انتهت ورش العمل المتتالية مع غروب الشمس. كانت شين يوي متعبة لكنها سعيدة. تعلمت كثيرًا اليوم عن إدارة الذات و تحديد الأهداف و أيضا عن كيفية تحويل الشغف إلى مهنة.
لكن يبدو أن زملاءها الطلاب كانت لديهم خطط أخرى للمساء.
“تعالوا!” صرخ أحد الطلاب بحماس. “اكتشفت أن في الفندق قاعة تزلج مصغرة! خاصة بالنزلاء!”
“قاعة تزلج؟ حقًا؟”
“نعم! وهي مجانية! تعالوا نستمتع قليلًا!”
تحرك الحشد نحو الفندق. كانت شين يوي تمشي خلفهم، تشعر بالفضول.
وصلوا إلى القاعة. كانت زجاجية، تضيء بأضواء زرقاء وفضية. حلبة جليد حقيقية، صغيرة لكنها جميلة. وبجانبها، عبر ممر زجاجي، كان هناك مطعم أنيق يطل على الحلبة مباشرة.
بدأ الطلاب يتسابقون لاستئجار أحذية التزلج. بعضهم كان ماهرًا، بعضهم كان يضحك وهو يتزحلق لأول مرة.
وقفت شين يوي على حافة الحلبة، تراقبهم.
رأت وجوههم المبتسمة، ضحكاتهم عندما يتعثرون، حماسهم عندما ينجحون في خطوة صغيرة. رأت المرح الحقيقي البريء.
وفجأة، قررت.
“لماذا لا؟” همست لنفسها.
نزعت معطفها الثقيل الأسود الذي يعيق حركتها، ورمته على كرسي قريب. ذهبت إلى شباك التأجير، استأجرت حذاء تزلج مناسبًا، وجلست لترتديه.
كانت يداها ترتجفان قليلًا. كانت خائفة. لكنها كانت أيضًا متحمسة.
وقفت على الحلبة ببطء. تمسكت بالحافة في البداية. كان الجليد زلقًا أكثر مما توقعت. كانت ركبتاها ترتجفان.
لكنها رأت طلابًا آخرين – مبتدئين مثلها – يتقدمون ببطء. بعضهم سقط، ثم نهض ضاحكًا.
أخذت نفسًا عميقًا.
تركت الحافة.
انزلقت.
وكادت تسقط. لكنها تمسكت بتوازنها في اللحظة الأخيرة. وقفت تلهث، ثم ضحكت. ضحكة صغيرة خجولة.
بدأت تتحرك ببطء، خطوة خطوة، ممسكة بحافة الحلبة بين الحين والآخر. كانت تركز على نفسها فقط. لا تنظر إلى الآخرين. لا تفكر في أي شيء سوى الجليد تحت قدميها والتوازن الذي تحاول الحفاظ عليه.
كانت سعيدة.
—
في الجانب الآخر من الحلبة، كانت شيا جيانغ تتزلج.
لكنها لم تكن كالآخرين. لم تكن تلهو. كانت تختبر.
كانت ترتدي حذاءها الشخصي، تتحرك بحركات سلسة أنيقة. كانت تتجاهل الطلاب الآخرين، تتجاهل النظرات، تتجاهل كل شيء. كانت في عالمها الخاص.
ثم توقفت.
وقفت في منتصف الحلبة، تغلق عينيها. كانت تتنفس بعمق. كان جوعها يعذبها – الحمية القاسية التي تتبعها للحفاظ على مرونة جسدها جعلتها تشعر بالدوار طوال اليوم.
لكنها فتحت عينيها.
وركضت.
انطلقت بسرعة على الحلبة، تجمع الزخم. كان وجهها مصممًا. كانت تعرف أن جسدها ضعيف اليوم. تعرف أن الجوع يستنزف طاقتها. تعرف أن هذه فكرة مجنونة.
لكنها أرادت أن تعرف.
قفزت.
دارت في الهواء. مرة. مرتين. كان جسدها يدور كالدوامة.
وفي لحظة الدوران الثانية، ضربها الدوار.
ليس دوارًا عاديًا. دوار الجوع الحاد. دوار الحرمان و الإرهاق.
اختل توازنها في الهواء. عرفت فورًا أن الهبوط سيكون كارثيًا.
هبطت بالكاد و هي تكافح لتحافظ على توازنها حتى شعرت بجسدها يخونها و كادت ان تسقط. لولا ان شين يوي لاحظت ذلك و مدت ذراعها دون ان تشعر لمنع ارتطام شيا جيانغ و السقوط .
لم يكن اصطدامًا قويًا. مجرد ارتطام خفيف. لكنه كان كافيًا ليفقد كلتاهما توازنهما. سقطت الفتاتان معًا خارج الحلبة.
—
شين يوي شعرت بألم حاد في ذراعها قبل أن تلمس الأرض.
نظرت إلى ذراعها اليمنى.جرح من أداة غولف كانت مرمية قرب الحائط. كان الدم يتسلل من تحت الجلد الممزق.
رفعت رأسها. كانت شيا جيانغ بجانبها، جالسة على الأرض، تلهث. كانت لا تزال تشعر بدوار شديد، وعيناها شبه مغمضتين.
بدأ الطلاب يتزاحمون.
“هل أنتما بخير؟”
“شيا جيانغ! شيا جيانغ! هل تسمعيننا؟”
“شين يوي! هل أصبتِ؟”
كان الجميع قلقين عليهما معًا. بعضهم اتجه نحو شيا جيانغ، والبعض الآخر التفت إلى شين يوي.
لكن شين يوي نهضت بسرعة. وقفت على قدميها. نظرت إلى الطلاب المحيطين بها وابتسمت ابتسامة مطمئنة.
“أنا بخير! أنا بخير حقًا!” قالت بصوت واضح. “لا تقلقوا عليّ. فقط اطمئنوا على شيا جيانغ. إنها ليست بخير.”
نظر الطلاب إليها. كانت واقفة. تتحرك بسهولة. تبدو بصحة جيدة. لا علامات ألم واضحة على وجهها.
اطمأنوا.
تحول تركيزهم كله نحو شيا جيانغ التي كانت لا تزال جالسة على الأرض، شاحبة، مرتعشة، تعاني من دوار حاد.
شين يوي تنفست الصعداء.
—
وفجأة، شعرت بشيء. إحساس غريب. نظرت نحو باب القاعة.
هناك، كان رجل يشق طريقه نحو الداخل بخطوات سريعة. بدلته الزرقاء الداكنة. نظارته ذات الإطار المعدني. وجهه البارد الذي كان يحاول جاهدًا إخفاء القلق.
براندون وانغ.
توقف قلب شين يوي للحظة.
لا. لا يمكن أن يراني هكذا. لا يمكن أن يراني في موقف آخر أكون فيه هذه المرة جريحة .
نظرت إلى الطلاب المنشغلين بـ شيا جيانغ. نظرة سريعة حولها.
بجانبها، على بعد خطوات، كان معطفها الأسود ملقى على الكرسي حيث تركته.
التعليقات لهذا الفصل " 26"