75. الكذب
عندما قادني إلى أرقى مطعم في الإمبراطورية، ظننت أن هذا معقول.
خلال الغداء، لم يرد أي حديث عن ملجأ لوآ، لكن بما أننا كنا نتناول الطعام، فقد تفهمتُ ذلك.
لكن……
‘ما هذا الموقف بالضبط……؟’
حدقت بدهشة في الكعكة الموضوعة أمامي.
كانت كعكة اسفنجية تبدو لذيذة، مزينة بالفراولة الناضجة. بجانبها، كان هناك شاي أسود معطر.
“ألا تناسبُ ذوقكِ؟”
“……نعم؟”
“ظننت أنك ستحبينه، لذلك طلبتُه. هل تريدين شيئًا آخر؟”
ناولني سكالين الكعكة الموضوعة أمامه.
كانت كعكة شيفون بسيطة، مزينة بالفواكه فقط، وهي الأقل حلاوة من بين جميع الكعكات المتوفرة هنا.
“لا……. ليست هذه هو المشكلة……”
نظرت حولي. ستائر مخملية فاخرة، وثريات كريستال مزخرفة.
الأرض مغطاة برخام فاخر، والزخارف مطلية بالذهب في كل مكان.
‘كما توقعت، هذا هو المكان الذي أرادت فريل أن تأخذني إليه من قبل.’
سمعت عن هذا المكان سابقًا.
هناك متجر للحلويات مشهور جدًا في الساحة، يقف فيه النبلاء في طوابير لتذوق الحلويات.
الشيف من أصل نبيل من بلد آخر، لذلك حتى نبلاء الإمبراطورية يجب أن يحجزوا مسبقًا.
فريل كانت مصرّو أن نذهب معًا يومًا ما…… لكن لم أتوقع أن أزور هذا المكان أولًا مع سكالين.
علاوة على ذلك، أليس هذا المكان علنيًا جدًا ليكون لقاءً سريًا؟
نظرت إلى سكالين نظرة سريعة. كان لا يزال يراقبني كما لو كان ينتظر ردي.
“إذًا ما المشكلة؟”
سأل سكالين، مائلاً رأسه وكأنه حقًا لا يعرف.
“ألم تقل لي اليوم إن لديك شيئًا لتخبرني به عن الملجأ؟”
“نعم.”
“فلماذا جئنا إلى هنا إذًا؟”
سألته بارتباك، لكنه نظر حوله ببراءة وكأنّه لا يعرف شيئًا.
“هل هناك مشكلة؟”
‘هل تسمع ما أقول؟’
حتى وإن كانت جدران الطاولة عالية من الجانبين، إلا أن الضوضاء المعتادة وأحاديث الناس تتسلل عبر الجدران بوضوح.
أي حديث بيننا يمكن أن يُسمع بسهولة.
“المكان علني جدًا. لو سمع أحد ما، قد يكون الأمر محرجًا حتى لصاحب السمو……”
“سكالين.”
قطع كلامي على الفور بحزم.
“يجب أن تناديني سكالين، سيليا.”
ابتسم لي بتلك الطمأنينة المبالغ فيها، بينما أنا قلقة من من يمكن أن يسمعنا.
كان هذا الموقف مزعجًا بطريقة غريبة.
“طالما لا تستخدمين اللقب، فلن يهتم بنا أحد.”
“…….”
“حسنًا، إذا شعرتِ بالقلق الشديد، سأجلس بجانبك.”
همس في أذني: ولن يسمعنا أحد.
كان يتظاهر بأنه يهمس للعبث بي، سكالين اليوم غريب جدًا.
“……يبدو أن مزاجكَ ممتاز جدًا اليوم؟”
نظرت إليه بحدة وهو يبتسم بلا مبالاة.
“لا مفرّ من ذلك.”
أومأ سكالين برأسه فورًا، وكأن الأمر بديهي.
“مضى وقت طويل من آخر مرة خرجتُ فيها.”
“…….”
كان سكالين يبدو مستفزًا للغاية، لكن كما يقال: لا يمكن أن تبصق في وجه مُبتسم.
وهو يتحدث بابتسامة مشرقة هكذا، يجعلك تشعر بالضيق منه، ثم لا تلبث أن تضحك دون قصد.
“حسنًا، موافقة. لكن إذًا… عندما أناديك بـ… على أي حال، لا يحق لك الاعتراض إن ناديتك بالاسم.”
“أعدكِ.”
حسنًا، طالما الأمر كذلك…
أومأت برأسي أمام إجابته الواثقة.
لقد نبهته، وهو قال إن لا مشكلة لديه، فلا داعي لأن أرفض أكثر.
وإن شعر بالقلق، فسيتحدث بهدوء من تلقاء نفسه……
وبينما كنت أنظر إليه، التقطت فنجان الشاي الموضوع أمامي.
رغم مرور وقت لا بأس به منذ تقديمه، إلا أن الشاي الأسود كان لا يزال ساخنًا.
وحين داعب أنفي عبيره الخفيف، تحسّن مزاجي، فارتشفت رشفة صغيرة.
انتشر الدفء والنكهة الناعمة في فمي، وهدّأ قلبي في لحظة.
‘مجرد شاي، ومع ذلك أفهم لماذا هو مشهور…….’
ارتشفت رشفة واحدة فقط، لكنني فهمت لماذا كانت فريل ترغب بشدة في القدوم إلى هنا.
فهي تعشق الشاي حقًا.
وقد أعجبني مذاقه العميق، فرفعت نظري المتحمس نحو الكعكة أمامي.
لسبب ما، بدت الفراولة التي تعلوها متلألئة حتى.
وفي اللحظة التي أمسكت فيها الشوكة لأتناول الفراولة—
“……مالأمر؟”
التقت عيناي بسكالين، الذي كان يستند بذقنه إلى الطاولة ويحدّق بي مباشرة.
…بهذا الشكل، كيف يمكنني أن آكل أصلًا؟
وبشيء من الإحراج، سألت وأنا مترددة.
“لماذا تنظر هكذا؟”
فسألني هو بدلًا من ذلك.
“إذًا، متى ستنطقين به؟”
“ها؟ ماذا……؟”
“بعد أن تنتهي من الكعكة.”
تحركت نظراته نحو الكعكة أمامي، ثم عاد ليطيل النظر في عيني.
“لمَ لا تنادينني باسمي مرة واحدة؟”
***
في النهاية، لم أقُل شيئًا حتى انتهينا من تناول الحلوى.
خرجتُ أنا وسكالين من المتجر، وسرنا ببطء نحو الزقاق حيث تنتظر العربة.
لا بد أن الحرس قريبون، وكان بإمكاننا أن نفترق الآن، لكننا واصلنا السير معًا وكأننا متفقان.
في الحقيقة، قضيت وقتًا طويلًا معه اليوم.
مطعم فاخر، ثم متجر حلويات شهير… زرنا كل ذلك.
ومع هذا، لم أسمع الحديث الذي جئت من أجله، بل تبادلنا أحاديث جانبية فقط.
‘بهذا الشكل… يبدو وكأننا خرجنا في موعد.’
يقال إنّ اللّحظة التي يدرك فيها المرء واقعه، ينتهي.
شعرت وكأنني خرجت في موعد مع سكالين اليوم، فاشتعلت الحرارة في وجهي.
مجرد بضع محادثات، ومع ذلك أتوتر هكذا… حقًا، هل عليّ أن أُظهر أنني لم أواعد أحدًا من قبل هكذا؟
“إذًا، في النهاية لم أسمع اليوم شيئًا عن ذلك الأمر.”
تظاهرت باللامبالاة حتى لا يلاحظ سخونة وجنتيّ.
“في المرة القادمة، لنلتقِ في قصر الأمير بدل الأماكن المزدحمة.”
قلت ذلك بابتسامة متكلفة.
في الحقيقة، لم أكن أظن أن المكان يهم… لكن يبدو أنني كنت مخطئة.
في قصر الأمير، ربما لاعتيادي عليه، لم أشعر بهذا الإحساس قط ونحن وحدنا.
“الحديث الذي لم أسمعه اليوم، من فضلك أخبرني به في فرصة أخرى. إن استدعيتني حينها، سأحضر فورًا.”
بدأ الزقاق الذي التقينا فيه أول مرة يظهر تدريجيًا.
شعرت بنظراته عليّ، لكنني واصلت النظر إلى الأمام.
حتى لو بدا موقفي متصلبًا، لم يكن بيدي حيلة. لم أستطع التحكم بهذا الارتباك.
ومع اقترابنا من الزقاق وظهور عربتي من بعيد، كسر الصمت فجأة.
“قال لي أليكسند ذلك.”
“…….”
“قال إن ضبط الحالة الجسدية ضروري قبل بدء مراسم تنصيب ولي العهد.”
…ماذا؟
تفوه بكلام مفاجئ، فالتفت نظري إليه تلقائيًا.
“لذلك نمت جيدًا، ومارست قدرًا مناسبًا من الرياضة، وتناولت طعامًا صحيًا… لكن حالتي لم تتحسن.”
“…….”
التقت أعيننا.
هي نفس العينين اللتين رأيتهما طوال اليوم، لكنهما بدتا الآن أكثر احمرارًا بشكل غريب.
“لذلك دعوتكِ.”
“…….”
لم يكن سكالين يبتسم.
لم تكن هناك تلك الابتسامة الماكرة المعتادة.
بدا وكأنه يعبّر عن صدقه الحقيقي في هذه اللحظة.
“وفجأة… تحسنت حالتي تمامًا.”
عندها فقط ارتفعت زاوية شفتيه.
تلك الشفاه الخفيفة دائمًا، ارتسمت عليها الابتسامة من جديد.
توقف سكالين ونظر إليّ، ثم اقترب خطوة.
لا، بل قرّب شفتيه من أذني تحديدًا.
“أعتذر عن استدعائك بالكذب، لكن بما أنكِ سببٌ أيضًا في تعجيل مراسم التنصيب، فهلّا تسامحينني هذه المرة؟”
“…….”
ابتعدت شفتاه عن أذني في لحظة.
وعاد يبتسم بمكر، وكأنّه لم يكن جادًا قبل ثوانٍ.
كم هو واثق وهو يعترف بالكذب هكذا… بل جعلني في موقف لا أستطيع فيه إلاّ أن أسامحه.
حدقت به للحظة، ثم نظرت حولي بسرعة.
لحسن الحظ، لم يكن هناك أحد.
لم يهتم أحد بنا في هذا الزقاق المنعزل.
“……سأسامحكَ اليوم فقط.”
ربما لهذا السبب.
شجاعة لم تكن لتظهر في الظروف العادية، اندفعت داخلي فجأة.
“إذًا، سأغادر أولًا اليوم……!”
“…….”
“إلى اللقاء، سكالين……!”
وبمجرد أن أنهيت كلامي، هربت من المكان كأن ذيلي يحترق.
كنت أود أن أرى تعبير وجهه، لكنني لم أملك الجرأة لألتفت.
عدت إلى العربة وأنا ألهث، ورأيته من بعيد ينظر نحوي ثم يدير ظهره.
هذا الخفقان الجنوني… لم يكن سيئًا.
‘الآن فقط… تأكدت.’
بعد لقائه اليوم، كان قلبي في فوضى، لكنه حسم أمره أخيرًا.
أنا لا أستطيع التخلي عن سكالين.
لذا، حتى لو رأيت الكتاب، لن أعود لربطهما ببعض.
لقد قررت بالفعل إفساد القصة الأصلية.
إذًا……
لم يبقَ سوى طريقة واحدة.
ابتلعت ريقي.
الخلاصة الوحيدة التي وصلت إليها بعد أيام من التفكير هي هذه.
الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها حماية سوران.
“يجب أن أخبر سوران بالحقيقة.”
أن أقطع صلتها تمامًا بالبارون رانتيش.
التعليقات لهذا الفصل " 75"