بخطواتها المتسارعة التي لم تهدأ رغم ابتعادها عن مصدر رعبها، وجدت شين يوي نفسها فجأة على أعتاب عالم آخر.
لم تكن بوابة الجامعة مجرد مدخل؛ كانت قوس نصرٍ فخمًا من الرخام المنحوت، يعلوه اسم الجامعة بماء الذهب، وكأنها تخبر كل من يعبر منها: “أنتِ دخيلة هنا”. توقفت للحظة، أنفاسها التي بدأت تهدأ عادت لتتسارع من جديد، ولكن لسبب مختلف هذه المرة.
دخلت.
وغُمرت.
كانت الساحة الرئيسية شاسعة إلى درجة أنها شعرت وكأنها قد تقع في وسطها ولا يجدها أحد. تحت أقدامها، بلاطات جرانيتية مصقولة تعكس سماءً بدت أبعد وأكثر زرقة مما كانت عليه خارج الأسوار. وهناك، في المنتصف، وقف تمثال ضخم لمفكر صيني قديم، منحوتًا من البرونز الأخضر، ينظر إلى الأفق بحكمةٍ صامتة وباردة، وكأنه يحكم على كل من يقف تحته بالصغر والتفاهة.
“أين… أين يكون مبنى الآداب؟” همست لنفسها، لكن صوتها ضاع في زحمة الأصوات التي التقطتها أذناها لأول مرة.
ضجيج. كانت تلك هي الكلمة. ضجيج مئات، بل آلاف المحادثات المتداخلة، ضحكات، نداءات، وخطوات متسارعة تتردد صدى بين الجدران الحجرية للقاعات العملاقة التي تصطف على جانبي الساحة. تلك القلاع المحصنة ذات الأعمدة اليونانية والنوافذ القوطية العالية، التي بدت وكأنها صُممت لترهيب الوافدين الجدد، لا لاستقبالهم.
شعرت شين يوي وكأنها حبة رمل انجرفت إلى وسط محيط. كل من حولها كان يبدو واثقًا، يعرف إلى أين يتجه، يضحك مع رفاقه، يتحدث بهاتفه بطلاقة. كانوا ينتمون إلى هذا المكان. أما هي، فكانت تشعر وكأنها تسرق نظرة على عالم لم يُخلق لها.
انكمشت كتفيها قليلًا، محاولة أن تصبح أصغر حجمًا، أن تختفي. في بلدتها، كانت أكبر تحدياتها هي الإجابة على سؤال الأستاذ في الفصل. هنا، كان التحدي هو كيفية التنفس تحت ثقل هذا العظمة، وكيفية المشي دون أن تصطدم بأحد، وكيفية إيجاد طريقها في هذه المتاهة من الرخام والطموح.
رفعت عينيها نحو مبنى الأدب الصيني في النهاية، بعد عناء قراءة الخريطة التي ارتجفت في يدها. كان مبنىً قديمًا وعريقًا، أقل فخامة من غيره ولكن هيبته كانت مختلفة؛ هيبة التاريخ والمعرفة. الدرجات العريضة المؤدية إلى بابه بدت وكأنها سلم يصعد إلى معبد.
أمسكت بحقيبتها بقوة، وكأنها تبحث عن نقطة ارتكاز في عالمٍ فقدت فيه توازنها. ثم أخذت نفسًا عميقًا، عميقًا جدًا، محاولة أن تملأ رئتيها بشجاعةٍ لم تكن تشعر بها.
وضعت قدمها على أول درجة.
كانت كل خطوة تصعدها تزيدها شعورًا بالثقل والمسؤولية. كانت تترك عالم الخارج الصاخب وتدخل إلى عالم الداخل الصامت المهيب. هذا هو المكان الذي حلمت به، المكان الذي ضحت من أجله بكل ما هو مألوف.
ولأول مرة منذ أن غادرت بيتها الصغير اليوم، سألت نفسها: هل تستحق أن تكون هنا؟ هل تستطيع فتاة غرفتها الصغيرة أن تجد مكانًا لها بين هذه الجدران العالية؟
دخلت من الباب الرئيسي المزدان بالنقوش الخشبية، إلى ردهة واسعة ومهيبة، حيث كان الصمت يخيم بشكل أثقل من الضجيج خارجًا. وكان لا بد أن تمضي قدمًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"