كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً حين عاد براندون وانغ إلى شقته الفاخرة في الطابق الخامس والثلاثين من البرج الزجاجي.
خلع سترته وألقاها على الكرسي الجلدي قرب النافذة. فك أزرار قميصه وهو يتجه نحو الحمام. الماء الساخن انهمر على جسده المتعب، لكن رأسه لم يتوقف عن العمل.
كان يفكر فيها .
و في ذلك الصوت الخافت: “شكرًا…”
تردد الصوت مرارا على أذنيه . لقد سمع صوتها لأول مرة رغم أنه كافح لالتقاط خامته الناعمة و اللينة.
أغلق الماء وخرج.
لف جسده برداء الحمام الأبيض الناعم، و ربطه عند وسطه. شعر الأسود المبلل كان لا يزال يتدلى على عينيه بشكل عشوائي، وقطرات الماء لا تزال تتساقط من أطرافه على كتفيه وعلى الرداء الأبيض الذي بدأ يبتل عند الأكتاف.
كان منظرًا غير معتاد لرجل معتاد على الكمال والترتيب. الآن بدا… طبيعيًا. بشريًا.
لكنه لم يهتم.
لم يهتم بتجفيف شعره و لا بارتداء ثياب مناسبة. مشى حافي القدمين نحو غرفة النوم، تاركًا آثار أقدام مبللة على الأرضيات الرخامية.
جلس على حافة السرير.
مد يده إلى الهاتف على الطاولة الجانبية.
تردد للحظة. جزء منه كان يصرخ: “ما الذي تفعله؟ هذا جنون! هذا ليس منك!”
لكن جزءًا آخر… ذلك الجزء الذي ظل متجمدًا لسنوات طويلة… كان يهمس: “فقط اعرف أين تجدها. فقط هذا.”
أخيرا فتح الهاتف.
ولج الموقع الرسمي للجامعة.
بدأ بالبحث.
—
كان الموقع منظمًا، أكاديميًا، مليئًا بالإعلانات والمنشورات البحثية. لكنه لم يكن يبحث عن منشورات. كان يبحث عن شيء آخر.
ضغط على أيقونة “الكليات والأقسام”.
ظهرت قائمة: كلية الطب، كلية الهندسة، كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال… توقف عند هذا القسم للحظة. قسمه. لكنه تخطاه بسرعة.
واصل النزول حتى وصل إلى: كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
ضغط عليها.
ظهرت أقسام فرعية: التاريخ، الفلسفة، الإعلام… وأخيرًا: قسم الأدب الصيني.
ارتجفت يده قليلًا. ضغط على الرابط.
فتحت الصفحة. صور للمبنى، تعريف بالقسم، قائمة بأعضاء هيئة التدريس، ومنشورات عن الأنشطة الطلابية.
بحث عن أيقونة “اتصل بنا” أو “الموقع”. وجدها.
مبنى الآداب: المبنى رقم 7، الحرم الشرقي، خلف المكتبة المركزية.
حفظ العنوان في ذهنه. ثم أغلق الهاتف.
كان لأول مرة في حياته يريد أن يعرف أين يقع مبنى غريب لا علاقة له بعمله أو استثماراته.
كان لأول مرة يخطط لـ… ماذا؟ ماذا كان يخطط بالضبط؟
لم يعرف.
وقف هناك، وشعره يقطر على وجهه، يحدق في خريطة جامعية على هاتفه.
ثم فجأة، ضحك.
ضحكة قصيرة، جافة، غير معتادة.
“ما الذي أفعله بحق السماء؟” سأل نفسه بصوت عالٍ.
كان يعرف الان أين تدرس . كان يعرف أنها في الفرقة الأولى. كان يعرف اسمها. لكن ماذا بعد؟ هل سيبحث عنها بين مئات الطلاب؟ هل سينتظرها عند الباب كمراهق؟
شعر بسخافة الموقف. رجل في التاسعة و العشرين ، يدير شركات بمليارات الدولارات ، يقف أمام مبنى جامعي قديم، يبحث عن فتاة لا تعرف حتى من هو.
أغلق الهاتف. ثم ألقاه على السرير.
نظر حوله. الشقة الفاخرة الهادئة. الأثاث الإيطالي. الإضاءة الخافتة. المشهد البانورامي للمدينة من النافذة.
كل شيء كان مثاليًا.
كل شيء كان باردًا.
إلا ذلك الشيء الصغير في صدره. تلك الدفء الغريب الذي بدأ ينمو هناك منذ أن رأى عينيها للمرة الأولى.
أخيرا نهض و إلتقط منشفة و بدأ يجفف شعره .
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"