4
اللهم احرمني لذة معصيتك، وارزقني لذة طاعتك، اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم فرّج همي ويسرّ أمري وارحم ضعفي وقلة حيلتي وارزقني من حيث لا أحتسب يارب العالمين
※استمتعوا※
🦋—————🦋
مرت الأيام بعد حديث الكونتيسة ماريانا ببطء ثقيل، وكأن كلماتها لم تكن مجرد نصيحة بل حكمًا صدر على حياة أسينا بأكملها.
“وظيفتك هي إنجاب وريث.”
الجملة تتردد في رأسها كل ليلة قبل أن تنام، وكل صباح عندما تستيقظ في السرير الكبير البارد الذي لا يشاركه معها أحد. تعلق في الهواء كغبار لا يزول، تلتصق بجدران غرفتها، تتسرب إلى أحلامها.
لم يكن إدريان قد عاد للنوم في تلك الغرفة منذ ليلة زفافهما.
كانت تعرف أين ينام في غرفة صغيرة في الطرف الآخر من الممر. كانت ترى الضوء ينطفئ تحت بابه كل ليلة، وتستيقظ على صوت خطواته في الصباح الباكر وهو يغادر قبل أن تشرق الشمس.
في البداية، حاولت أسينا أن تقنع نفسها أن الأمر مؤقت. أنه يحتاج وقتًا فقط. أنه يعاني من جرح قديم يحتاج لأن يلتئم.
كانت تحاول أن تبقى لطيفة معه هادئة، متفهمة، لا تزعجه، لا تضغط عليه.
لكن الأيام بدأت تتشابه بطريقة مؤلمة.
كانت تمر به في الممرات، فيلقي عليها تحية قصيرة قبل أن يكمل طريقه.
كانا يتناولان الطعام معًا أحيانًا على طاولة طويلة في قاعة الطعام في صمت رسمي مهذب، ثم يختفي في مكتبه أو يخرج لتفقد أراضيه.
كان حاضرًا في القصر، لكنه بعيد عنها تمامًا كأن بينهما محيطًا لا يمكن عبوره.
ومع مرور الأسابيع، بدأت نظرات الخدم تتغير.
لم تعد مجرد فضول صامت. أصبحت شيئًا آخر شيئًا يشبه الشفقة أحيانًا، والهمسات أحيانًا أخرى.
كانت أسينا تمشي في الممرات، فتسمع صمتًا مفاجئًا عندما تقترب من مجموعة من الخادمات.
كانت تلتقي بأعينهن للحظة، فينظرن بعيدًا بسرعة.
بدأت تشعر أن الجميع يعرف.
أن الجميع يرى الحقيقة التي تحاول هي تجاهلها.
أن كونتيسة فالروك الجديدة ليست زوجة حقيقية.
***
في أحد الأيام الرمادية كانت السماء مغطاة بغيوم كثيفة تهدي بالمطر وصل رسول من عائلتها يحمل رسالة قصيرة دعوة لزيارتهم.
لم تكن أسينا قد عادت إلى منزل عائلتها منذ زفافها.
شهران كاملان وهذا أول مرة تخرج فيها من قصر فالروك.
عندما دخلت العربة التي ستأخذها إلى هناك، شعرت بشيء غريب في صدرها. خليط من الارتياح والقلق.
كان المنزل الذي نشأت فيه يبدو مألوفًا وآمنًا في ذاكرتها مكان دافئ، حيث كانت طفولتها، حيث كانت تشعر أنها محمية.
لكن عندما وصلت إلى قصر عائلة ألدير الصغير، شعرت فجأة أنها لم تعد تنتمي تمامًا إلى ذلك المكان أيضًا.
وقفت تنظر إلى الباب الخشبي القديم نفس الباب الذي دخلت منه آلاف المرات وشعرت للحظة أنها غريبة.
استقبلتها والدتها عند الباب بابتسامة واسعة واحتضان سريع.
” أسينا! اشتقت إليك كثيرًا.”
احتضنتها أسينا بلطف. شعرت برائحة والدتها نفس رائحة الخزامى التي كانت تفوح منها دائمًا وشعرت للحظة بشيء من الأمان القديم.
لكنها سرعان ما شعرت بشيء آخر.
عينا والدتها كانتا تراقبانها بحدة. تفحصان وجهها، جسدها، حركاتها .
***
بعد العشاء، عندما انسحب الخدم وبقيت الأم وابنتها وحدهما في غرفة الجلوس، بدأت الأسئلة التي كانت أسينا تعرف أنها ستأتي.
كانت المدفأة مشتعلة تلقي ضوءًا برتقاليًا دافئًا على الجدران المغطاة بورق الجدران القديم. كان الظلام قد حل خارج النافذة، والمطر بدأ يتساقط بخفة على الزجاج.
سألتها والدتها وهي تقلب ملعقة الشاي في الكوب بصوت خفيف
“كيف هو القصر؟”
” كبير… وهادئ.”
ابتسمت المرأة قليلاً.
” وإدريان؟”
ترددت أسينا للحظة. شعرت بغصة في حلقها.
ثم قالت بصوت خافت
“إنه… محترم.”
توقفت الملعقة في يد والدتها فجأة.
رفعت عينيها ببطء ونظرت إلى ابنتها.
“محترم؟”
كان في صوتها شيء من الشك والاستنكار.
ثم قالت مباشرة
” أسينا.”
رفعت الفتاة رأسها.
” هل تنامان معًا؟”
اتسعت عينا أسينا قليلاً. شعرت بوجهها يحترق.
لم تكن تتوقع السؤال بهذه الصراحة. بهذه الوقاحة تقريبًا.
خفضت نظرها إلى فنجان الشاي في يديها. كانت تحدق في السائل الداكن وكأنها تبحث عن إجابة فيه.
لم تجب.
لكن صمتها كان أبلغ من ألف كلمة.
وضعت والدتها الكوب على الطاولة بقوة خفيفة ضربة صغيرة لكنها كانت كافية.
” لا تقولي لي…”
توقفت لحظة. ثم همست بحدة صوت منخفض حاد لا يسمعه سواهما
“أنه لم يلمسك حتى الآن.”
بقيت أسينا صامتة.
ثم قالت أخيرًا بصوت ضعيف صوت طفلة تعترف بذنب لم ترتكبه
” إنه… لا يريد.”
ساد صمت قصير في الغرفة.
لكن هذه المرة لم يكن صمتًا متفهمًا. لم يكن ذلك الصمت الذي يسبق كلمات المواساة.
كان صمت استياء.
قالت والدتها ببرود برودة لم تسمعها أسينا في صوت أمها من قبل
” هذا غير مقبول.”
رفعت أسينا عينيها بسرعة. كانت عيناها واسعتين، بريئتين، تلمعان بالدموع التي تحاول ألا تسقط.
“أمي…”
لكن المرأة لم تدعها تكمل.
” هل تعرفين كم كان هذا الزواج مهمًا لعائلتنا؟”
خفضت أسينا رأسها. شعرت بالكلمات تضربها كالصفعات.
” نعم…”
تابعت المرأة، وصوتها يعلو قليلاً
” هل تعتقدين أن زواجًا سياسيًا ينجح بالابتسامات فقط؟ بالصبر الجميل؟”
لم تجب أسينا. ماذا يمكنها أن تقول؟
تنهدت والدتها ببطء تنهد امرأة فقدت صبرها ثم نهضت من مكانها.
توجهت إلى خزانة صغيرة قرب الجدار. فتحت الدرج السفلي الدرج الذي كان مقفلاً دائمًا في طفولة أسينا، حيث كانت تعتقد أن أمها تخبئ الحلويات وأخرجت منه شيئًا صغيرًا.
زجاجة صغيرة من الزجاج الداكن.
عادت وجلست أمام أسينا.
وضعت الزجاجة على الطاولة بينهما.
نظرت أسينا إليها بحيرة. كانت الزجاجة صغيرة بحجم إصبعها تقريبًا مصنوعة من زجاج داكن لا يرى ما بداخلها.
” ما هذا؟”
قالت والدتها ببساطة مخيفة
“دواء.”
رفعت أسينا عينيها إليها. شعرت بقلبها يبدأ في الخفقان بسرعة.
” دواء… ماذا؟”
ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة.
” منشط.”
لم تفهم أسينا فورًا. نظرت إلى الزجاجة، ثم إلى أمها، ثم إلى الزجاجة مجددًا.
لكن عندما فهمت المعنى…
احمر وجهها بالكامل. شعرت بحرارة تغمر وجهها ورقبتها حتى أذنيها.
” أمي!”
خفضت المرأة صوتها قليلاً ،نظرة حادة تذكرها بأن لا أحد يجب أن يسمع.
” استمعي إلي جيدًا.”
دفعت الزجاجة قليلاً نحوها.
” ضعي بضع قطرات في شرابه.”
تجمدت أسينا.
شعرت كأن الهواء في الغرفة تلاشى فجأة. كأن المدفأة توقفت عن إشعال النار.
نظرت إلى الزجاجة الصغيرة على الطاولة تلك القطعة الزجاجية الصغيرة التي تحمل في داخلها شيئًا لا تستطيع حتى تخيله.
” لا أستطيع فعل ذلك.”
ردت والدتها ببرود نفس البرودة التي في عيني الكونتيسة ماريانا
” بل تستطيعين.”
ثم أضافت بوضوح شديد كلمات تقطع كالسكين
” إذا أنجبت طفلًا، سيتغير كل شيء.”
هزت أسينا رأسها بضعف. كانت تشعر أنها تغرق، أن الأرض تتحتها تتحرك.
” لكن… هذا خطأ.”
تنهدت المرأة وقد تعبت من سذاجة ابنتها وكأنها تتحدث إلى طفلة لا تفهم كيف يعمل العالم.
” أسينا.”
انحنت قليلاً نحوها. اقترب وجهها من وجه ابنتها حتى كادت أنفاهما تلامسان.
“الرجال لا يقعون في الحب بالكلمات.
الرجال يقعون في الحب عندما يشعرون أن المرأة أصبحت جزءًا من حياتهم.”
أشارت إلى الزجاجة الصغيرة.
” طفل سيجعلك جزءًا من حياته.”
بقيت أسينا تحدق في الزجاجة.
كان قلبها يخفق بعنف دقات سريعة متلاحقة كأنها تريد الهرب من صدرها.
كانت تعلم أن الأمر خاطئ.
تعلم في أعماقها أن هذه ليست الطريقة.
تعلم أن ما تفكر فيه يقربها من الهاوية.
لكن…
تذكرت كلمات الكونتيسة ماريانا.
“أنجبي له طفلًا.”
تذكرت نظرات الخدم في القصر.
الشفقة. الهمسات. النظرات المتبادلة.
تذكرت برود إدريان.
صمته. بعده. تلك النظرة الفارغة عندما ينظر إليها.
وتذكرت أيضًا…
الوحدة.
الوحدة الطويلة التي تنتظرها إن لم يتغير شيء.
السنوات القادمة عشر سنوات، عشرين سنة وهي تعيش في ذلك القصر البارد، زوجة بالاسم فقط، غريبة في منزلها.
مدت يدها ببطء.
كانت يدها ترتجف ارتجافة خفيفة واضحة.
لمست الزجاجة. كان الزجاج باردًا كجليد.
أخذتها ورفعت عينيها إلى والدتها.
لم تقل شيئًا.
لكن في تلك اللحظة…
كانت قد اتخذت القرار الذي سيغير مصير حياتها بالكامل.
لا تغفل عن الذكر المضاعف في هذه الليلة المُباركة
سبحان اللهِ عدد ما خلق،
سبحان اللهِ عدد ما في الأرضِ والسماءِ،
سبحان اللهِ عدد ما أحصى كتابُه،
سبحان اللهِ عدد كلِّ شيءٍ.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات ، ديلار :luna_aj7
*حسابي على الانستغرام :
luna.aj
التعليقات لهذا الفصل " 4"