحظات التي رآها فيها.
المرة الأولى: خائفة مرتعشة من كلب.
المرة الثانية: تتسلل إلى مكتب الإدارة كاللصوص.
المرة الثالثة: تخفي جرحها وتتظاهر بأنها بخير.
المرة الرابعة: على سرير التمريض، عاجزة، ضعيفة، مكشوفة.
كاذبة. ضعيفة. تكابر فقط.
هذا ما يعتقده عنها و هذا مؤكد.
أخفضت عينيها و ركزت على الطبق أمامها.
—
“مجموعتنا تؤمن بأهمية دعم المواهب الشابة. لهذا أطلقنا عدة مبادرات بالتعاون مع الجامعة. منح دراسية للطلاب المتفوقين. برامج تدريب في الشركات الرائدة. مشاريع بحثية مشتركة.”
كان صوته لا يزال رتيبًا. عمليًا. لا دفء فيه.
“هذه السنة، سنوسع نطاق الدعم ليشمل المزيد من الطلاب من مختلف الأقطار . كما سنخصص ميزانية إضافية للأبحاث في مجالات الأدب والعلوم الإنسانية، إيمانًا منا بأن الإبداع لا يقتصر على المجالات العلمية فقط.”
رفعت شين يوي عينيها للحظة. نظرت إليه مجددًا.
رغم انه حتى ليلة أمس كان بالفعل قريبا جدا .الآن يقف هناك، مهيبًا و بعيدا .
شعرت بشيء في صدرها. ليس ألمًا. ليس خيبة. فقط… إدراك.
التعليقات لهذا الفصل " 38"