81. جواب طلب الزواج
ما إن انتهت مراسم التنصيب، حتى بدأ الحفل على الفور.
القاعة التي كانت تكتسي بالوقار قبل قليل، تزيّنت سريعًا بالفخامة، وتعالت أصوات النبلاء وهم يتبادلون الأحاديث هنا وهناك.
“أميرة، السيد الشاب. مرّ وقت طويل.”
“أميرة، أليس سموّ الأمير… لا، وليّ العهد كان رائعًا اليوم؟”
تقدّم بعض النبلاء نحوي ونحو هارين، متّخذين من مراسم التنصيب ذريعة لفتح الحديث.
لكنني، أكثر من أي أحد، كنت أنتظر بداية الحفل، ولم يكن لديّ وقت لمجاملتهم.
منذ ما قبل التنصيب، كنت ألاحق ظهر سوران بعينيّ، وحين هممت أخيرًا بالانتقال إلى حيث هي—
“أختي، إلى أين؟”
أمسك هارين، الذي كان صامتًا بجانبي، بكتفي. نظر إليّ ثم هزّ رأسه هزّة خفيفة.
“ذاهبة للبحث عن الآنسة سيلياس، أليس كذلك؟”
“…….”
“قلتُ لك. لا فائدة من ذهابك. ذلك قدر سوران سيلياس……”
“لا.”
“…….”
“هذا ليس قدرًا، هارين.”
خرجت كلماتي فجأة، وقد غُصّ صدري بانفعال.
يبدو أن هارين لم يتوقّع مني هذا الرد، فلم يُضف شيئًا بعدها.
“سأذهب وأعود.”
تجاوزته واتجهت نحو سوران. في الحقيقة، لم يكن رأي هارين خاطئًا تمامًا.
لو كانت سوران شخصية عادية، لكنتُ فكّرت بالطريقة نفسها.
كنت سأشفق عليها فحسب، وأرى أنه لا يحق لي التدخل في زواجها.
لكن—
‘قدر سوران لم يكن هكذا أصلًا.’
لو لم أكن أنا، الشخصية الثانية، بل وشخصية لم تظهر حتى في القصة الأصلية، قد حرّفت مجرى الأحداث.
لما وقع هذا الأمر عليها أبدًا.
“سوران!”
ركضت عبر قاعة الحفل بلا وعي حتى وصلت إليها أخيرًا.
كانت سوران عند طرف القاعة، تمسح يديها بمنديلها وتستعد للعودة إلى مكانها.
لحسن الحظ، لم يكن الكونت باليفوس ولا البارون رانتيش في الجوار.
“تحدثي معي قليلًا، سوران.”
أمسكت بها بسرعة قبل أن يظهر الكونت.
بدت متفاجئة بعض الشيء حين أُمسك كتفها فجأة، لكنها لم تبتعد.
“أميرة…؟”
ما إن أمسكت بها، حتى أخذت أتفحّص جسدها بعجلة.
لحسن الحظ… لم يمدّ البارون رانتيش يده إليها مجددًا.
تنفّستُ الصعداء. حسنًا، من غير المعقول أن يؤذي ابنته التي ستتزوج كونتًا ثريًا.
“لماذا عدتِ فجأة في ذلك الوقت؟”
ما إن تلاقت أعيننا، حتى سألتها مباشرة دون أي تمهيد. رؤيتها جعلت شيئًا ما يندفع من أعماقي.
كم كنت قلقة عليكِ……
لحسن الحظ، كانت الأنظار متجهة إلى سكالين، الذي كان يحيّي النبلاء من بعيد، فلم يكن أحد ينتبه لحديثنا.
“عدتُ ولم أجدكِ، هل تعرفين كم تفاجأت؟ ثم اليوم…….”
“…….”
“وموضوع الخِطبة أيضًا…….”
كنت أضغط عليها بالكلام، ثم عجزت فجأة عن إكماله.
فمجرد التفكير بأن الزوجة التّي قدّمها الكونت باليفوس بكل فخر كانت سوران، جعل رأسي يدور مجددًا.
“……هذا هو الصواب.”
اتّسعت عيناها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة.
وصلني صوت سوران الخافت بوضوح.
وسط هذا الضجيج، كان صوتها وحده يصلني جليًا.
“على أي حال، كان الأمر سيؤول إلى هذا، لقد تأخّر قليلًا فقط بسبب أنانيتي.”
“……سوران.”
“لكنني كنت سعيدة بشكل لا يُصدّق في قصر الدوق. كل ذلك لأنني، وبحظي الجيد، التقيت بالآنسة.”
كل جملة نطقتها وهي تبتسم بتكلّف، كانت تضغط على قلبي بقسوة.
……لا.
لم تكن أنانية.
ولم تكن سعيدة لأنها التقت بي.
بل على العكس، لأنني كنت موجودة، ولأنها التقت بي، كانت هي التعيسة.
“أنا أغار منكِ، آنسة.”
“…….”
“الجميع يحبكِ، أليس كذلك؟ وليّ العهد، والسيد هارين…… وأنا أيضًا.”
ابتسمت سوران ابتسامة جميلة. ابتسامة جميلة إلى حدّ أن عينيها الصفراوين لم تعودا تُريان من شدّة جمالها.
أمسكت بيديّ الاثنتين اللتين كانتا متدليتين بلا قوة، وربّتت عليهما مرتين.
كأنها تتوسّل لشيء ما دون أن تنطق به.
“لذلك، أرجوكِ… كوني سعيدة، آنستي.”
……مرة أخرى.
عادت لتقول لي الكلمات نفسها التي قالتها لي قبل رحيلها. تمنّت لي السعادة.
حينها، ظننت فقط أنها كلمات لطيفة تتمنى بها الخير. لكن الآن، أشعر أنني أفهم معناها.
‘حتى لو لم أستطع أنا… فلتكوني أنتِ سعيدة.’
في تلك اللحظة، شعرت وكأن قلبي هبط دفعة واحدة.
كلما نظرت إليها، أردت أن أُحسن معاملتها، وأن أجعلها سعيدة.
لم يكن ذلك فقط لأنها شخصيتي المفضلة في الرواية، بل كان نوعًا من التكفير عن هذا الشعور المتزايد بالذنب كلما رأيتها.
“أميرة، سأذهب الآن.”
“من الآن فصاعدًا، لن نلتقي كل يوم كما في السابق، لكن…….”
أنزلت سوران يدي برفق.
“ومع ذلك، إن أصبحتُ كونتيسة، ألن أكون أكثر حرية مما أنا عليه الآن؟”
ابتسمت ابتسامة طفولية بريئة.
كانت تلك الابتسامة، حزينة إلى حدّ موجع، وجميلة إلى حدّ يمزّق الصدر.
ألقت سوران عليّ تحية خفيفة، ثم استدارت. لم أستطع حتى التفكير في الإمساك بها.
فحتى لو أمسكت بها، لم يكن بوسعي فعل شيء.
‘…….’
لم أفعل سوى أن أراقب ظهرها، وهي تتجه ببطء نحو الطاولة حيث يقف الكونت.
لو قبلتُ عرض سكالين الآن……
هل ستعيش سوران حياتها كزوجة ثالثة للكونت؟
في الآونة الأخيرة، لم يتحقق شيء واحد كما فكّرت به.
كأن أحدهم كان يعبث بي عمدًا.
ولهذا، لم أستطع حتى تخيّل ما الذي سيحدث إن تزوجتُ سكالين، بينما لا شيء قد حُلّ بعد.
“……حان تقريبًا الوقت الذي وعدت فيه بلقاء سكالين.”
رفعت بصري إلى الساعة في قاعة الحفل.
قريبًا، سيأتي من يصطحبني إلى المكان المتفق عليه.
قبضت يدي ببطء وبقوة.
كنت أنوي قبول طلب سكالين.
وحتى الآن، لم يتغيّر هذا الشعور.
لكن—
‘لا يمكنني أن أسرق حياة شخص آخر، وأدفعه إلى الشقاء، ثم أعيش سعيدة وحدي.’
الوقت لم يكن مناسبًا بعد.
حتى لو قبلت، فليكن بعد قليل فقط.
تأجيل بسيط.
لكي يكون الجميع سعداء.
ولو لبرهة قصيرة جدًا.
“آنسة سيليا، هل تتفضلين بمرافقتي قليلًا؟”
وفي تلك اللحظة، اقترب مني أحد خدم سكالين.
***
كان سكالين واقفًا على شرفة القصر الإمبراطوري، يرفع بصره إلى السماء.
على عكس الطابق الأول حيث قاعة الحفل، كان هذا المكان في الطابق الثاني هادئًا للغاية.
وصلت إلى أذنيه أصوات الضجيج من الأسفل، لكنه لم يعرها اهتمامًا كبيرًا.
فاليوم، كان يومًا سعيدًا جدًا بالنسبة له.
بل لا مبالغة في القول إنه انتظر هذا اليوم لأيام طويلة.
أن يصبح وليًّا للعهد، كان يفترض أن يكون أمرًا لا يبعث على الفرح، لكن رغم ذلك، وهو يرتدي زيّ التنصيب، كان يشعر بالارتياح والحماسة.
‘وداعًا، سكالين……!’
حين خطرت له فجأة ذكرى ذلك اليوم وهو ينظر إلى السماء،
انفجر سكالين ضاحكًا بسعادة.
سيليا، وهي تنادي اسمه، ثم تهرب خجلًا ووجهها محمرّ.
كانت صورتها لطيفة إلى حدّ أنه، حتى بعد أن افترقا، كانت تطفو في ذهنه بين الحين والآخر.
‘كنت أظنّ أنه طلب متسرّع…….’
لكن حين تذكّر تعابير سيليا وتصرفاتها معه،وكان ذلك كافيًا ليجعله يسيء الفهم.
تلك التصرفات، منحت سكالين أملًا صغيرًا.
أملًا بأن سيليا قد تشاركه الشعور نفسه.
فتساءل. بأي تعبير ستستقبله حين تفتح ذلك الباب وتدخل؟
أسند سكالين ذقنه إلى درابزين الشرفة، وأخذ ينقر بأصابعه بخفة.
خفقان قلبه السريع، وتلك التوترات الخفيفة التي تسري في جسده، لم تكن سيئة على الإطلاق.
حين يقف أمام سيليا، كانت تخرج منه تصرفات لا يدري عنها شيئًا.
ولهذا، قرر أن يستمتع بها.
لا يعلم كم مرّ من الوقت، حتى سُمع صوت احتكاك خفيف للباب، ثم دخل أحدهم.
استدار سكالين فورًا.
وهناك، رأى الشعر الذهبي الذي أحبه أكثر من أي شيء.
“……سموّك.”
كانت سيليا جميلة كعادتها.
فستانها الوردي المتمايل كان يليق كثيرًا بعينيها الزرقاوين.
والجواهر المرصّعة هنا وهناك زادت من إشراقها.
لكن هذه المرة أيضًا، لم يكن في عنقها أي شيء.
“اقتربي أكثر.”
ضحك سكالين بخفة، بعد أن ألقى نظرة سريعة على عنقها.
لم يكن ذلك مهمًا.
حتى لو كان ما أهداه لها، قد لا يناسبها أو لا يليق بها.
لم يكن ضروريًا أن ترتديه.
“القمر جميل الليلة.”
لكن، لسبب ما، رغم أنه مدّ يده، لم تقترب سيليا.
كانا في المكان نفسه، لكن بدا وكأن جدارًا يفصل بينهما.
“سأعطيكَ جواب طلب الزواج هنا.”
لم تخطُ سيليا خطوة واحدة نحوه.
من تعبير وجهها، إلى خطواتها—
كل ذلك، حوّل حماسة سكالين إلى قلق.
“سموّ وليّ العهد.”
تجمّدت زاوية فم سكالين التي كانت تبتسم ببطء.
لسبب ما، شعر أنه لا ينبغي له سماع كلماتها التالية.
أراد أن يوقفها فورًا، لكن لم يستطع.
“أنا ممتنة لكلماتك، لكن…….”
“…….”
“لا أستطيع قبول طلب زواجك.”
لأن تعبيرها، كان ينهار بالطريقة نفسها التي انهار بها هو.
التعليقات لهذا الفصل " 81"