كانت شمس العصر تميل نحو الاصفرار حين التقت شين يوي بصديقتها مي لينغ في مقهى الجامعة الصغير. مكان بسيط بكراسي بلاستيكية وطاولات خشبية قديمة، لكنه كان ملاذهن الوحيد للهروب من صخب الحياة.
جلست شين يوي تمسك بكوب الشاي الساخن بكلتا يديها، تحدق فيه وكأنها تبحث عن إجابات في أعماقه.
“ما بك؟” سألت مي لينغ بقلق. “منذ جلسنا وأنت شاردة.”
رفعت شين يوي رأسها. ترددت للحظة. ثم بدأت تحكي.
حكت عن الكلب في صباح اليوم الأول. عن خوفها الذي جمدها مكانها. عن الرجل الذي أوقف الكلب ونظر إليها. عن عيونه خلف النظارة التي لم تنتبه لها وقتها.
ثم حكت عن مبنى الإدارة. عن المغلف. عن تسللها. عن الرجل الذي ظهر فجأة ورآها تخرق القوانين. عن نصيحته بقلب المغلف. عن تمنيه لها بالتوفيق.
“الأغرب…” همست شين يوي وخديها يحمران خجلًا. “لقد عرف اسمي. قرأه على المغلف. ثم قال: بالتوفيق في المسابقة… آنسة شين يوي.”
ساد صمت قصير.
مي لينغ كانت تحدق بها وعيناها تتسعان تدريجيًا.
“صفي لي ملامحه.” قالت فجأة بصوت جاد.
ترددت شين يوي. “طويل القامة… أسود الشعر… يرتدي بدلات أنيقة… نظارة بإطار معدني رفيع… عيونه…” توقفت تتذكر. “عيونه حادة، لكن فيها شيء غريب… نظرة ثاقبة.”
صمتت مي لينغ للحظة. ثم انحنت إلى الأمام.
“هل كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة؟”
اتسعت عينا شين يوي. “نعم… كيف عرفتِ؟”
لم تجب مي لينغ. تابعت أسئلتها: “وهل كان يبدو في أواخر العشرينات؟ واثقًا جدًا من نفسه؟ وكأنه لا يشبه الأساتذة العاديين؟”
بدأت شين يوي تشعر بقلق غريب. “نعم… مي لينغ… من يكون؟”
أغلقت مي لينغ عينيها للحظة، ثم فتحتهما محدقة في صديقتها بنظرة لا تصدق.
“شين يوي…” قالت بصوت منخفض. “أنت تتحدثين عن براندون وانغ.”
صمت.
صمت مطبق.
شين يوي كانت تحدق بها وكأنها سمعت صوتًا قادمًا من كوكب آخر.
“ماذا؟”
“براندون وانغ.” كررت مي لينغ ببطء. “أصغر شريك في مجموعة ‘يونغلي’ الاستثمارية.واحد من اغنى أثرياء بيكين . ظهر غلاف مجلة فوربس الشهر الماضي. وهو…” توقفت للحظة. “وهو المحاضر الجديد في كلية الاقتصاد… انتظري لحظةسأريك صوره على أغلفة المجلات “
امسك مي لينغ الهاتف وبدأت تعرض صوره على اغلفة المجلات . و في الصحف الرسمية للاقتصاد . و بعدها من مقابلات تلفزيونية .
سقط الفك السفلي لـ شين يوي.
” هل قلت انه ايضا يعطي محاضرة هنا .. ؟”
“نعم! لقد حضر محاضرته الأولى مئات الطلاب. الكل يتحدث عنه. صورته منتشرة في كل مكان. كيف لم تريه؟”
شعرت شين يوي بالغثيان. لا، ليس غثيانًا. شيئًا أسوأ. مزيجًا من الخجل والرعب والارتباك.
“يا إلهي…” همست.
رجل بهذه المكانة و بهذه الثروة و الأهمية. رآها مرتين. في المرتين كانت في أسوأ حالاتها. و كل مرة أسوأ من الأخرى
المرة الأولى: متجمدة من الخوف من كلب.
المرة الثانية: تتسلل إلى مكتب الإدارة كاللصوص.
غطت وجهها بكفيها. “أريد أن أختفي.”
لكن مي لينغ لم تتوقف. “انتظري… هو قال لكِ بالتوفيق؟ ونصحك بقلب المغلف؟ وكان لطيفًا معكِ؟”
أومأت شين يوي برأسها من خلف كفيها.
صمتت مي لينغ للحظة. ثم قالت بصوت مليء بالدهشة:
” لا اعتقد انه كون انطباعا سيئا عنك إذن “
رفعت شين يوي رأسها. عيناها واسعتان.
“ماذا تقصدين؟”
هزت مي لينغ كتفيها. “لا أعرف. لكن يبدو أنكِ تركتِ انطباعًا عنده. ليس انطباعًا سيئًا كما تظنين.”
ضحكت شين يوي ضحكة عصبية. “بالطبع هو سيئ! لقد رآني في وضع مخيف ومحرج!”
صمتت شين يوي. لم تكن قد فكرت في الأمر بهذه الطريقة.
“ربما…” همست. “ربما كان يشعر بالمسؤولية لأن كلبه أخافني في المرة الأولى.”
نظرت إليها مي لينغ بنظرة “هل تصدقين هذا الكلام؟”
” لا جدوى من متابعة التفكير بالأمر . لقد كان لقآانا بمحض الصدفة ؛ و لا اعتقد انني سأقابله على كل حال مجددا .”
” اذن تظاهري فحسب أن لا شيء حدث ”
ابتسمت الصديقتان و بدأتا باحتساء الشاي الساخن .
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"