كانت شمس العصر تميل نحو الاصفرار حين عادت شين يوي إلى المبنى القديم حيث تسكن.
صعدت الدرج الخشبي الآخذ في الاهتراء، وكل درجة تصدر صريرًا تحت قدميها. وصلت إلى غرفتها في الطابق الخامس بشق الأنفس.
ألقت بحقيبتها على السرير، ووقفت للحظة تلتقط أنفاسها. مشهد ذلك الرجل في مبنى الإدارة لا يزال يتردد في رأسها. نظراته الباردة التي تحولت فجأة إلى… لطف؟ نصيحته بقلب المغلف و حتى طريقة نطقه لاسمها: الآنسة شين يوي.
هزت رأسها محاولة التخلص من الأفكار. لا وقت للتفكير في الغرباء. اليوم الخميس.
الخميس.
اتسعت عيناها فجأة. يوم الغسيل!
—
هرعت إلى زاوية الغرفة حيث كومة الملابس المتراكمة منذ الأسبوع الماضي. جمعتها بسرعة في كيس بلاستيكي كبير، ونزلت الدرج مسرعة نحو الطابق الأرضي حيث غرفة الغسيل المشتركة.
كانت غرفة صغيرة في بدروم المبنى، تضم غسالتين قديمتين ومجففًا لا يعمل إلا إذا ركلته برفق. الأنابيب المكشوفة في السقف تطلق أصواتًا غريبة، ورائحة المنظفات الرخيصة تفوح في الهواء الرطب.
فتحت باب الغسالة رقم واحد، وضعت الملابس، أضافت المسحوق، وأدارت الزر. بدأت الغسالة تدور بأصوات صرير عالية تعودت عليها.
جلست شين يوي على كرسي بلاستيكي مكسور في الزاوية، تنتظر.
كانت الغسالة تصدر صوتًا إيقاعيًا: دوش…. دوش…. دوش….
غمضت عينيها للحظة.
—
وفجأة، ضربتها الذكرى كصاعقة.
الكلب.
الكلب الكبير ذو الفراء البني الفاتح الذي كاد أن يصدمها في صباح اليوم الأول.
الرجل الذي أوقفه.
تلك اليد القوية التي أمسكت بمقبض العربة.
وتلك النظرة التي شعرت بها للحظة قبل أن تغرق في رعبها.
ذلك الرجل.
فتحت عينيها فجأة، وقلبها يدق بعنف.
كان هو نفسه.
الرجل في مبنى الإدارة. ذلك الشخص البارد، الصارم، الذي يرتدي البدل الأنيقة والنظارة ذات الإطار المعدني… هو نفسه صاحب الكلب في ذلك الصباح.
“يا إلهي…” همست بصوت مبحوح.
بدأت تسترجع المشهدين معًا.
في المرة الأولى، كانت متجمدة من الخوف، تحدق في كلبه وكأنه وحش كاسر. لم تكن حتى تنظر إليه. كانت تبدو كمجنونة تعاني اضطرابا ذهانيا لا تستطيع السيطرة على أعصابها.
وفي المرة الثانية… كانت تخرق القوانين و تتسلل إلى مكتب الإدارة كاللصوص، تضع ملفها خلسة وهي ترتجف من الخوف. وقد رآها في أقبح لحظاتها .
غطت وجهها بكفيها.
“لا… لا…”
مرت أمامه مرتين. في المرتين كانت في أسوأ حالاتها.الأولى ترتعد و كأنها مجنونة ثم الثانية مرتبكة، تخرق القوانين.
ماذا سيفكر عنها؟ ماذا يمكن أن يفكر أي إنسان عنها؟
بالتأكيد سيعتقد أنها فتاة تعاني اضطرابا نفسيا ربما و غير جديرة بالثقة. من النوع الذي يخاف من كلب ومن النوع الذي يتسلل إلى المكاتب الإدارية.
لكن…
توقفت للحظة.
لكنه لم يغضب. لم يبلغ عنها. لم يوبخها. بل على العكس… كان لطيفًا. نصحها بقلب المغلف و تمنى لها التوفيق.
لماذا؟
جلست هناك، تحدق في الغسالة التي تواصل دورانها، والأسئلة تتزاحم في رأسها.
من يكون هذا الرجل؟ ولماذا ظهر في حياتها فجأة مرتين بهذه الطريقة الغريبة؟
هل هو طالب دراسات عليا؟ لا، يبدو أكبر سنًا.
هل هو أستاذ في الجامعة؟ ممكن، لكنه لم يكن يرتدي ملابس الأساتذة التقليدية.
هل هو… شخص مهم؟
تذكرت البدلة الفاخرة، النظارة الغالية، الثقة التي يمشي بها.
شعرت بشيء غريب في صدرها. مزيج من الخجل والفضول… والخوف.
الخوف من أن يكون قد كون عنها انطباعًا سيئًا. فالانطباع الأول يدوم، أليس كذلك؟ والانطباع الثاني يؤكده.
لكن…
لكنه كان لطيفًا.
نهضت فجأة، واقتربت من الغسالة، تحدق في الملابس التي تدور خلف الزجاج الدائري كما تدور أفكارها في رأسها.
“ربما… ربما لن أراه مرة أخرى.” همست لنفسها محاولة طمأنتها. “بكين مدينة كبيرة. الجامعة كبيرة. الاحتمالات ضئيلة.”
لكن صوتًا داخليًا صغيرًا همس في أذنها: “لقد رأيته مرتين في أقل من أسبوعين. هل هي مصادفة؟”
أغلقت عينيها بشدة، محاولة كتم ذلك الصوت.
صوت الغسالة تغير. انتهى الدوران.
فتحت الغسالة، بدأت تخرج ملابسها المبللة، وتضعها في السلة.
كانت يداها لا تزالان ترتجفان قليلًا.
“الآنسة شين يوي… أراكِ قريبًا.”
—
هل هذه الصياغة مناسبة؟ الفصل يظهر ارتباك شين يوي الداخلي وتأخر إدراكها، ويبني التوتر للقاء القادم. أنتظر توجيهاتك.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"