كان صباح الأحد هادئًا في شقة براندون وانغ الفاخرة. أشعة الشمس تتسلل بخجل من بين الستائر شبه المغلقة، تلقي بظلالها على الأرضيات الرخامية اللامعة.
لكن براندون لم يكن يهتم بالشمس.
كان جالسًا في مكتبه المنزلي، محاطًا بأكوام من الملفات والتقاري ، والأرقام تتدفق عليه كالأنهار. كان يعمل منذ السادسة صباحًا. يحلل. يدقق. يراجع. يفعل أي شيء ليملأ وقته.
أي شيء لئلا يفكر.
لكن الأفكار كانت أقوى منه.
لقد مر أسبوع كامل بالفعل منذ لقائه بها في مبنى الإدارة.
أسبوع كامل وبراندون وانغ يغرق نفسه في العمل لسبب واحد فقط .
ليثبت لنفسه أنها مجرد نزوة فكرية عابرة.
كانت نظريته بسيطة: سيغرق نفسه بالعمل ، سيملأ وقته بالأرقام والصفقات والاجتماعات، وبعد أيام قليلة ستتلاشى صورتها من رأسه. كان متأكدا أنها مجرد انطباع مؤقت و تفكيره المتواصل بها لا يعدو ان يكون رد فعل غير مبرر من رجل مرهق.
في اليوم الأول، عمل ست عشرة ساعة. كان واثقًا من نجاح خطته.
في اليوم الثاني، استيقظ واسمها على شفتيه. تجاهل الأمر وعمل أربع عشرة ساعة.
في اليوم الثالث، وجد نفسه يبحث في قاعدة بيانات الجامعة عن معلوماتها. توقف فورًا وأغلق الجهاز. وعمل حتى منتصف الليل.
في اليوم الرابع، ألغى اجتماعًا مهمًا بحجة “المراجعة الذاتية”. جلس في مكتبه المظلم يفكر. لم يعمل كثيرًا ذلك اليوم. فشل في مقاومة الأفكار.
في اليوم الخامس، عاد للعمل بشراسة. اكتشف أن الشراسة لا تنفع.
في اليوم السادس، استسلم. جلس على الأريكة في شقته، يحمل كأسًا من الويسكي، ويحدق في السقف. اعترف بأنه يفكر بها و أنه يريد رؤيتها. اعترف بأن أسبوعًا كاملًا مر ولم تختفِ.
لقد دُحِضت نظريته بالكامل.
لم تكن نزوة عابرة. كانت شيئًا آخر. شيئًا لا يعرفه.
—
وصل صباح الأحد.
كان جالسًا في مكتبه المنزلي، محاطًا بأكوام من الملفات والتقارير. شاشات الكمبيوتر الثلاث أمامه مضاءة .
لكن هذه المرة، لم يكن يعمل لينساها.
كان يعمل لأنه لا يعرف ماذا يفعل غير العمل.
“سخيف.” تمتم بصوت عالٍ، وهز رأسه بقوة وكأنه يريد إخراج الصورة من رأسه.
عاد إلى الأرقام.
—
دق الباب.
“ادخل.”
فتح الباب ودخل السيد وي. مساعده الشخصي. كان يرتدي ملابس غير رسمية هذه المرة – قميص قطني وبنطال كاجوال – لكنه كان يحمل حقيبة مليئة بالملفات.
“صباح الخير، سيد وانغ.” قال لي وي بصوت مهذب، لكن في داخله كان يسطر بجملة مختلفة تمامًا.
*”صباح الأحد. صباح الأحد الثمين. كنت سأنام حتى العاشرة. كنت سأذهب مع أطفالي إلى الحديقة. كنت سأشرب قهوتي بهدوء دون أن أرتدي ربطة عنق. لكن لا. أنا هنا. في شقة رئيسي. في يوم عطلتي.”*
وضع لي وي الملفات على المكتب بدقة، مبتسمًا ابتسامته المهنية المعتادة. “هذه المستندات التي طلبتها بخصوص برنامج الدعم الأكاديمي. العقود الجديدة مع الجامعات. وتقارير الأداء للفصل الماضي.”
نظر براندون إلى الملفات. ثم رفع عينيه إلى مساعده. لاحظ الملابس غير الرسمية و نظرة التعب الخفيفة خلف الابتسامة المهذبة.
“آسف لإزعاجك في يوم عطلتك.” قال بصوت هادئ.
اتسعت عينا لي وي للحظة. اعتذار؟ من براندون وانغ؟ هذا لم يحدث من قبل.
تمالك نفسه سريعًا. “لا مشكلة على الإطلاق، سيد وانغ. العمل أولًا.”
“*نعم، العمل أولًا. وعطلتي آخرًا. وآخر الآخر*”.
انحنى لي وي ليضع ملفًا أخيرًا على المكتب. ملف رفيع، بلون مختلف. “وهذا… لائحة الطلاب المتميزين الذين تم اختيارهم للرحلة التطويرية. طلبت رؤيتها قبل التوقيع النهائي على الدعم.”
توقف قلب براندون للحظة.
لائحة الطلاب.
يده امتدت نحو الملف ببطء. بلا وعي. بلا تفكير.
فتحه.
بدأت عيناه تقرآن الأسماء بسرعة. أقسام العلوم… الهندسة… الاقتصاد…
أكمل القراءة.
ثم وصل إلى الصفحة الأخيرة. قسم الآداب. اللغة الصينية.
وهناك.
شين يوي.
الاسم مكتوب بخط أسود واضح. الأولى في مسابقة الرواية. ملاحظات: طالبة من منطقة ريفية، موهوبة في الكتابة.
توقف نظره عند الاسم.
طال نظره للاسم طويلاً.
لي وي لاحظ صمت رئيسه الطويل. نظر إليه باستغراب. ثم نظر إلى الساعة. ثم إلى النافذة. ثم إلى وجه رئيسه مجددًا.
ماذا يحدث؟ إنه يحدق في تلك الصفحة منذ دقيقة. هل هناك خطأ في اللائحة؟ أليس هذا مجرد بروتوكول روتيني؟
“سيد وانغ؟” قال لي وي بصوت حذر. “هل هناك مشكلة في اللائحة؟”
رفع براندون رأسه ببطء. للحظة، بدت عيناه مختلفتين. أقل برودة. أكثر… إنسانية.
ثم عاد البرود سريعًا.
“لا.” قال بصوت حاد. “لا توجد مشكلة. يمكنك الذهاب.”
لكن لي وي لم يغادر. كان لا يزال واقفًا ينتظر.
“ماذا؟” سأل براندون بانزعاج.
تردد لي وي للحظة. ثم قال: “سيد وانغ… بخصوص الرحلة. أنتم مدعوون لإلقاء كلمة في حفل الاستقبال مساء الغد. هل ما زلتم مصرين على عدم الحضور؟”
صمت براندون.
كان قد قرر منذ البداية ألا يحضر. ليتجنب أي فرصة لرؤيتها.
“سأفكر في الأمر.” قال أخيرًا بصوت منخفض.
رفع لي وي حاجبه بدهشة. هذا لم يكن متوقعًا. رئيسه دقيق دائمًا في قراراته. “يفكر” تعني “ربما”.
أغلق الملف ودفعه جانبًا. عاد إلى تقاريره المالية.
لي وي تردد للحظة. ثم انحنى وخرج.
—
أغلق الباب خلفه.
وقف لي وي في الرواق الخارجي، أخرج هاتفه من جيبه. نظر إلى الشاشة. كانت زوجته قد أرسلت له رسالة قبل ساعة: “هل تنتهي قريبًا؟ الأطفال ينتظرون الحديقة.”
ابتسم ابتسامة متعبة. بدأ يكتب ردًا: “نعم حبيبتي، سأنتهي الآن و…”
وقبل أن يكمل الكتابة، اهتز الهاتف في يده.
متصل: براندون وانغ.
توقف قلبه للحظة.
ماذا الآن؟
رفع الهاتف إلى أذنه بصوت خائف. “نعم، سيد وانغ؟”
الصوت في الطرف الآخر كان حادًا، سريعًا، لا يقبل الجدل .
“سيد وي، جهز للسفر الآن. أكد حضوري في حفل الاستقبال.”
ثم قطع الخط.
لي وي وقف مكانه مذهولًا.
السفر؟ الآن؟ حفل الاستقبال؟ لقد أكد لرئيسه قبل أيام أن الجميع يفهمون عدم حضوره. لقد أعد الخطابات البديلة. لقد أخبر زوجته أنه سيكون معهم هذا المساء.
نظر إلى الهاتف. إلى الرسالة غير المكتملة لزوجته.
تنهد تنهيدة طويلة.
ثم مسح الرسالة وكتب واحدة جديدة:
“حبيبتي… تأخر العمل. لا تنتظروني.”
أرسلها وأغلق الهاتف.
نظر إلى باب شقة رئيسه المغلق.
هز رأسه وبدأ بالاتصال بفريق السفر.
—
داخل المكتب، بقي براندون وحده.
بعد أن أغلق الخط، أمال رأسه للخلف وأغمض عينيه. بقي على هذه الحالة لدقائق، يتنفس ببطء. كان صراعه الداخلي يكتب على وجهه المتعب.
ثم فتح عينيه.
بدأت أصابعه تنقر على سطح المكتب. نقرات عصبية، سريعة، غير منتظمة. كانت النقرات الإيقاع الوحيد في الغرفة الصامتة.
نظر إلى الملف المفتوح أمامه. إلى اسمها.
شين يوي.
نقرات أصابعه توقفت فجأة.
“أنا مجنون.” قال بصوت خافت.
لكنه لم يغلق الملف.
نهض، ومشى إلى النافذة. نظر إلى المدينة أسفله. إلى آلاف النوافذ، آلاف القصص، آلاف الأحد التي يعيشها الناس بسعادة.
التعليقات لهذا الفصل " 24"