78. حفل تنصيب سكالين (1)
منذ الصباح الباكر، كان مقرّ دوقية بارانتيس يعجّ بالحركة.
فاليوم هو يوم حفل تنصيب سكالين وليًّا للعهد.
وبما أنّ أفراد العائلة ثلاثتهم سيخرجون معًا بعد وقت طويل، كان على كلٍّ منهم الكثير ليستعد له منذ ساعة مبكرة.
“آنستي! الفستان الذي صُنِع في الصالون وصل في وقت مبكر هذا الصباح! سأحضره حالًا!”
آنا، التي استيقظت معي باكرًا، هرعت على عجل إلى الردهة.
بدت أكثر حماسًا مني.
وأثناء ذهاب آنا لإحضار الفستان، جلستُ أمام طاولة الزينة أنتظر عودتها.
‘هل وصلت سوران بسلام يا ترى…….’
في النهاية، لم أسمع أي خبر عن سوران منذ ذلك اليوم.
هل وصلت إلى بيت البارون بسلام؟ وهل عاد والدها لمضايقتها؟
راودني الفضول إن كان قد حدث لها شيء، حتى فكرت في إرسال رسالة، لكنني سرعان ما عدلت عن الفكرة.
فلو علم البارون رانتيش أنّها أقامت هنا ثم عادت، فقد يزيد ذلك من إيذائه لها.
“لكن لحسن الحظ، مع وجود حفل التنصيب ومراسم التأبين تباعًا، لن يتمكن من التعرض لسوران في الوقت الحالي.”
في الحقيقة، عندما قيل لي إنها غادرت، لم أستطع تقبّل الأمر بسهولة.
صحيح أنّها ربما عادت للاستعداد لحضور حفل التنصيب ومراسم التأبين، لكنها ليست من النوع الذي يرحل دون أن يخبرني.
‘عندما ألتقي سوران اليوم، لا بد أن أسألها…….’
لا شك أن هناك سببًا ما.
قررتُ، ما إن أصل إلى القصر الإمبراطوري اليوم، أن أبحث عن سوران فورًا.
وبينما كانت مخاوفي عليها تتزايد فقط، سُمِعَ فجأة صوت ركضٍ مسرع من نهاية الرواق، ثم انفتح باب غرفتي على مصراعيه.
“آنستي! لقد عدت!”
كانت صاحبة الخطوات آنا.
يبدو أنها ركضت من الطابق السفلي، فقد كانت تلهث قليلًا.
“آنا، لماذا ركضتِ هكذا؟”
“الصالون أعدّ من أجل الآنسة ثلاث فساتين كاملة! أردتُ أن تجرّبيها بسرعة، لذلك ركضت!”
ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة.
وبما أنّ آنا تعشق التزيّن بطبعها، كانت الفساتين الثلاثة التي أرسلها الصالون كافية لجعل قلبها يخفق حماسًا.
اقتربت مني بسرعة، ثم عرضت أمامي الفساتين الثلاثة مصطفّة.
“أليست الثلاثة جميلة جدًا؟ أيّها أعجبكِ أكثر يا آنستي؟”
كانت الفساتين الثلاثة مختلفة في تصميمها.
فستان أزرق سماوي يمنح إحساسًا نقيًا، يبرز الخصر بلطف أسفل الصدر،
وفستان بنفسجي من الحرير يلتفّ حول خط العنق،
وأخيرًا فستان وردي فخم تزينه التطريزات والأحجار الكريمة بكثرة.
لكل فستان إحساسه المختلف، لكن جميعها كانت جذابة بما فيه الكفاية.
“أنا أفضّل أن ترتدي الآنسة هذا الفستان. ماذا عنكِ يا آنستي؟”
ناولَتني آنا فستانًا اختارته وفق ذوقها.
كان فستانًا فخمًا لا أرتديه عادةً على الإطلاق.
مطرّزًا بالأحجار، تتماوج فيه الدانتيلات، مناسبًا للحفلات أكثر من أي شيء، لكنه لافت للنظر بشكل مبالغ فيه.
“……هل أختار لكِ واحدًا آخر؟ هذا الفستان الأزرق السماوي قد يكون أنسب لكِ، أليس كذلك؟”
وحين ظللتُ أنظر بصمت إلى الفستان الوردي، ابتسمت آنا ابتسامة متكلفة.
يبدو أنها ظنت أنه لم يعجبني.
بالطبع…… لا يمكنني القول إن الفستان الوردي يوافق ذوقي…….
“لا، اليوم سأرتدي هذا.”
لا بأس إن كان اليوم أكثر بهرجة قليلًا.
نهضتُ من مكاني وأمسكتُ بالفستان الوردي الذي كان في يد آنا.
نظرت إليّ بوجهٍ مذهول من تصرّفي المفاجئ، وكأنها تتساءل عمّا يحدث.
“آنا.”
“نعم؟”
“هل تزيّنينني اليوم لأكون في أجمل حالاتي؟”
اتسعت عينا آنا دهشة عند سؤالي.
ولم يكن ذلك غريبًا، فأنا لم أطلب منها أمرًا كهذا من قبل قط.
كان قول مثل هذه الكلمات صراحةً محرجًا إلى حدّ ما، لكنني تعمّدتُ أن أنطقها بثقة.
‘اليوم، بعد انتهاء حفل تنصيب سكالين، يجب أن أنقل له مشاعري الصادقة. ما دمت سأفعل ذلك، فأريد أن أبدو في أجمل صورة.’
هل وصل إحساسي هذا إلى آنا؟
نظرت إليّ دون أن تقول شيئًا، ثم أومأت برأسها وهي ترسم على وجهها أكثر تعابير الثقة التي رأيتها في حياتي.
“بالطبع يا آنستي! سأجعلك اليوم جميلة حقًا من رأسك حتى أخمص قدميكِ!”
***
داخل العربة المتجهة إلى القصر الإمبراطوري. كنت أشعر بإحراج يكاد يقتلني.
فالسبب أنّ الرجلين الجالسين أمامي لم يكن لديهما أي نية لصرف أنظارهما عني.
“ياالهي، ابنتي اليوم جميلة حقًا. ماذا لو لم ينظر أحد في الحفل إلّا إليها؟”
“أختي، ما بكِ اليوم؟ لماذا كل هذا الاهتمام؟ ماذا ستفعلين إن عاد شخص مثل رون ليلتصق بكِ مجددًا؟”
ماذا أفعل بهذين الأبلهين حقًا؟
رمقتهما بنظرة ضيق غير مكروهة، أبي وهارين، وهما يطلقان كلامًا محرجًا على مسامعي.
لم يبدُ عليهما أنّهما شعرا بنظرتي، إذ كان كلٌّ منهما غارقًا في قلق لا داعي له.
هارين مفهوم، لكن أبي لم يكن إلى هذا الحد من قبل……
منذ أن طلبتُ منه سابقًا أن يبحث لي في أمر الزواج، بدا وكأنه تغيّر قليلًا بشكل غريب.
“كلما فكرتُ بالأمر، أجد أنه من المؤسف جدًا أن أزوّج سيليا لأي أحد. أيًّا كان الشريك، يفلن يكون مناسبًا لها.”
“أبي، أوافقك الرأي تمامًا. أليس من الأفضل أن نعيش نحن الثلاثة معًا هكذا بسلام؟”
“لا مانع لديّ أبدًا.”
يا الهي.
يبدو أنّ الاثنين نسيا تمامًا أنّني جالسة أمامهما، وانشغلا بتبادل الأحاديث.
ومن منظرهما هذا، أفلتت منّي ضحكة خفيفة دون قصد.
الغريب أنّه متى طلبتُ منه أن يبحث لي في أمر الزواج، ومنذ ذلك الحين لم ينادني ولا مرة واحدة……
حسنًا، لا بأس.
فأنا لم أعد أرغب أصلًا بالزواج من شخص لا أعرفه.
حوّلت نظري عنهما ونظرت عبر نافذة العربة.
بدأ الطريق المألوف يظهر شيئًا فشيئًا، ثم بدا القصر الإمبراطوري من بعيد، صغيرًا في الأفق.
وما إن وقع بصري عليه حتى بدأ قلبي، الذي كان هادئًا، بالخفقان بعنف.
نظرت خلسة إلى القلادة المعلّقة التي كنت أمسكها في يدي بعيدًا عن أعين أبي وهارين.
كانت الهدية التي سأقدّمها له اليوم مع جوابي.
هدية اشتريتها منذ زمن طويل لأعطيها لسكالين، وهي نفسها القلادة الذهبية التي كنت أنوي إعطاءها لسوران.
كنت أنوي اليوم أن أقدّمها له، وأجيب بها على طلب زواجه.
‘ليتني ارتديت القلادة التي أعطاني إياها سكالين.’
بعد أن أضعت القلادة التي منحني إياها في خطوبة روين، حاولت بكل وسيلة أن أجدها، لكن دون جدوى.
حتى عندما سألت روين، لم يكن لديها سوى جواب واحد: لم يتم العثور عليها.
وبشيء من الأسف، مرّرت يدي على عنقي. عنقٌ فارغ، يشقّ الهواء بين أصابعي.
تعمدتُ ألا أرتدي أي قلادة.
كانت آنا قد أعطتني عقدًا مرصعًا بالجواهر يليق بالفستان، لكنني رفضته.
فاليوم، إن لم تكن القلادة التي أعطاها لي سكالين، فلا أريد أن أضع شيئًا.
لأن اليوم يومٌ مميز له… ولي أيضًا.
ولا معنى لأي زينة إن لم تكن شيئًا أهديناه لبعضنا.
“سيليا.”
كنت أستمتع بذلك الخفقان اللطيف حينها.
ومع صوت ارتجاج، توقفت العربة، ثم فُتح الباب.
وحين دخل المنظر المألوف إلى عيني، مدّ أبي يده نحوي.
“هيا بنا.”
***
دخلتُ قاعة الحفل وأنا أتلقى المرافقة من أبي وهارين.
كما كان الحال في حفل بلوغه سن الرشد، امتلأت قاعة الاحتفالات الكبرى بعدد لا يُحصى من النبلاء لحضور حفل تنصيب سكالين.
كان الجميع مشغولين بإلقاء التحية علينا. بل أدقّ القول، كانوا منشغلين بالتحية لأبي.
فأبي كان من أكثر الأشخاص الذين يُبحث عنهم في مثل هذه الولائم.
ولأنّه مشغول دائمًا، فكثيرون لا يجدون فرصة لرؤيته، فيستغلون مثل هذه المناسبات للحديث معه.
لذلك، في العادة، كنت أنا وهارين ننسحب قليلًا في مثل هذه الحفلات……
لكن اليوم كان مختلفًا.
“سعيد برؤيتك يا سيدي، مرّ وقت طويل. كيف حالك؟”
“سيد هارين، تشرفنا بمعرفتك للمرة الأولى. أنا الآنسة سويلي من عائلة الكونت ناران.”
على غير العادة، كان عدد من يبحثون عن هارين اليوم كبيرًا.
عادةً، وبسبب طبيعته، كانوا يكتفون بالنظر إليه من بعيد، دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب.
لكن اليوم، بدا الأمر مختلفًا.
على عكس أبي، كان هارين يقطّب حاجبيه وهو ينظر إلى السيدات النبيلات اللواتي يقتربن منه، لكنهنّ لم يبدُ عليهنّ أي نية لتركه وشأنه.
‘لا أعرف السبب، لكن…… هذا في صالحي.’
أنا بحاجة إلى البحث عن سوران.
فإن بقيتُ مع هارين، سيصعب عليّ حتى التحدث معها.
تركتُ هارين خلفي، وقد ازدادت ملامحه عبوسًا، وتوجهتُ نحو طرف قاعة الحفل.
وبالنظر إلى شخصية سوران، فمن المؤكد أنها ستجلس في الأطراف لا في مركز القاعة.
وإن كان الجلوس مرتبًا حسب الرتب كما في حفل البلوغ، فالأرجح أنها ستكون هنا.
أخذتُ أبحث عنها بنظري بين الحضور، وفي تلك اللحظة—
“آنسة سيليا؟”
ناداني صوت مألوف.
استدرت فورًا نحو مصدر الصوت، فرأيت السيد ألكسند ينظر إليّ، وقد تجمّع العرق على جبينه.
“السيد أليكسند؟”
اقتربتُ منه بفرح لرؤيته، لكن… لسبب ما.
لم يكن وجهه يحمل تلك الابتسامة الودودة المعتادة،
بل كان ينظر إليّ بتعبير مشدود، وكأنه على وشك قول أمرٍ خطير.
التعليقات لهذا الفصل " 78"