خرج براندون وانغ من المدرج وسط همسات الإعجاب خلف ظهره هو يبتعد . كان مساعدوه ينتظرونه عند الباب الجانبي، يحملون حقيبته وهاتفه الذي اهتز برسائل لم يقرأها بعد.
“إلى المكتب، سيد وانغ؟” سأل لي وي، سكرتيره، وهو يفتح تطبيق المواصلات.
كان على وشك الإجابة عندما ظهرت فجأة شخصية مألوفة. رجل في الستينيات من عمره .
البروفيسور تشن، عميد كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال.
“سيد وانغ! سيد وانغ!” ناداه بصوت دافئ، ويداه ممدودتان للترحيب. “محاضرة رائعة! رائعة حقًا! لقد رفعتم سقف التوقعات عاليًا جدًا لبقية الأساتذة!”
توقف براندون وأدار جسده ببطء نحو العميد. ابتسامته الرسمية الخفيفة لم تصل إلى عينيه.
“شكرًا جزيلًا، سيدي العميد. تقديركم يعني لي الكثير.”
وضع البروفيسور تشن يده على كتفه بحرارة الأكاديميين الذين يعتقدون أن العلاقات الإنسانية تبنى باللمس. “لا يمكن أن أتركك تذهب هكذا. الوقت ظهيرة، والجو جميل. عندي في المكتب مجموعة ممتازة من شاي ‘لونغ جينغ’، أهداني إياها بروفيسور هان خبير الاعشاب . شاركني كوبًا، أرجوك.”
توقف براندون للحظة. كان يريد العودة إلى مكتبه و أرقامه في أسرع وقت . لكنه كان يعرف قواعد اللعبة جيدًا. العميد لم يكن يدعوه للشاي فقط. كان يريد تعزيز العلاقة مع الممول الأول للجامعة. وكان على براندون، كرجل أعمال ذكي، أن يقبل الدعوة .
نظر إلى مساعديه. “اذهبوا. سأتصل بكم لاحقًا.”
تردد لي وي للحظة. “لكن سيد وانغ…”
“اذهبوا.” كررها بصوت أكثر حزمًا.
انصرف المساعدان، وتركاه مع العميد الذي ابتسم ابتسامة عريضة.
“تفضل، تفضل. مكتبي في الطابق الثالث، له إطلالة جميلة على حديقة الجامعة.”
—
كان مكتب العميد فسيحًا، مليئًا بالكتب والمخطوطات القديمة، تفوح منه رائحة الحبر الصيني والورق العتيق. جلس براندون على كرسي خشبي ثقيل، بينما انشغل البروفيسور تشن بإعداد الشاي بطقوسية المتذوقين الحقيقيين.
“هذا الشاي من جبل ‘لونغ جينغ’ في تشجيانغ.” قال العميد وهو يصب الماء الساخن على الأوراق الخضراء. “أوراقه تُقطف في الربيع قبل شروق الشمس. رائحته تشبه رائحة الكستناء المحمصة.”
أخذ براندون الكوب الصغير بيديه، ورفعه إلى أنفه. الرائحة كانت فعلاً جميلة. لكنه لم يكن في مزاج للاستمتاع.
“أخبرني، سيد وانغ.” بدأ العميد وهو يجلس مقابل له. “ما رأيك حقًا في طلابنا؟ هل وجدت فيهم شيئًا يستحق الاهتمام؟”
فكر براندون للحظة. تذكر الوجوه المتحمسة، الأسئلة الذكية و الإعجاب في العيون.
“لديهم فضول جيد. ذكاء سريع. لكنهم…” توقف لاختيار الكلمات المناسبة. “يحتاجون إلى أن يفهموا أن العالم خارج هذه الجدران لا يرحم. الأرقام لا تكذب، لكنها أيضًا لا تعطف.”
أومأ العميد برأسه بتفكير. “صحيح. صحيح جدًا. لهذا نحتاج أمثالك. لتعلموهم قسوة الواقع، ولكن أيضًا… جمال المعرفة.”
ضحك براندون ضحكة قصيرة. “جمال المعرفة؟ الأرقام جميلة فقط حين تكون في صالحك.”
ضحك العميد أيضًا. ثم صمت للحظة، ونظر إلى براندون بنظرة أكثر عمقًا.
“أنت شاب ناجح جدًا، سيد وانغ. لكني ألاحظ في عينيك شيئًا… فراغًا. كأنك تبحث عن شيء لم تجده بعد.”
تصلب براندون قليلًا. كره أن يقرأه أحد بهذه السهولة. العميد كان يرى ما يحاول إخفاءه حتى عن نفسه.
“أنا رجل أعمال، سيد العميد. هدفي واضح: النجاح.”
“النجاح.” كرر العميد الكلمة ببطء. “النجاح مثل هذا الشاي. يمكنك شربه بسرعة لتطفئ ظمأك. لكن متعة الحقيقية تأتي عندما تتذوقه ببطء، عندما تشعر بدفئه في صدرك، عندما تشاركه مع من تحب.”
صمت براندون. لم يجد ردًا.
نظر العميد من النافذة إلى الحديقة بالأسفل، حيث كان الطلاب يتناثرون في مجموعات، يضحكون ويتحدثون. ثم قال بهدوء:
“الحياة ليست أرقامًا فقط، هناك أشياء لا تُحسب. أشياء تُشعر. لا تنسَ ذلك.”
مرت كلمات العميد عبر جدار براندون الجليدي كنسيم دافئ.
ما الذي يمكن أن يعنيه العميد؟ أشياء لا تُحسب، لكنها تُشعر؟
هز رأسه بخفة، محاولًا التخلص من الفكرة. أخذ رشفة من الشاي، وابتسم ابتسامة رسمية.
“شاي ممتاز حقًا، سيد العميد. أشكرك على كرم الضيافة.”
أدرك العميد أن الرجل لن ينفتح أكثر. ابتسم ابتسامة حكيمة، ورفع كوبه.
“في الصحة والعافية، سيد وانغ. وأهلاً بك دائمًا في جامعتنا.”
—
بعد نصف ساعة، خرج من مبنى الإدارة. كان الظهيرة قد تحولت إلى وقت متأخر بعد الظهر . كان وقت الغذاء بالفعل . المكان الذي كان يعج بالطلاب صار الان شبه فارغ .
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"