2
مُنجيّك أمس ، مُنجيك اليوم وكل يوم .
※استمتعوا※
🦋—————🦋
انتهى الاحتفال بعد ساعات طويلة من المجاملات الثقيلة والابتسامات المصطنعة.
انسحب الضيوف تدريجيًا من القاعة الكبرى، تاركين خلفهم رائحة الشموع الذائبة والعطور القوية، وهمسات التحالفات السياسية التي لا تنتهي.
هدأت الموسيقى، وخفتت الأصوات شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ في القصر سوى وقع خطوات الخدم وهم يجمعون الكؤوس الفضية من على الطاولات.
أما أسينا…
فكانت تقف وحدها في أحد الممرات الطويلة للقصر.
الممرات في قصر فالروك كانت باردة دائمًا ، جدرانها الحجرية تمتص الدفء وكأن الشتاء يعيش داخل هذه الحجارة منذ قرون.
المصابيح الزيتية المعلقة على الجدران كانت ترسل ضوءًا خافتًا متقطعًا، يرسم ظلالاً طويلة خلف كل من يمر.
وقفت أسينا تمسك بطرف فستانها الأبيض بكلتا يديها، تتبع إحدى الخادمات التي تمشي أمامها بصمت.
كانت الخادمة امرأة في منتصف العمر، ترتدي مئزرًا رماديًا، ولم تنظر إلى أسينا ولا مرة كانت تنظر إلى الأمام فقط، وكأن مهمتها لا تتعدى توصيل الشيء الثمين إلى غرفته ، جناحهما ، كانت الكلمة تبدو غريبة في عقل أسينا.
لم تمضِ سوى ساعات قليلة منذ أصبحت زوجة هذا الرجل.
ساعات قليلة فقط، وكانت لا تزال تشعر كأنها غريبة ضيفة غير مرغوب فيها في مكان لا يريدها.
توقفت الخادمة أمام باب خشبي ضخم، منقوش عليه رسوم قديمة لشعار عائلة فالروك.
قالت الخادمة باحترام وهي تخفض رأسها
” غرفة الكونت، يا سيدتي.”
ثم فتحت الباب ببطء وانصرفت دون انتظار رد.
الغرفة كانت واسعة أكبر من غرفتها في منزل عائلتها بثلاث مرات على الأقل.
ستائر داكنة من المخمل تغطي النوافذ الطويلة الممتدة من السقف حتى الأرض.
سرير ضخم ذو أعمدة خشبية منحوتة يقف في وسط الغرفة كأنه عرش في قاعة ملكية. وفي الزاوية، موقد حجري كبير تشتعل فيه النيران لكن رغم ذلك، بقي الهواء في الغرفة باردًا، كأن النار لا تستطيع هزيمة برودة هذا المكان.
تقدمت أسينا بخطوات مترددة.
جلست على حافة السرير وكانت يداها متشابكتين فوق حجرها، تضغطان على بعضهما بشدة. شعرت براحة يدها تبتل بالعرق البارد.
لم تكن تعرف ماذا تفعل.
طوال الحفل، لم تتحدث مع زوجها إلا بكلمات قليلة جدًا تحت أنظار النبلاء والخدم.
كانا كغريبين يؤديان دورًا على مسرح.
لكن الآن… ، الآن انتهى الدور.
كانت تعلم ما يعنيه أن تكون ليلة الزفاف.
الخادمات في منزل عائلتها كن يتهامسن دائمًا عنها.
كن يخفضن أصواتهن ويبتسمن بخجل عندما تمر أسينا بالقرب منهن. كانت تسمع كلمات مقتطعة مثل الليلة الأولى، ستعرفين عندما يحين الوقت، لا تخافي، كل شيء سيكون على ما يرام.
لكن الآن…
عندما أصبحت اللحظة حقيقية…
شعرت أسينا بتوتر يجعل صدرها يضيق. قلبها يخفق بعنف، وبطنها يؤلمها من القلق.
جلست تنتظر.
دقيقة… خمس دقائق… عشر دقائق…
كانت تحدق في النار المشتعلة، في الظلال التي ترقص على الجدران، في الباب المغلق.
ثم… انفتح الباب و دخل إدريان.
لم ينظر إليها في البداية. خلع معطفه الأسود ووضعه على الكرسي القريب من الباب، ثم فك الأزرار العلوية من قميصه الأبيض ببطء كأنه عاد من يوم عمل عادي، لا من حفل زفافه.
كانت أسينا تراقبه بصمت. كانت تبحث في حركاته عن أي إشارة، أي كلمة، أي نظرة.
كانت تحاول أن تجمع شجاعتها لتقول شيئًا أي شيء.
“هل… هل تريد شيئًا؟” فكرت أن تسأله.
“هل أنت متعب؟”
“هل كان الحفل طويلاً عليك؟”
لكن الكلمات لم تخرج. بقيت عالقة في حلقها ككتلة من الجليد.
بعد لحظات طويلة، تنهد إدريان أخيرًا.
ثم التفت نحوها و التقت عيناهما.
للحظة قصيرة جدًا ومضة أمل أخيرة تمنت أسينا أن ترى في نظرته أي دفء.
أي لمحة أن هذه الليلة تعني له شيئًا أيضًا.
لكنها لم تجد شيئًا.
كانت نظرته خاوية. باردة. كشخص ينظر إلى شيء بعيد لا يعنيه.
قال بصوت هادئ، خالٍ من أي عاطفة
” علينا أن نتحدث.”
انقبض قلب أسينا. شعرت بموجة باردة تغمر صدرها.
أومأت برأسها بصمت.
” نعم…”
تقدم نحوها بخطوات بطيئة حتى وقف أمامها.
لم يجلس. بقي واقفًا، ينظر إليها من أعلى، وكأنه على وشك إلقاء خطاب رسمي في اجتماع عمل.
قال ببرود
” لن أطيل الحديث.”
سكت للحظة.
ثم قال الجملة التي لم تكن أسينا مستعدة ولن تكون مستعدة أبدًا لسماعها
“أنا أحب امرأة أخرى.”
تجمدت ، لم تتحرك. حتى أنفاسها توقفت للحظة.
كأن الهواء في الغرفة قد اختفى فجأة، والضوء قد خفت، والعالم كله توقف عن الدوران.
الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد. كانت مجرد أصوات تتردد في الفراغ.
“أحب امرأة أخرى.”
تابع إدريان بنفس النبرة الهادئة نبرة الرجل الذي يقرأ قائمة مشتريات
” اسمها إليزا.”
خفضت أسينا عينيها ببطء.
كانت تحدق في يديها المرتجفتين فوق حجرها. كانتا ترتجفان بشدة الآن، رغم أنها كانت تضغط عليهما بكل قوتها.
لم تكن تعرف ماذا تقول. هل هناك كلمات يمكن أن تقال في مثل هذه اللحظة؟
أكمل إدريان
“كانت خادمة في هذا القصر.”
صمت لحظة. ثم أضاف بمرارة خفيفة ،أول مشاعر حقيقية تظهر في صوته منذ دخل الغرفة
” أمي لم تكن راضية عن ذلك.”
لم يحتج أن يشرح أكثر. كان المعنى واضحًا كبلورة.
والدته تدخلت. والدته فصلت بينه وبين من يحب. والدته جعلته يتزوج من أسينا الغريبة التي لا يعرفها، والتي لا يحبها.
رفعت أسينا رأسها ببطء.
كان وجهها شاحبًا أكثر بياضًا من فستانها.
شفتاها ترتجفان قليلاً رغم محاولاتها السيطرة على نفسها.
لكن عينيها… عيناها الرماديتان كانتا واسعتين، بريئتين، تلمعان بذلك الألم الذي لا يمكن إخفاؤه.
سألته بصوت خافت، يكاد لا يُسمع
” أين… هي الآن؟”
تحولت نظرة إدريان إلى شيء أكثر قسوة. شيء يشبه الألم ،ألم قديم لم يلتئم بعد.
قال بصوت خشن قليلاً
” رحلت.”
ثم أضاف، وكأن الكلمات تخرج منه رغمًا عنه
“أمي أعطتها مالًا… لتغادر.”
ساد الصمت في الغرفة.
لم يكن صمتًا عاديًا. كان صمتًا ثقيلاً، مؤلمًا يملأ الفراغ بينهما كضباب سام.
وقف إدريان صامتًا للحظة. ثم قال أخيرًا، بصوت أكثر هدوءًا
” هذا الزواج لم يكن خياري.”
كانت أسينا تعرف ذلك. بالطبع كانت تعرف.
هي أيضًا لم يكن خيارها.
لكن سماعه يقولها بصوت عالٍ… كان شيئًا آخر. كان كمن يصفعها على وجهها بكلمات.
تابع
” تم فرضه عليّ.”
ثم نظر إليها مباشرة أول مرة ينظر فيها إليها حقًا منذ دخل الغرفة
” كما تم فرضه عليك.”
لم تنكر ذلك. لم تستطع.
قال بعد لحظة من الصمت
” لهذا… يجب أن تكون الأمور واضحة بيننا.”
شدت أسينا أصابعها على فستانها حتى آلمتها مفاصلها.
همست
“واضحة…؟”
قال ببرود برودة قاسية لا ترحم
” لا تتوقعي مني شيئًا.”
كل كلمة كانت تسقط في صدرها كحجر بارد.
” لن أكون زوجًا محبًا.”
توقف لحظة. ثم قال الكلمات التي ستظل تتردد في رأسها لسنوات قادمة
” ولن أحبك.”
ارتجفت شفتاها.
لكنه لم يلاحظ. أو ربما لاحظ… ولم يهتم.
أكمل
” يمكنك العيش هنا براحة. لن ينقصك شيء.”
ثم أضاف، وكأنه يضع حدًا نهائيًا
” لكن لا تحاولي التقرب مني.”
لمعت عيناها لمعة الدموع التي تحاول أن لا تسقط.
سألته بصوت بالكاد سُمِع، كأنه هواء يخرج من صدر مكسور
” حتى… كصديق؟”
لم يجب فورًا. لكن نظراته كانت كافية.
نظر إليها نظرة طويلة قاسية ثم قال أخيرًا
“سيكون ذلك أفضل للجميع.”
سكتت أسينا.
كان قلبها يؤلمها بطريقة لم تختبرها من قبل. ألم حقيقي جسدي كأن أحدهم يضغط عليه بيد من حديد.
لم تكن تعرف هذا الرجل. لم تكن تحبه. لم تكن تتوقع قصة حب خيالية.
لكنها كانت تأمل… شيئًا. أي شيء ،بعض اللطف. بعض الاحترام. بعض الدفء الإنساني.
ومع ذلك…
كانت تشعر وكأن شيئًا داخلها قد تحطم.
كأن إناءً زجاجيًا كانت تحمله طوال سنوات إناء الأمل قد سقط للتو وتحطم إلى أجزاء لا تُجمع.
نهض إدريان من مكانه.
قال أخيرًا
” يمكنك النوم هنا الليلة.”
ثم اتجه نحو الباب.
تجمدت أسينا. شعرت بذعر مفاجئ يغمرها لم تكن تريد أن تبقى وحدها. ليس الآن. ليس في هذه الغرفة الباردة.
قالت بصوت مبحوح
” ألن… تبقى؟”
توقف عند الباب للحظة ولم يلتفت.
قال بهدوء برود تام
“لا.”
ثم فتح الباب.
وقبل أن يغادر، قال آخر جملة
” تصبحي على خير… كونتيسة فالروك.”
وأغلق الباب خلفه.
بقيت أسينا وحدها.
الغرفة أصبحت صامتة جدًا صمت ثقيل يملأ الفراغ، يضغط على الأذنين. حتى النيران في الموقد بدأت تخفت، تاركة الظلال تكبر وتتمدد على الجدران.
لم تتحرك لوقت طويل.
جلست على حافة السرير نفس المكان تحدق في الباب المغلق.
كانت تنتظر. تنتظر أن يعود. أن يفتح الباب. أن يقول إنه كان يمزح.
لكن الباب بقي مغلقًا.
والدقائق مرت.
ثم ببطء شديد رفعت أسينا يدها إلى صدرها.
كان قلبها يخفق ببطء مؤلم خفقات ثقيلة كأنها تدق على جدار صدرها بقبضة من حديد.
رفعت عينيها نحو الباب المغلق مرة أخرى.
كانت ما زالت تنتظر. كان جسدها لا يزال مشدودًا نحو ذلك الباب، نحو الأمل المستحيل.
لكن الباب لم يفتح.
وبعد دقائق طويلة لا تعرف كم بالضبط انحنت أسينا قليلًا إلى الأمام.
وضعت يدها على وجهها وأخيرًا… سقطت أول دمعة ،ثم الثانية ،ثم الثالثة.
لم تكن تبكي بصوت عالٍ لم يكن هناك من يسمعها على أي حال.
لم تكن تبكي ذلك البكاء الهستيري الذي يملأ الغرفة صراخًا.
كانت تبكي بصمت.
بكت وهي جالسة على حافة السرير الذي كان من المفترض أن يكون سرير زفافها.
بكت وهي تحدق في الباب المغلق. بكت وهي تشعر بأنها أصغر من أي وقت مضى، وأكثر وحدة من أي وقت مضى.
كانت الدموع تسقط فوق فستان زفافها الأبيض فستان أصبح ثقيلاً عليها الآن، كأنه ليس ثوبًا بل كفنًا.
فستان لم يعد يبدو أبيضًا كما كان قبل ساعات.
بل أصبح…
بداية حياة طويلة من الوحدة.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات ، ديلار :luna_aj7
*حسابي على الانستغرام :
luna.aj7
التعليقات لهذا الفصل " 2"