كانت سوران تحاول المغادرة سرًّا. لم يكن بالإمكان إخفاء الأمر عن جميع من في القصر، لكنها فكّرت أنه من الأفضل أن يعرف أفراد عائلة بارانتيس فقط بعد أن تغادر.
فكرّت في سيليا وهي تبتسم لها وتمدّ يدها لمساعدتها، وشعرت بأن دموعها قد تتساقط.
‘هذا يكفي. لم يعد بإمكاني الاعتماد على مساعدة الآنسة سيليا.’
بعد أن اكتشفت شيئًا في غرفة سيليا البارحة، قررت سوران اليوم المغادرة.
لم يكن قرارها مفاجئًا بالكامل، فقد كانت تنوي المغادرة بمجرد شفاء ساقها تمامًا.
في الحقيقة، مرت فترة طويلة منذ أن شُفيت ساقها، وكان بقاءها هناك أمرًا غير منطقي.
‘هذا هو الصواب. لا داعي لأن أشعر بالحزن فجأة.’
بدأت سوران تضغط على حقيبتها لتُدخل فيها أغراضها بشكل مكتظ.
عندما جاءت أول مرة، كانت حقيبتها نحيفة لأنها كانت تحتوي فقط على الضروريات، أما الآن فقد كانت ممتلئة لدرجة أن إغلاقها تطلب بذل جهد.
‘هذا الوشاح أيضًا…… كان من الآنسة سيليا.’
فتحت سوران الوشاح الذي في يدها. كان مزخرفًا بأزهار وردية بنفس لون شعرها.
كانت هدية قدمتها لها سيليا بعد خروجها، لأنها تذكّرتها.
حدّقت سوران بنظرة فارغة على الوشاح، ثم طوته بعناية وأدخلته حقيبتها. مهما حدث، أرادت الاحتفاظ بهذا الوشاح.
وقفت على الفور لتتفقد محيطها. كانت هناك أشياء متفرقة في الغرفة لم تحزمها بعد.
معظمها كانت هدايا تلقتها عند لقائها بسكالين.
أخذت بعض الملابس التي ستحتاجها عند العودة إلى القصر، وبعض المجوهرات التي ستساعدها على السفر. أما البقية، فكانت فاخرة جدًا بحيث لا يمكنها أخذها معها.
“……لا يوجد شيء آخر يجب أخذه.”
استدارت سوران بلا تردد وألقت نظرة أخيرة على الغرفة.
كانت الغرفة التي أعطتها لها سيليا ليست غرفة للضيوف، بل غرفتها الخاصة السّابقة.
فكّرت في سيليا التي منحتها غرفتها الخاصة رغم أنها غريبة عن المكان، وشعرت بأن الدموع على وشك الانهمار.
لم ترغب سوران في أن تصبح عبئًا عليها أكثر من ذلك.
لم تكن تستحق هذا الاهتمام الكبير، لذلك كان يجب أن تغادر.
صرير—
صدر صوت فتح باب غرفة سوران في الممر. بعد الانتهاء من الإفطار، لم يكن هناك أحد في الممر في الطابق الثاني.
قررت المغادرة في هذا الوقت عن عمد، عندما تكون سيليا قد خرجت في الصباح الباكر، وكان الدوق داميان قد ذهب لمهام العمل.
فوق كل شيء، كان هارين الذي لا تتفق معه سوران مشغولًا بتدريبه الصباحي.
كانت سوران تخطو بحذر على الدرج تحاول مغادرة القصر، خطوة بخطوة.
“الآن تهربين من هنا أيضًا؟”
سمعت صوتًا مألوفًا، لكنه غير مرحّب به، من خلفها. قبضت سوران على حقيبتها بقوة.
كان من سوء حظّها أن يكون أول من قابلته هو هارين.
“لست هاربة. كان يجب أن أغادر منذ زمن.”
استدارت سوران، وهناك كان هارين واقفًا على الدرج، ذراعيه متقاطعتان، ينظر إليها بلا تعبير.
كانت هذه أول محادثة بينهما بعد الخلاف السابق.
“أختي خرجت. ألن تودّعيها كما ينبغي قبل المغادرة؟”
سأل هارين وكأن مغادرة سوران أمر عادي، فالأهم لديه أن تعرف سيليا عن وداعها أكثر من أي شيء آخر.
لكن لماذا؟ لم تستطع سوران الرد على سؤاله، واكتفت بابتسامة مريرة.
رفع هارين حاجبه قليلاً عند رؤيته ذلك.
“يبدو أنها لا تعرف.”
“……سوف تعرف قريبًا. عندما تأتي الآنسة، أتمنى أن تُخبرها أيها السيد الشاب نيابةً عني.”
كان هارين ينظر من أسفل الدرج بتمعّن.
وضعت سوران يدها بلا وعي على صدرها. لم يكن لديها الجرأة لمواجهته مباشرة في هذا الوضع.
“……”
حدّق هارين بسوران دون انقطاع.
كانت مختلفة عن السابق، بدا عليها القلق ولم تستطع النظر مباشرة في عينيه.
حتى عندما هددها من قبل، كانت تنظر إليه بثقة، أما هذه المرة، فقد بدا أنها تتجنبه وكأنها خائفة منه.
“هل تغادرين بصمت بسبب ما فعلتُه في ذلك الوقت؟”
“…….”
“إذا كان الأمر كذلك، فأعتذر. لكن أليس من الصواب أن تودعي أختي قبل المغادرة؟”
قدم هارين اعتذاره بصوت هادئ بلا انفعال. لم يرغب في أن تغادر سوران، التي تعتز بها أخته، بصمت من دون وداع.
وإذا كان سبب مغادرتها الصامتة هو نفسه، فستحزن أخته بالتأكيد.
“لا، لا تعتذر. لن أودع الآنسة سيليا على أي حال.”
لكن لماذا؟ كان وجه سوران محطمًا. كأنها تقول له: لماذا تعتذر لي؟
رأى هارين هذا الفرق الدقيق في تعابير وجهها وقطب حاجبيه.
“……لا يمكنني البقاء هنا إلى الأبد.”
كانت يد سوران التي تمسك الحقيبة ترتجف. حاولت إيقاف هذا الارتعاش، لكنه لم يكن بيدها.
عضّت سوران شفتيها، ثم التقت بعيني هارين الذي كان ينظر إليها من الأعلى.
“أيها السيد الشاب، أنت لا تحبني حقًا. لذلك، لا تعتذر. أنا لست ممن يحق لهم أن يتلقى اعتذارك، وأنت لم تفعل شيئًا يستدعي الاعتذار مني.”
“…….”
كما قالت، هارين لم يكن يحب سوران كثيرًا.
كان ينتقد الاهتمام الذي تمنحه أخته لها، وفوق ذلك، كان يشعر بانزعاج غريب عند رؤيتها.
لكن هذا لا يعني أنه أراد منها المغادرة.
“……حقًا، مزعجة حتى النهاية.”
تمتم هارين بصوت خافت، ولحسن الحظ، لم تسمع سوران ذلك.
“شكرًا لأنكَ جعلتني أقضي وقتًا مريحًا هنا. بلّغ الدوق بذلك أيضًا من فضلك.”
أومأت سوران تحيةً بلا تردد، ثم استدارت، ونزلت الدرج خطوة خطوة.
عندما انتهت من نزول الدرج، سأل هارين.
“إذن، إلى أين أنت ذاهبة الآن؟”
“…….”
“إلى نبيل آخر ربما؟”
توقفت سوران ونظرت إلى هارين.
كيف يمكنه اختيار الكلمات التي تجرحها فقط؟
حتى عندما يقول مثل هذه الكلمات، لم يُظهر أي تعبير. كأنه لا يعرف أنها كلمات تؤذيها.
‘……ها.’
أطلقت سوران نفسًا قصيرًا.
“……ما مصير شابة تهرب من بيتها؟ لا بد أن تعود.”
أدارت ظهرها مرة أخرى إلى هارين. فكرت أنها يجب أن تغادر بسرعة، لكن الوقت استغرق أكثر من المتوقع.
بهذه الطريقة، حتى لو باعت الجواهر التي تلقتها من سكالين وعادت إلى القصر، فستصل متأخرة في الليل أو صباح الغد.
من الواضح أنه من المستحيل عليها الحصول على عربة أسرع.
وعندما كانت على وشك فتح باب القصر، سمعت صوت خطوات سريعة من الخلف.
“……السيّد الشاب؟”
“سأجهز العربة لكِ. اركبيها للعودة.”
“لا داعي لذلك……”
اقترب هارين بسرعة من سوران من فوق الدرج. تجاوز اعتراضها وأمر الخادم أمامه أن يستدعي السائق.
وعندما بقيت سوران مذهولة من تصرفه الصارم، نظر إليها هارين.
“هل تنوين نشر شائعات بأن عائلتنا لم تستقبلكِ كما ينبغي؟ حتى لو كنتِ مغادرة، فلتغادري بطريقة لائقة.”
***
“ماذا تقول؟ عادت إلى القصر فجأة؟”
سألت بدهشة السيد فروين. أومأ فروين برأسه بحيرة.
“نعم…… قال السائق أن الوجهة كانت قصر البارون سيلياس، فهذا مؤكد.”
صُدمت من كلام فروين ولم أستطع قول شيء.
لم أتوقع أبدًا أن سوران، حتى بعد مغادرتها هذا المكان، ستعود إلى منزلها.
كانت قد قالت لي عند قدومها أنها ستذهب إلى مكان آخر.
‘لكن…… لماذا عادت فجأة؟’
جلست ساكنةً ونظرت فجأة إلى هارين بجانب فروين. لم يقل أي شيء.
هل… ربما تشاجرت مع هارين؟ شعرتُ بقلق بلا سبب.
“هارين.”
“ماذا؟”
“أنت…… لم تزعج سوران، أليس كذلك؟”
ابتلعت ريقي. إذا كان هارين هو من أجبر سوران على المغادرة، ماذا سأفعل؟
مع علمي بجريمة والد سوران، كان من الصعب علي أن أعلق على أي تصرف لهارين تجاه سوران.
لكن هارين، وكأنه لا يعرف ما يدور في خاطري، ظل بلا تعبير، لا يُفهم ما يُفكّر فيه.
“لو كنت أنا من أزعجها، لكانت قد غادرت من قبل.”
لكن هارين ابتسم ابتسامة ساخرة، وكأن ما قلته كان سخيفًا.
كان يحاول إيصال رسالة: لا داعي للتمسك بالمسألة بعد الآن.
“لا بأس. على أي حال، سنلتقي بعد أيام قليلة.”
“……لكن.”
“هي في الأصل فتاة لم يكن بإمكانها البقاء هنا إلى الأبد. من الأفضل أن يكون الأمر كذلك. بعد مراسم التنصيب هناك أيضًا مراسم تأبين، لذا سيكون الأمر أقل إزعاجًا.”
استدار هارين ورحل أولًا.
يبدو أنه تحدث مع سوران، لكنّه يتحاشى إخباري مباشرة بما دار بينهما.
‘مالذي حدث حقًا……؟’
وهكذا، ومع بقاء الغموض والقلق، اقترب يوم تنصيب سكالين.
التعليقات لهذا الفصل " 77"