في الرابعة عصرًا، وقفت أمام البوابة الحديدية الكبيرة لمنزل السيدة تشانغ. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تضغط على الجرس.
الباب فتحته الخادمة هذه المرة، وقادتها إلى غرفة ليام.
كان جالسًا في نفس المكان، يلعب بألعابه الإلكترونية. لكنه عندما رآها، أوقف اللعبة على الفور.
“أنتِ جئتِ.” قال بالصينية البسيطة التي تعلمها.
ابتسمت شين يوي. “نعم. وعدتك.”
نظر إليها بفضول. “هل لديك قصة جديدة؟ قصة القرد الذي يسرق الخوخ؟”
جلست أمامه على الأرض. “نعم. لكني لم أكتبها.”
“ماذا؟” عبس.
“لم أكتبها. سأحكيها لك الآن من رأسي.” ابتسمت ابتسامة خفيفة. “هل تثق بي؟”
نظر إليها للحظة. ثم أومأ برأسه.
بدأت تحكي.
——————
انتهت الجلسة مع ليام بعد ساعتين من الحكايات والضحكات. كان الصبي قد تعلم اليوم كلمات جديدة: “قرد”، “خوخ”، “جنة”، “يسرق”. وكان يرددها بفخر كلما أنهت جملة.
عندما خرجت من غرفته، كانت السيدة تشانغ تنتظرها في صالة الاستقبال الفخمة. جلست على الأريكة الجلدية البيضاء، وتحمل في يدها مغلفًا بنيًا.
“تفضلي.” قالت ببرودها المعتاد، لكن عينيها كانتا أقل صلابة من ذي قبل. “راتب هذا الأسبوع.”
نظرت إليها السيدة تشانغ للحظة. “ليام يبدو… مختلفًا هذا الأسبوع. أكثر هدوءًا. وأكثر رغبة في التحدث بالصينية.”
ابتسمت شين يوي ابتسامة صغيرة. “إنه طفل ذكي. يحتاج فقط إلى طريقة مختلفة للتعلم.”
أومأت السيدة تشانغ برأسها ببطء. ثم أخرجت بطاقة صغيرة من جيبها.
“هذه بطاقة مواصلات مدفوعة. لتستعمليها في القدوم والذهاب. الجو سيكون باردًا قريبًا، والانتظار في محطات الباص ليس لطيفًا.”
اتسعت عينا شين يوي من الدهشة. “سيدتي… هذا كثير…”
“لا ترفضي.” قاطعتها السيدة تشانغ بصوت حاسم. “إذا مرضتِ من البرد، من سيعلم ليام؟”
أخذت شين يوي البطاقة وهي تشعر بدفء غريب في صدرها. تحت الصرامة، كانت هناك إنسانية لم تتوقعها.
خرجت من البيت الفخم إلى شارع الأثرياء. كانت الشمس قد بدأت بالمغيب، والسماء تلونت بألوان البرتقال والورد.
وقفت في محطة الباص، تنتظر.
ثم فتحت المغلف.
—
نظرت إلى الأوراق النقدية داخله، وتوقف قلبها للحظة.
كان المبلغ أكبر مما توقعت. أكبر بكثير.
عدته مرة. ثم مرة أخرى.
300 يوان للساعة. ساعتان يوميًا. ثلاثة أيام في الأسبوع.
هذا يعني… 1800 يوان في الأسبوع؟
هذا صحيح. 1800 يوان.
شعرت بالدوار. كانت والدها يعمل أسبوعًا كاملًا في المتجر الصغير ليحصل على مبلغ مماثل. وهي هنا، في ساعتين فقط كل يوم… حصلت على هذا كله.
وضعت النقود في حقيبتها بحرص شديد، وكأنها تضع كنزًا.
ثم رفعت رأسها ورأت…
تاكسي.
سيارة أجرة صفراء تتوقف عند الإشارة الضوئية قرب المحطة. نظيف. مكيف. مريح.
تذكرت الرحلة. السبت بعد غد. حقيبتها القديمة. ملابسها المتواضعة.
يمكنها أن تأخذ هذا التاكسي إلى البيت. ستوفر الوقت. ستوفر التعب. وهي تستحق ذلك، أليس كذلك؟ لقد عملت بجد. لقد فازت بالمسابقة. لقد…
تذكرت والديها.
تذكرت المتجر الصغير. تذكرت الأيام التي كانت تمشي فيها ساعات لتوفير ثمن المواصلات. تذكرت الحاسوب الذي تحتاجه. تذكرت أنها لا تعرف كم ستبقى في هذه الوظيفة، وكم ستحتاج من المال للطوارئ.
أغلقت عينيها للحظة.
ثم همست بصوت خافت، بصوت مسموع لنفسها فقط:
“ستأخذين الباص يا فتاة و من اليوم عليك ترشيد نفقاتك .”
مر التاكسي بجانبها .
وقفت في المحطة تنتظر. بعد دقائق، وصل الباص المزدحم.
ركبت ثم جلست بجانب النافذة، والنقود لا تزال دافئة في حقيبتها على حجرها.
نظرت إلى أضواء المدينة وهي تتلألأ في الظلام.
أخرجت هاتفها من جيبها. ثم فتحت المتصفح.
ودون وعي منها… دون أن تفكر… دون أن تقرر…
كتبت في محرك البحث:
“براندون وانغ”
توقفت أصابعها للحظة. نظرت إلى ما كتبته. شعرت بحرارة في خديها.
لماذا تبحث عنه؟
لكن إصبعها كان أسرع من عقلها. ضغطت على زر البحث.
انفتحت الصفحة.
—
السيرة الذاتية – جيمس (براندون) وانغ
وقفت عيناها عند السطر الأول.
مكان الميلاد: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية
أمريكا… إذاً هو لم يولد في الصين.
واصلت القراءة.
الأم: إليزابيث وانغ ( فوستر) – أمريكية من أصل أيرلندي
الأب: وانغ تشيان – رجل أعمال صيني، مؤسس مجموعة “يونغلي”
والدته أجنبية. أمريكية. إذاً هو نصف أمريكي. هذا يفسر اسمه الاجنبي .
انتقلت إلى السجل الأكاديمي.
التعليم الأساسي: مدرسة سانت بول الداخلية، ماساتشوستس، الولايات المتحدة
البكالوريوس: هندسة الحاسوب – معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) – بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف
تخرج في سن العشرين كأصغر خريج في دفعته
اتسعت عيناها. MIT. واحدة من أفضل جامعات العالم في الهندسة. وتخرج فيها بعشرين سنة؟
الماجستير: إدارة الأعمال (MBA) – جامعة ستانفورد – بتقدير امتياز
الدكتوراه: الاقتصاد التطبيقي – جامعة هارفارد (برنامج موازٍ للعمل)
ستانفورد. هارفارد. كلها في نفس الوقت؟
ملاحظة خاصة: حصل على منحة فولبرايت للبحث العلمي، وجائزة MIT للابتكار التكنولوجي، وجائزة هارفارد للقيادة الشابة.
أغمضت شين يوي عينيها للحظة.
كانت تقرأ سيرة شخص لا يشبهها أبدًا.
هو ولد في أمريكا. نشأ في عائلة ثرية. درس في أفضل جامعات العالم. حصل على جوائز لم تسمع عنها من قبل. كان عبقريًا منذ طفولته.
وهي… هي من بلدة صغيرة في مقاطعة خنان. والدها يعمل في متجر.
الفرق بينهما… الفرق شاسع كالفرق بين السماء والأرض.
فتحت عينيها. كانت تحدق في شاشة الهاتف وفي الصورة الصغيرة بجانب السيرة الذاتية. صورته الشخصية. بدلة زرقاء. نظارة. ابتسامة رسمية. عينان حادتان.
التعليقات لهذا الفصل " 21"