بعد ساعات من السير على الطرق السريعة، اخترقت الحافلة ضواحي بكين واتجهت نحو الجبال. كانت شين يوي تحدق من النافذة، تتأمل المناظر الطبيعية التي تتحول تدريجيًا من خضرة عادية إلى مناظر خلابة.
ثم ظهر.
الفندق.
وقف شامخًا عند سفح الجبل، مبنيًا من الزجاج والحجر الأبيض، وكأنه قصر خيالي نزل من السماء. حوله حدائق غناء وممرات مائية ونوافير راقصة. وخلفه، على مسافة قريبة، امتدت مدينة رياضية متكاملة، ملاعب خضراء، مسبح أولمبي، صالات مغلقة، ومضمار لألعاب القوى.
توقفت ألسنة الطلاب عن الكلام للحظة. ثم انفجرت الدهشة.
“يا إلهي… هذا فندق؟!”
“إنه كالقصر!”
“هل سنقيم هنا حقًا؟”
“انظروا إلى المدينة الرياضية خلفه! فيها مسبح أولمبي!”
وقف الجميع يتزاحمون على النوافذ، يلتقطون الصور بهواتفهم، يصرخون بحماس.
أما شين يوي فبقيت صامتة، تحدق في الفندق وعيناها واسعتان. لم ترَ في حياتها مكانًا بهذه الفخامة. ولا حتى في الأحلام.
نزلت من الحافلة ببطء، وكانت أصوات الطلاب لا تزال تملأ المكان. وقفت في ساحة الفندق الفسيحة، تدير رأسها في كل اتجاه، تحاول استيعاب ما تراه. النوافير الراقصة، التماثيل الرخامية، الحديقة المشذبة بدقة متناهية، موظفو الفندق الواقفون في استقبالهم بابتسامات رسمية.
شعرت بصغر حجمها مرة أخرى.
—
وفجأة، سمعت صوتًا باردًا بجانبها.
“أول مرة ترين مكانًا كهذا؟”
التفتت. كانت شيا جيانغ. تقف بجانبها، تنظر إلى الفندق بعينين مختلفتين. ليست دهشة، بل شيء يشبه الذكريات المألوفة.
“أنا…”؟؟ تمتمت شين يوي.غير مصدقة أنها بادرتها بالحديث .
“نعم. أول مرة.”
نظرت إليها شيا جيانغ للحظة طويلة. ثم قالت بصوت هادئ، خالٍ من الغرور هذه المرة
“هذا الفندق ملك لمجموعة يونغلي. والمدينة الرياضية خلفه…” توقفت للحظة، وكأن الكلمات تتطلب مجهودًا. “كنت أتدرب هنا كل صيف.”
صمتت شين يوي. لم تكن تعرف ماذا تقول.
نظرت شيا جيانغ إلى المدينة الرياضية البعيدة. الملاعب الخضراءو المضمار الأولمبي ثم الصالات المغلقة. وفي عينيها شيء يشبه الحنين الطافح بالألم .
“كنت أتدرب ست ساعات يوميًا.” أكملت بصوت منخفض. “كانت حلبة التزلج هنا من أفضل ما في آسيا. كنا نأتي في الصيف لأن الجو في بكين كان حارًا جدًا للتزلج.”
شين يوي لم تنبس بكلمة. فقط أصغت.
“مكان جميل.” همست شين يوي أخيرًا.
التفتت شيا جيانغ إليها. للحظة، بدا وكأن شيئًا ما خلف عينيها الباردتين قد تحرك. ثم عاد البرود إلى وجهها كأنه قناع.
شين يوي بقيت واقفة في مكانها، تحدق في المدينة الرياضية البعيدة، وفي ظل شيا جيانغ المبتعد. شعرت بشيء غريب. تلك الفتاة المغرورة التي تتحدث عنها الفتيات بالسوء… خلف برودها كان هناك ألم لم تظهره لأحد.
نظرت حولها. الطلاب يتزاحمون عند مدخل الفندق، يأخذون مفاتيح غرفهم، يلتقطون الصور. وشيا جيانغ وحدها، تسير بخطى هادئة بعيدًا عن الجميع.
تذكرت شين يوي كلام الفتيات في الصباح. “انتهت مسيرتها.” “لم تعد بطلة.” “تتصرف كالأميرة.”
ربما كان الغرور درعًا و كان البرود طريقة للنجاة من نظرات الشفقة والحقد.
أخذت شين يوي نفسًا عميقًا، واتجهت نحو مدخل الفن
دخلت شين يوي إلى بهو الفندق الفخم، تتبع المجموعة بصمت. كانت عيناها تتسعان كلما نظرت إلى شيء . الثريات الكريستالية المتدلية من سقف مرتفع يبلغ ارتفاعه عشرة أمتار، الأرضيات الرخامية المصقولة التي تعكس الأنوار كالمرآة، اللوحات الزيتية الضخمة على الجدران، والأريكة الجلدية الفاخرة التي يجلس عليها النزلاء.
تقدمت إلى مكتب الاستقبال، حيث وزعت المفاتيح. أخذت بطاقتها المغناطيسية الصغيرة ونظرت إلى رقم الغرفة: 712.
“المصعد في النهاية، آنسة.” قال الموظف بابتسامة مهذبة.
مشت نحو المصعد، وكانت ترتجف قليلًا. ليس من البرد، بل من كل شيء.
—
فتحت باب الغرفة.
وتوقفت.
لم تستطع الدخول. وقفت مكانها، فاغرة الفم، تحدق في الداخل.
الغرفة… كانت بحجم بيتها في القرية ، لا، بل أكبر.
سرير ضخم مغطى بملاءات بيضاء ناصعة، وسادة من الريش الناعم، وغطاء فخم مطوي بدقة. إلى الجانب، مكتب أنيق من الخشب الداكن، عليه مصباح بتصميم كلاسيكي. خزانة ملابس منزلقة بباب زجاجي. تلفاز بشاشة مسطحة بحجم لم تر مثله من قبل. وفي الزاوية، كرسي جلدي وثير بجانب منضدة صغيرة.
وبجانب السرير، نافذة من الأرض حتى السقف.
اقتربت منها بخطوات بطيئة. نظرت من خلالها.
كان المشهد يخطف الأنفاس. الجبال في الأفق البعيد، والمدينة الرياضية الممتدة أسفلها، والحدائق الغناء المحيطة بالفندق. كانت الشمس قد بدأت بالمغيب، تلوّن السماء بألوان البرتقال والذهب.
لم تستطع منع نفسها. مدت يدها ولمست الزجاج. وكأنها تريد التأكد أنه حقيقي.
ثم أدارت رأسها ونظرت إلى نفسها في انعكاس الزجاج.
وشاحها الأبيض النظيف. قميصها القطني البسيط. بنطالها الداكن المرتب. حذاؤها الرياضي القديم لكنه نظيف.
ملابسها كانت جيدة. مرتبة. نظيفة. تليق بفتاة محترمة.
لكنها لم تكن فخمة.
نظرت إلى الغرفة من حولها. إلى الفخامة التي تملأ كل زاوية. إلى السرير الذي بدا وكأنه مصمم لأميرة.
ثم عادت تنظر إلى نفسها.
وشعرت بأنها لا تشبه هذا المكان.
جلست على حافة السرير الناعم بحذر، وكأنها تخاف أن تترك أثرًا. نهضت بسرعة. وقفت في منتصف الغرفة، لا تعرف أين تضع نفسها. كانت تخاف أن تلمس أي شيء. تخاف أن تترك بصماتها على هذا الكمال.
تذكرت ذلك التاكسي الذي لم تستقله. تذكرت تلك الـ 10 يوانات التي وفرتها. تذكرت نفسها وهي تقول بفخر: “ستأخذين الباص يا فتاة.”
انكمشت في داخلها.
“لو اشتريت فستانًا واحدًا…” همست لنفسها بصوت مبحوح. “ليس غاليًا… فقط شيئًا يشبه هذا المكان.”
التعليقات لهذا الفصل " 23"