فتح الباب على غرفة واسعة، أكبر من بيت شين يوي بالكامل في قريتها. جدرانها مطلية باللون الأزرق الفاتح، وفي إحداها شاشة ضخمة معلقة متصلة بجهاز ألعاب حديث. الأرفف ممتلئة بمجسمات أبطال خارقين، وكتب بالإنجليزية مبعثرة على الأرض. وفي وسط الغرفة، على أريكة دائرية غريبة الشكل، كان ليام جالسًا، ممسكًا بجهاز تحكم، وعيناه مثبتتان على الشاشة حيث تتفجر الألوان وتتصادم الشخصيات.
لم ينظر إليهما عندما دخلتا.
“ليام.” قالت السيدة تشانغ بصوت حاد. أوقف اللعبة على مضض، والتفت نحوهم بنظرة متذمرة.
كان صبيًا نحيلًا، يرتدي تيشيرت أسود عليه شعار فرقة موسيقية إنجليزية، وشعره الأسود يغطي جبينه. عيناه تشبهان عيني أمه، لكن فيهما تحدي واضح وملل قاتل.
“هذه الأستاذة الجديدة. اسمها شين يوي. ستعلمك اللغة الصينية.” قالت الأم باختصار.
نظر إليها ليام للحظة، ثم أعاد عينيه إلى الشاشة. “I don’t need a tutor. My Chinese is fine.”
انقبض قلب شين يوي. لهجة أمريكية خالصة، ونظرة ازدراء واضحة. كانت تعرف أن هذه هي اللحظة الحاسمة.
السيدة تشانغ شهقت بانزعاج، وفتحت فمها لتوبخه، لكن شين يوي سبقتها بصوت خافت ولكن واضح:
“لا بأس. أنا أيضًا لا أحب الدروس.”
توقف الجميع. حتى ليام التفت لينظر إليها بشيء من الفضول.
“ماذا؟” سأل بالإنجليزية.
ابتسمت شين يوي ابتسامة خفيفة، وجلست على الأرض أمامه مباشرة، دون أن تطلب إذنًا. كانت حركة غير متوقعة، كسرت كل بروتوكولات العلاقة بين معلمة وتلميذ.
“أنا لا أحب الدروس المملة.” كررت بالصينية ببطء، ثم ترجمت لنفسها بالإنجليزية المكسرة التي تعلمتها في المدرسة: “I… no like… boring lessons.”
ضحك ليام ضحكة قصيرة. “Your English is worse than my Chinese.”
“أعرف.” قالت وهي تبتسم. “لهذا سأعلمك الصينية، وستعلمني أنا الإنجليزية؟ صفقة؟”
نظر إليها بتوجس. “I’m not teaching you anything.”
هزت كتفيها. “كما تريد. لكن لدي شيء أفضل من الدروس.”
فتحت حقيبتها الصغيرة، وأخرجت… لا شيء. لم تكن قد أحضرت أي كتب أو وسائل تعليمية. كانت تنوي فقط التعرف عليه اليوم.
لكنها لم تيأس.
“هل تسمح لي أن أحكي لك قصة؟” سألت بهدوء.
“No.”
“قصة عن أرنب مغرور وسلحفاة ذكية.”
توقف للحظة. ثم أدار عينيه نحوها بفضول رغم نفسه. “I know that story. The Tortoise and the Hare. It’s boring.”
“ليس هذه القصة.” قالت شين يوي وغمزت بعينها. “قصة مختلفة. قصة كان والدي يحكيها لي كل ليلة قبل النوم.”
كان هناك شيء في صوتها عندما ذكرت والدها. نعومة وحنين خفيف جعل ليام يصمت. حتى السيدة تشانغ، التي كانت واقفة عند الباب، توقفت عن التدخل.
بدأت شين يوي تحكي.
كانت تحكي بالصينية، ببطء، وبكلمات بسيطة. كانت تستخدم يديها لترسم في الهواء مشاهد القصة. كانت تغير نبرة صوتها لتجسد الشخصيات. أرنب متعجرف يتحدث بسرعة. سلحفاة حكيمة تتحدث ببطء وثقة. وفي كل مرة تذكر حيوانًا، كانت تشير إلى نفسها أو إلى ليام، وتكرر الكلمة بالصينية مع ترجمتها السريعة بالإنجليزية.
“الأرنب… rabbit… يقول للسلحفاة: أنا أسرع منك!”
“السلحفاة… turtle… تبتسم وتقول: ربما، لكنني أصل دائمًا.”
كان ليام ينصت رغم نفسه. بدأ يتابع حركات يديها. بدأ يحاول فهم الكلمات الجديدة. وفي منتصف القصة، عندما وصلت إلى جزء مضحك حيث يتعثر الأرنب في حفرة لأنه كان نائمًا، ضحك. ضحكة حقيقية. لقد كان يكافح ليواكب أطوار كل مرحلة من القصة . حتى لو عنى ذلك محاولة فهم الكلمات الصينية.
“He fell? Into a hole?” سأل بالإنجليزية، ثم توقف محاولًا تذكر الكلمة التي كررتها مرارًا. “حفرة… hole?”
اتسعت عينا شين يوي فرحًا. “نعم! حفرة! أحسنت!”
أكملت القصة، وهو يتابع بشغف. وعندما انتهت، كان قد تعلم خمس كلمات جديدة دون أن يشعر. كان قد نطقها وحاول تقليدها. وعندما أخطأ، ضحكت معه وصححت له بلطف.
“هل تعجبك القصة؟” سألت.
“إنها… okay.” قال بلامبالاة مصطنعة، لكن عينيه كانتا تقولان عكس ذلك.
نهضت شين يوي ببطء. “حسنًا. في المرة القادمة، سأحكي لك قصة أخرى. عن قرد شقي يسرق الخوخ من الجنة.”
توقف ليام. “Monkeys stealing peaches? Really?”
غمزت له. “بالصينية فقط. إذا أردت أن تعرف ماذا يحدث، يجب أن تفهم.”
تركته يفكر في ذلك، وانصرفت مع السيدة تشانغ التي كانت صامتة طوال الوقت.
عند الباب، التفتت الأم إليها. للحظة، بدت ملامحها أقل صلابة.
“الاسبوع القادم، الساعة الرابعة.” قالت باختصار، لكن عينيها كانتا تقولان شيئًا آخر: “لقد نجحتِ في الامتحان الأول.”
خرجت شين يوي إلى شارع الأثرياء، والشمس تميل نحو المغيب. كانت متعبة، مرتعشة قليلًا من التوتر، لكنها كانت تبتسم.
لم تشترِ حاسوبها بعد. لكنها وجدت شيئًا آخر: ثقة جديدة بأنها تستطيع فعل شيء جيد.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"