هرعت شين يوي خارجا و اغلقت الباب بعنف ، لقد كان المبنى التي المهترئ وكرا تنخره الصراصير .
لكنها وجدت نفسها خارجا . كان عليها استجماع ما تبقى من شجاعتها و قتل اكبر عدد من الصراصير الليلة .و الا فإنها ستنام في الشارع .
امسكت بحذائها و حاولت الا تنظر إلى شكل الصرصور المقزز ثم هوت بكل قوتها . كانت هذه المرة الأولى في حياتها تقتل صرصورا . لطالما اوكلت هذه المهمة لوالدها . و كانت هذه أول بوادر اعتمادها الكلي منذ اللحظة على نفسها .
————
كان ضوء الصباح الباكر الذي يتسلل من نافذة الغرفة الصغيرة خافتًا وكأنه يتردد في اقتحام عالمها الجديد. ليو شين يوي وقفت أمام المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط، تربط وشاحها الأبيض البسيط بأصابع ارتجفت قليلًا. اليوم كان اليوم الأول في الجامعة، اليوم الذي انتظرته طوال سبعة عشر عامًا من حياتها في تلك البلدة الهادئة حيث يعرف الجميع الجميع، وحيث لا مكان لمفاجآت مخيفة.
أنفاسها كانت تتكثف على زجاج النافذة البارد. بكين… هذه المدينة العملاقة التي طالما حلمت بها في كتب الأدب، ها هي الآن خارج نافذتها، ضاجة، غريبة، ومخيفة بصراحتها. كل خطوة خارج هذا الغرفة المؤجرة الصغير ستعني مواجهة عالم لم تعد فيه مجرد “الفتاة الهادئة ذات العلامات الناجحة”، بل ستصبح رقمًا ضائعًا في بحر من الأرقام.
خرجت. الهواء البارد لشهر سبتمبر لاذع، ولكنه لم ينجح في تبديد القلق الذي تشبث بها كالضباب. رحلتها إلى الجامعة كانت عبارة عن مشي عشر دقائق، لكنها شعرت وكأنها تقطع مسيرة ألف ميل. رأسها كان منخفضًا، عيناها تراقبان أرصفتها الرمادية، تتجنب تقاطعهما مع أي غريب.
وفي منعطف حي “تشينغ هوا” الراقي، حيث تبدأ الأشجار العتيقة في الاصطفاف، سمعت صوتًا.
أنين عجلات عربة، ووقع أقدام سريعة وثقيلة، وصوت نفسٍ لهث.
رفعت رأسها فجأة.
كان كلبًا. كلبًا كبيرًا، فروه بني فاتح وعيونه مليئة بالحيوية، كان يجر وراءه مقبض عجلته المكسور بجنون، متجهًا نحوها في خط مستقيم. وخلفه، على مسافة، رجل يركض محاولًا اللحاق به.
لم يكن مجرد خوف. كان رهابًا قديمًا متجذرًا، إرثٌ من طفولة فيها عضة كلب ضال. قدمَا شين يوي تصلبتا كما لو أن الإسمنت صُبَّ حولهما. قلبها صار يخفق بجنون حتى أنها ظنت أن الأحياء من حولها يسمعون دقاته. العالم كله اختزل في ذلك الكلب المقترب، في فكه المفتوح و لسانه الذي يلهث. لم تعد ترى شيئًا سواه، لم تعد تسمع سوى طنين في أذنيها. عيناها اتسعتا، مليئتين برعب صامت يصرخ من أعماقها.
في تلك اللحظة، وصل الرجل. بيد قوية وأوتار مشدودة غضبًا، أمسك بمقبض العربة وأوقف زخم الكلب فجأة بعنف، ليهدأ الكلب فورًا وينكمش على نفسه بمجرد أن شعر بغضب صاحبه.
“أوقف هذا!” هدَر براندون وانغ بلهجة قاسية ومتأففة، أكثر تجاه كلبه الفاشل في الانضباط منه تجاه الفتاة المرتعبة. كان غاضبًا من هذا الخرق غير المقبول للروتين الصباحي المثالي الذي يفرضه على حياته.
ثم رفع نظره عنها. غضبه من الكلب تحول فورًا إلى انزعاج من وجودها في طريقه، من هذا المشهد العاطفي غير الضروري. لكن نظره اصطدم بعينيها.
رأى عينين واسعتين، بلون الشاي الصافي، ترتعشان من خلف غشاء من الدموع. فيهمًا خوف طفولي جوهري، خامًا ونقيًا لدرجة أنه لم يصادف مثله في عالمه المصنوع من الفولاذ والزجاج والأرقام. ذلك الخوف اخترق بسهولة مُخجلة حواجزه، وتسلل تحت جلده البارد مباشرة إلى أحشائه.
وشعر بها. هزة. عنيفة، غير مألوفة، ومقرفة بالنسبة له. كان يشعر كما لو أن سكينًا ثلجيًا حادًا طعن أعصابه المتجمدة. لم يَهُزّه المشهد، بل أغضبه بعنف. كيف تجرؤ هذه الغريبة، بهذه النظرة الضعيفة السخيفة، على زعزعة سيطرته على مشاعره التي أمضى سنوات في صقلها وتجميدها؟ من تكون حتى تفعل ذلك؟
“لا تخافي ! إنه لن يعضك.” قال بصوت منخفض، بارد، ومشحون بتهكم غير معلن. كلماته كانت قاسية، محاولًا سحق ذلك الإحساس الغريب الذي انبعث داخله. لقد حوّل انزعاجه الداخلي إلى نبرة اتّهام، وكأن خوفها هو الخطأ .
لكنها لم تسمعه. أو ربما سمعت القسوة في صوته فازداد رعبها. تنفسها كان متقطعًا، وعيناها لا تزالان مثبتتين على الكلب.
في النهاية، عندما أدركت أن الخطر قد زال، لم تنظر إليه. لم ترَ ملامحه الحادة والصارمة، ولا نظراته التي تخفي عينين قاسيتين. كل ما فعلته هو أن التقطت أنفاسها، التفتت ببطء، ومشت بخطوات سريعة غير منتظمة مبتعدة، بينما يداها لا تزالان ترتجفان.
براندن وانغ وقف مكانه، مقطب الحاجبين، وهو يشاهدها تفر. لم يشعر بالندم أو التعاطف. بل كان يشعر بغليان غاضب في داخله. غضب من كلبه، من الصباح الذي انقلب رأسًا على عقب، ومن تلك الفتاة التي نظرت إليه بعيني طفل ضائع.
وأكثر من كل ذلك، كان غاضبًا من نفسه. من تلك الهُزَّة الغبية، غير المنطقية، والمهينة.
التفت إلى كلبه، ونظر إليه نظرة جليدية جعلت الكلب ينكمش بخضوع.
“إلى البيت. الآن.” أمره، صوته مثل الصقيع.
ومشى بعيدًا، محاولًا أن يجمد مرة أخرى ذلك الجزء من داخله الذي ذاب للحظة واحدة مزعجة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"