1
دوى صوت القطار السريع يختزل المسافات بين الحواضر الصينية قبل أن يتوقف في محطة بيكين الكبرى. استيقظت شين يوي على صوت الميكروفون يبلغهم بالوصول لوجهتهم . قامت مفزوعة عندما استذكرت أنها الان قد وصلت لمحطتها الأخيرة . سحبت حقيبة ملابسها و مضت نحو بوابة الخروج و هي تتعثر في المارة الذين تزاحموا على اعتاب البوابة . كانت المحطة تغص بالمسافرين في حركة دؤوبة و بدا على الجميع الاستعجال و الانهماك في محاولة اللحاق بشيء . مما جعل شي يوي تشعر بالغرابة ، خلافا لقريتها الهادئة حيث الناس يعيشون بهدوء و تصالح مع الوقت ، كان الناس هنا في سباق حثيث مع كل شيء .
ماهي الا لحظات حتى وجدت نفسها على الرصيف المؤذي للباب الضخم للمحطة . و سرعان ما اندمجت مع الحشد لتصبح رقما بشريا اخر من سكان بيكين المأهولة.
——–
توقفت سيارة الأجرة عند مبنى قديم من خمسة طوابق ، نظرت شين يوي نحو المبنى المهرئ . دفعت أجرة السائق و دلفت للخارج و هي مثقلة بحقبيتها . وقت ولجت للداخل كان المبنى مهترئ و لا يحتوي حتى على مصعد كهربائي فكان عليها ان تكافح و هي تجر الحقيبة الثقيلة عبر الدرج للطابق الخامس .
وصلت لباب غرفتها المؤجرة و هي تلهث و تكافح لالتقاط انفاسها . فجأة تناهى إلى مسامعها صوت صاحبة المبنى .
” اهلا بك، لقد قمت بتهوية الغرفة من أجلك . كما تعلمين نحن نحترم طلبة العلم هنا ”
بادلتها شين يوي بابتسامة خجولة
” شكرا لك سيدتي . ممتنة للطفك”
رمقتها سيدة المبنى بنظرة فاحصة .
” لا تنسي أن الدفع سيكون دائما بداية الشهر . لا أحب الطلبة الذين يتأخرون بالدفع بذريعة ضيق أحوالهم المادية ”
كانت نبرتها حادة هذه المرة
“حاضر سيدتي”
اجابت شين يوي بصوت مرتجف بعد ان لمحت نبرتها التي بدت كتهديد الان .
” لا تنسي ، لديك الحق في استخدام غرفة الغسيل مرتين في الأسبوع . اذا تخلفت عن الموعد سيكون عليك ارتداء ملابسك المتسخة للجامعة ”
“ح حسنا ” اجابت شي يوي و هي تنحني
لم يكن أماها خيار آخر . كانت هذه الغرفة الوحيدة التي تناسب ميزانيتها المحدودة. لهذا كان عليها ان تبتلع لؤم صاحبة المبنى و تتماشى مع الوضع قدر الإمكان .
بعد ان انصرفت صاحبة المبنى ، ادارت شين يوي المفتاح في مقبض الباب و بعد محاولا متوالية اخيرا فتح . كانت الغرفة ضيقة و رغم زعم صاحبة المبنى أنها فتحت النوافذ للتهوية كانت النوافذ بالفعل مقفولة و رائحة الرطوبة جعلت المكان خانقا .
كانت بيكين الكبرى مدينة عظيمة و منذ لحظة وطأت قدمها محطتها شاهدت المباني الشاهقة المناطحة للسماء . و الجسور المعلقة ، كل شيء كان مذهلا يخطف الانفاس . لكن بالنظر إلى الغرفة الضيقة في المبنى المهترئ كان الأمر يناقض ما بدا لها من فخامة المدينة. من يراها لن يعتقد ابدا ان سكانها يعيشون في هذه الرقعة الضيقة الأشبه بالزنزانة .
توالت عليها ذكريات الريف حيث تمتد السهوب و الحقول المترامية على مرمى البصر . و كانت غرفتها لوحدها في منزل والديها تعادل مساحة هذه الغرفة عشر مرات . الان كان عليها ان تتأقلم مع هذا الحيز الضيق . و سيكون عليها ان تتحمل لؤم صاحبة المبنى أيضا . لكن كل هذا يكمن تحمله طالما ان حلمها في ان تلتحق بجامعة بيكين العظمى صار حقيقة . تخيلت نفسها لوهلة كاتبة مغمورة تجول العالم ل لقاء المعجبين . اغلقت عينيها و استرسلت في الأحلام . قبل أن تصرخ بصوت مرتاع و هي تنظر إلى صرصور بارز من احدى شقوق الحائط .
التعليقات لهذا الفصل " 1"