87. المعلومات التي حصلتُ عليها (1)
‘ما الذي يفكّر فيه بحقّ؟’
حدّقتُ بقوّة في مؤخرة رأس الدوق بارجاك الذي كان يسير أمامي.
لقد استجاب فورًا للرسالة التي أرسلتها له تحسّبًا، ثم حدّد موعدًا بسرعة وخرج اليوم لمقابلتي هكذا.
في الواقع، كان هذا وحده كافيًا ليثير دهشتي، لكن….
‘لماذا يقول إنه لا يريد شيئًا بالمقابل؟’
ضيّقتُ عينيّ وأنا أراقب ظهره بحدّة.
حتى من مسافة بعيدة، كان حضور ذلك الرجل الأشقر واضحًا، وكأنّ كل شيء من حوله لا يعنيه، يخطو بخطى واثقة ومتأنية وهو يتقدّم في الطريق.
بل وأكثر من ذلك، لم يتردّد أو يتُه ولو مرة واحدة، ما أعطاني شعورًا بأنه يعرف طرق هذه الساحة أفضل مني.
ولهذا قلت إنني سأشتري المعلومات…….
كنتُ أمشي على بُعد بضع خطوات خلفه، فأطلقتُ زفيرًا صامتًا.
في الحقيقة، كنتُ أتوقّع أن لا ينجذب الدوق بارجاك إلى رزمة المال التي قدّمتُها.
لكن في هذا العالم، غالبًا ما تتمّ المعاملات بواسطة المال، وإذا كانت علاقتي مع هذا الغريب ستُبنى على ‘المال’ وحده، فلن يكون هناك ما أخسره.
لهذا اعتبرتها مقامرة وقدّمتُ المال.
‘لكن أن يُرفض الأمر فورًا هكذا…….’
لقد قُطع الأمر بحدّة جعلتني أشعر بالحرج أكثر من أي شيء آخر.
ربما ظنّ الدوق بارجاك، بعد ذلك الحوار القصير، أنني مجرد أميرة لا تعرف شيئًا عن شؤون الدنيا.
حسنًا…… ربما هذا أفضل.
فأميرة لا تفهم أمور العالم أهون بكثير من أميرة ترغب سرًّا في قتل أحدهم.
“هل أبدو مخيفًا إلى هذا الحد بالنسبة لكِ؟”
كان ذلك في اللحظة التي كنتُ أتبعه فيها بصمت، لا أفعل سوى السير خلفه.
استدار الدوق بارجاك فجأة ونظر إليّ. وفي عينيه الذهبيتين اللتين التقتا بنظري، بدا أثر خفيف من العتاب.
“أعلم أنكِ تتعمّدين المشي ببطء.”
“……آه.”
انكشف أمري.
تفاجأتُ بسؤاله المباشر، فعجزتُ عن الكلام للحظة. كنتُ أظنه لا يهتم، بما أنه ظلّ يتقدّم بهدوء…….
“لستُ حذِرة، لو كنتُ كذلك لما أرسلتُ أصلًا رسالة أطلب فيها لقاءك، دوق.”
“…….”
“كل ما في الأمر أن خطايَ بطيئة، لذلك كنتُ أتبعكِ بهدوء.”
ابتسمتُ له ابتسامة خفيفة.
في الحقيقة، نعم، كنتُ أتبعه ببطء بدافع الحذر، كما أنني طلبتُ من آنا أن تُخفي بعض المرتزقة الخاصين في الخلف…… لكن لا داعي لإظهار ذلك.
ثم إن المرتزقة لن يظهروا اليوم أصلًا ما لم أعطِ الإشارة.
“يبدو أنني كنتُ مخطئًا.”
ظلّ بارجاك يحدّق بي بهدوء وأنا أجيبه بابتسامة واثقة، ثم هزّ رأسه ببطء.
“ماذا تقصد؟”
“يبدو أن قدرتكِ على التعامل مع المواقف ممتازة جدًا، أميرة.”
ابتسم لي ابتسامة ذات مغزى.
لا أعرف تمامًا ما الذي تعنيه تلك الابتسامة، لكنني متأكدة من أمر واحد.
هذا الرجل… سخر مني للتو، أليس كذلك؟
“دوق بارجاك، ما معنى هذا…….”
“وصلنا.”
في تلك اللحظة، وبينما كنتُ على وشك الاعتراض بوجه متجهّم، مال بارجاك قليلًا وأشار خلفه.
“……وصلنا؟”
لم يدم ارتباكي طويلًا، إذ التفتُّ حولي.
رغم أنني كنتُ أضغط قبعة الرداء على رأسي، ما حجب رؤيتي من الجانبين، فإنني استطعتُ أن أحدد المكان.
زقاق ضيّق إلى درجة يمكن رؤيته كاملًا بنظرة واحدة، حتى مع هذا المجال المحدود من الرؤية… ومع ذلك يقول إننا وصلنا؟
“نعم، الآن كل ما عليكِ هو أن تدخلي هذا الباب معي.”
“…….”
عند طرف إصبعه كان هناك باب حديدي أحمر.
في هذا الزقاق الضيّق، لا تظهر أي ملامح لمتجر أو مبنى، مجرد باب حديدي موضوع هناك وحده…… هل هذا معقول؟
لا يمكن معرفة إن كان أحد يسكن هنا أصلًا، أو حتى إن كان من الممكن أن يعيش شخص في هذا المكان، ومظهره المريب جعلني أبتلع ريقي بلا وعي.
‘……هل يمكنني الوثوق بهذا الرجل؟’
من دون هارين أو فرسان الحراسة، كان الدخول معه إلى هذا المكان المشبوه أمرًا يتطلّب حذرًا شديدًا.
صحيح أنني أخبرتُ آنا بأنني سأقابل الدوق بارجاك، لكن…… ذلك لم يكن سوى إجراء احترازي.
كل ما أردته قبل لقاء البارون رانتيش في مراسم التأبين هو الحصول على بعض المعلومات عنه، ولم أتخيل أبدًا أن يتطوّر الأمر بهذا الشكل.
“هل تشعرين بالقلق؟”
حين تردّدتُ ولم أقترب منه، تقدّم الدوق بارجاك خطوة نحوي.
على عكس عينيه الهادئتين، كانت شفتاه منفرجتين بتعبير طفولي تقريبًا.
“لا أدري إن كان هذا المكان هو ما يقلقكِ، أم أن الشخص الذي جاء بكِ إلى هنا هو ما يثير قلقكِ، لكنني آمل أن يكون الاحتمال الثاني ليس صحيحًا.”
“…….”
“فأنا لا أملك الجرأة على المساس بأميرة من دولة أخرى.”
دفعتني كلماته المتلاعبة إلى التقدّم خطوة إلى الأمام.
“……لستُ قلقة. فقط تفاجأتُ بوجود باب في مكان كهذا.”
قلتُ ذلك بأقصى ما استطعت من هدوء.
حتى لو كان قد أدرك ما يدور في داخلي، لم أكن أريد الاعتراف به. إن خسرتُ زمام المبادرة هنا، فقد أنجرّ خلف الدوق بارجاك.
نظر إليّ الدوق بارجاك نظرة طويلة، ثم توجّه مجددًا نحو الباب. وضع يده عليه، ثم دفعه بقليل من القوة.
كيييك—
“إن لم تكوني قلقة، فهذا مطمئن.”
ثم مدّ يده نحوي مرة أخرى.
كانت كفّ الدوق بارجاك البيضاء الخالية من الدم ممدودة باتجاهي.
“فالمعلومات تكون عادةً من أماكن كهذه.”
***
يبدو المكان أدفأ مما توقعت…….
المكان الذي دخلتُه برفقة الدوق بارجاك كان فضاءً غير متوقّع.
على عكس مظهره الخارجي الذي لم يكن سوى باب حديدي أحمر، كان الداخل يشبه متجرًا صغيرًا، وتبدو فيه هنا وهناك آثار بيعٍ لبعض السلع، وإن كانت قليلة.
‘من الواضح أنها أشياء غير عادية.’
المعروضات هنا كانت غريبة بحق.
خريطة لا يُعرف لأي منطقة تعود، أوراق بيضاء ناصعة لا يظهر عليها شيء، وحتى خصلات شعر متناثرة.
وبينما كنتُ أتبع الدوق بارجاك إلى الداخل ويزداد فضولي أكثر فأكثر، همس لي بصوت خافت.
“لا تتلفّتي كثيرًا. هذا مكان لا يجوز الاستهانة به.”
عند سماع تحذيره الخافت، ثبّتُّ نظري إلى الأمام.
تساءلتُ كيف لدوق من دولة أخرى مثل بارجاك أن يعرف مكانًا كهذا، لكنني قرّرتُ تأجيل السؤال. فلا بد أن لديه سببًا لإحضاري إلى هنا.
“من الذي جئتم لمقابلته؟”
كان ذلك في تلك اللحظة.
دررر— دوّى صوت فتح باب بعنف من الداخل، ثم ظهر شخص أمامنا.
شَعره أشعث، ولحيته الخشنة النابتة عشوائيًا على ذقنه جعلته يبدو مهيبًا ومخيفًا إلى حدٍّ ما.
نظر الرجل إلى الدوق مرة، ثم إليّ مرة أخرى، قبل أن يحكّ مؤخرة رأسه بخشونة.
“جئتُ لمقابلة جيرآن. هل هو هنا؟”
جيرآن؟ ألقيتُ نظرة جانبية على بارجاك.
توقّف الرجل، الذي كان يحكّ رأسه بملل، عند طلب بارجاك للحظة، ثم أومأ برأسه.
“ومن الذي سيدخل للقاءه؟”
إذًا هناك شخص يُدعى جيرآن فعلًا؟
عند سؤاله، حرّك الدوق بارجاك جسده قليلًا. وبمجرد أن ابتعد عن أمامي، وجدتُ نفسي وجهًا لوجه مع ذلك الرجل.
وحين التقت أعيننا، ابتلعتُ ريقي دون وعي.
“هذه المرأة هي من ستدخل.”
“هل أحضرتِ معكِ ما يكفي من المال؟”
تفحّصني الرجل من الأعلى إلى الأسفل بنظرة سريعة. كان تعبيره يوحي بعدم الثقة.
آه…… لهذا قال إن المال سيكون له استخدام آخر.
“……المال كافٍ. أعددتُه بوفرة، فلا داعي للقلق.”
خفضتُ صوتي قدر الإمكان، حرصًا على ألا أترك أي أثر يدلّ عليّ.
سمعتُ من جانبي ضحكة مكتومة ساخرة من الدوق بارجاك، لكنني تجاهلتها قدر المستطاع.
ظلّ الرجل يحدّق بي بنظرة حادّة، ثم أصدر صوتًا خشنًا وقال.
“من هنا.”
عاد إلى الباب الذي خرج منه، ثم ناداني.
أيعني ذلك أن أدخل……؟
تردّدتُ قليلًا ولم أتبعه فورًا، فسمعتُ صوت الدوق بارجاك الخافت من جانبي.
“لا داعي للشك.”
“…….”
“إنه مجرد رجل يعرف عن إمبراطورية سيران أكثر بقليل من غيره. فقط ادفعي الثمن كما ينبغي واخرجي.”
كلماته الواثقة طمأنتني. أومأتُ برأسي ببطء، ثم تقدّمتُ خطوة بعد أخرى.
لحسن الحظ، كان الرجل ينتظرني داخل الغرفة. وعلى عكس مظهره الخشن، بدا صبورًا للغاية.
“سنتحقّق من المبلغ في الداخل. يمكنكِ أن تسألي ما تشائين، لكن ثمن المعلومات لن يكون رخيصًا، فاسألي على قدر ما أحضرتِ من مال.”
كيييك—
ومع تلك الكلمات، دفعني إلى الداخل كما لو كان يرمي بي رميًا.
كان تصرّفه مزعجًا جدًا، لكن بالنظر إلى طباعه الخشنة، بدا الأمر مفهومًا نوعًا ما.
على كل حال…… هذا المكان الصغير مليء بالغرف.
الباب الذي خرج منه الرجل أول مرة، والباب الذي دخلتُه الآن.
وبينما كنتُ أتفحّص المكان بعينيّ—
“كهكهك، لقد جاءنا زائر غريب منذ وقت طويل.”
“……جيرآن؟”
ألم يكن رجل……؟
كان الشعور بالقشعريرة قد بدأ في تلك اللحظة.
فكلام الدوق بارجاك، والاسم، وطريقة مناداته، كلها أوحت برجل شاب…….
“ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟ ما الذي يثير فضولكِ؟”
الشخص الذي ناداني لم يكن رجلًا.
بل كانت امرأة عجوز، تبدو وكأنها تجاوزت الثمانين من عمرها.
التعليقات لهذا الفصل " 87"