67. سوء فهم
اصطحبتُ سوران إلى غرفتي.
فما ستقوله لي سوران لا بدّ أن يكون متعلّقًا بسكالين.
“تفضّلي بالجلوس هنا.”
أرشدتُها إلى الطاولة الموجودة في الزاوية. دخلت سوران على دراية بالمكان وجلست أمامي.
‘يبدو أنّها المرّة الأولى منذ زمن طويل التي أجلس فيها وجهًا لوجه مع سوران….’
لقد طال فراقنا فعلًا.
بعد قدوم سوران إلى هنا، كنّا نتبادل الأحاديث أحيانًا، لكن منذ عودتها من لقائها بسكالين، لم نجلس معًا هكذا مرة واحدة.
فكلّما اقتربت منّي طالبة الحديث، كنتُ أختلق عذر الانشغال وأؤجّل الأمر مرارًا.
‘كنتُ حقًّا في منتهى السوء. حتى إنني عقدتُ العزم وحدي على أن أتحدّث معها بعد أن يُحسم أمر زواجي.’
كنتُ أصلًا، وأنا في العربة، أنوي أن أكون أنا من يفتح الحديث معها اليوم…
لكن في النهاية، جعلتُها هي من يبدأ بالكلام.
“آنستي، لديّ ما أقوله لكِ بخصوص صاحب السموّ سكالين، كما طلبتِ منّي سابقًا.”
“نعم، سوران. كان ينبغي أن أسألكِ أنا أولًا، أنا آسفة. قلتِ آنذاك إن لديكِ ما تقولينه، أليس كذلك؟”
بدت ملامحها جادّة على غير العادة. شعرتُ بالتوتّر حيال الكيفية التي ستقيّم بها سوران سكالين.
ومع شعوري بجفافٍ في شفتيّ، ارتشفتُ قليلًا من الشاي الأحمر الذي قدّمته آنا.
وبينما كان الصمت الهادئ يسود بيننا، نهضت سوران فجأة من مكانها.
“في البداية… أعتذر منكِ، آنستي.”
هاه؟
انحنت سوران وقدّمت لي اعتذارًا. فوجئتُ بتصرّفها المفاجئ، فسارعتُ إلى إيقافها.
“ما الأمر يا سوران؟ هكذا فجأة، أنت تُربكينني حقًا.”
“….”
“لماذا تعتذرين لي؟”
عند سؤالي، تردّدت سوران وحرّكت شفتيها بتردّد.
توقّفت لحظة، ثم بدأت تتكلّم ببطء، وببطء شديد.
“…لم أُنجز الأمر الذي أوكلتِه إليّ، آنستي، كما ينبغي.”
“ماذا؟”
“كانت تلك أوّل مرّة تثقين بي وتطلبين منّي شيئًا… ولا أستطيع رفع رأسي خجلًا.”
كانت كتفاها منحدرتين وهي تعتذر لي.
وأنا، وأنا أراها على تلك الحال… كنتُ في غاية الارتباك.
لأنني لم أكن أفهم على الإطلاق عمّا تتحدّث.
“سوران، لا أفهم ما تقولينه. في ذلك اليوم، أنجزتِ طلبي على أكمل وجه. كلّ الهدايا التي جلبتِها كانت من الأمير سكالين، أليس كذلك؟”
“…نعم، هذا صحيح.”
“إذًا، فقد قابلتِ سموّ الأمير كما طلبتُ منكِ.”
فما المشكلة إذًا؟
نظرتُ إليها وأنا أعقد حاجبيّ بدهشة، لكن سوران هزّت رأسها بوجهٍ كئيب.
“…آنستي، لقد طلبتِ منّي أن ألتقي بسموّ الأمير وأرشدَه في الساحة، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح…؟”
“في الحقيقة، في ذلك اليوم، ما إن رآني سموّه حتى عاد أدراجه فورًا.”
لم أفهم الأمر للحظة.
ففي تلك الليلة، عادت سوران إلى القصر وهي تحمل الهدايا التي قدّمها لها سكالين، بل وفي وقتٍ متأخّر أيضًا.
“ما معنى هذا…؟ إذًا ما تلك الهدايا؟”
“الهدايا التي جلبتُها آنذاك هي فعلًا هدايا أرسلها سموّه. لكنها لم تكن أشياء اشتريتها مع الأمير، بل اشتراها أحد خدّم القصر الإمبراطوري وأرسلها إليّ.”
“…ولماذا تكلّف سموّه عناء فعل ذلك؟”
ما زلتُ غير قادرة على استيعاب كلامها.
لو كان غاضبًا إلى حدّ العودة فور رؤيتها، لكان يكفي أن يفترقا وحسب.
فلماذا أصرّ سكالين على إعطائها الهدايا؟
“لا أعلم. لكن سموّه وضع شرطًا واحدًا مقابل إعطائي الهدايا.”
“نعم؟ وما هو؟”
“ذلك….”
تكلّمت سوران بتردّد واضح، وكأنها هي نفسها لا تفهم سبب هذا الشرط.
“طلب منّي أن أُبلِغكِ بأنني، وفقًا لطلبكِ، قمتُ بإرشاده في الساحة.”
“….”
“ومن ثم….”
ومع سماعي لكلام سوران، انحلّ الخيط الذي لم أستطع فهمه طوال الوقت.
لماذا جعل سكالين الأمر يبدو وكأنه سار كما أردتُ أمام سوران.
ولماذا، رغم إرسالي لها بشكلٍ مفاجئ، لم يُبدِ أي غضب تجاهي.
“يبدو أن سموّ الأمير قد تألّـم كثيرًا لأنني خرجتُ بدلًا عنكِ، آنستي.”
على ما يبدو، سكالين يحبّني أكثر ممّا كنتُ أظنّ.
***
تنفّس سكالين بعمق.
في ذلك اليوم، غادر ملجأ لوا هاربًا تقريبًا. ولحسن الحظ، لم يدرك أحد ما يختلج في قلبه.
فقد بدا للجميع مجرّد أميرٍ متّجه لأداء واجباته.
لكن ما إن عاد سكالين إلى القصر الإمبراطوري، حتى امتلأ رأسه بالتعقيد والفوضى.
‘…لقد أخطأت. لم يكن ينبغي أن أقترب بتسرّع.’
كان ذلك خطأً صنعته مشاعر عابرة.
لم يكن ينوي أبدًا أن يتقدّم إليها بطلب زواج بتلك الطريقة غير اللائقة. والأسوأ من ذلك، أنه وضع عبئًا على سيليا بينما قلبها لم يكن موجّهًا إليه بعد.
عضّ سكالين على شفته السفلى بقوة. لم يكن قادرًا على مسامحة نفسه حتّى على هذا الخطأ الصغير.
بعد أن التقاها مجددًا بصعوبة، لم يكن ليستطيع أن يخسر سيليا بسبب تصرّف أحمق.
لكن—
“…الاعتذار يُعدّ غشًّا، سيليا.”
أن تقوم سيليا بنفسها بهدم كل ما خطّط له سكالين ليجعلها ملكه بالكامل…
ذلك أمر لم يستطع سكالين التحكم فيه.
في تلك اللحظة، دخل أليكسند إلى مكتب سكالين. وكان خلفه أديل، التي عانى معه طوال ذلك اليوم.
كان كلٌّ منهما يحمل مستندات ليقدّمها لسكالين.
“سموّ الأمير، تمّ التأكّد من هويّة الرجلين.”
قدّمت أديل المستندات إلى سكالين. كانت تحتوي على معلومات الرجلين اللذين قبضوا عليهما في ذلك اليوم.
“أديل.”
“نعم، سموّ الأمير.”
“هل المعلومات الواردة هنا دقيقة؟”
“نعم، تبيّن أنّها كلّها صحيحة.”
عند جواب أديل الواثق، أعاد سكالين تصفّح المستندات التي استلمها.
وكان مذكورًا فيها أن كلا الرجلين اللذين حاولا التخلّص عن الطفل غير متزوّجين.
“…ها.”
ارتسمت على شفتي سكالين ابتسامة ساخرة. كان يظنّ أن أحدًا ما أمرهم بترك الأطفال هناك، لكن تبيّن أن الأطفال ليسوا أبناءهم أصلًا.
بدا أن الأمور قد تصبح أعقد ممّا توقّع.
“سموّ الأمير، هل تسمح لي بتقرير أمرٍ آخر؟”
تقدّم أليكسند قليلًا إلى جانب أديل. فأومأ سكالين برأسه بخفّة وهو لا يزال ينظر إلى المستندات.
“بخصوص الغابة التي ذكرتً أنّك ستجعلها ملكية خاصّة للقصر الإمبراطوري.”
“نعم، ما الأمر؟”
“قد يكون ذلك… صعبًا بعض الشيء.”
تقلّصت ملامح سكالين بوضوح.
تلك الغابة لم تكن ملكًا لأحد. ولو كانت مملوكة بالفعل، لما ترك صاحبها الأطفال يلعبون فيها دون تدخّل.
“وما السبب؟”
“بعد التحقّق… تبيّن أن هذه الأرض هي بالفعل ملكية خاصّة لشخصٍ ما.”
“ماذا؟ وأين هو الآن؟”
ازدادت حدّة العبوس في وجه سكالين.
كان قد شعر بذلك وهو يطّلع على مستندات أديل، لكن يبدو أن عدد من يتصرّفون خارج المنطق أكثر ممّا توقّع.
كان متيقّنًا تمامًا أن المكان ليس ملكًا خاصًّا لأحد، لذا شعر وكأنه تلقّى ضربة مفاجئة.
لكن عند سؤال سكالين، تردّد أليكسند قليلًا قبل أن يتكلّم.
“…ذلك الشخص غير موجود في أي مكان حاليًا. لقد توفّي قبل عشر سنوات.”
“إذًا، ألا يعني هذا أنّه لا يوجد مالك حالي؟”
“لا. لديه ابن، وقد ورث الابن جميع ممتلكاته.”
أطلق سكالين ضحكة قصيرة مليئة بالاستغراب.
الأمور التي ظنّها ستسير بسلاسة بدأت تتعطّل واحدة تلو الأخرى.
وضع يده على جبينه، وشعر بصداعٍ حادّ يداهمه.
“إذًا تواصلوا مع الابن. أخبروه أنّ لديّ ما أتحدّث معه بشأن هذه الأرض.”
“حتى هذا قد يكون صعبًا….”
كان أليكسند يتكلّم وهو يراقب ملامح سكالين.
لم يعد هناك مجال لمزيد من العبوس في وجهه؛ فالأمور كانت متشابكة أكثر من اللازم.
“فالأمر هو… أن الابن، منذ وفاة والده قبل عشر سنوات، لا يزال يسافر بين الدول في مغامرات.”
“حقًّا، الأمور لا تنقصها التعقيدات.”
رفع سكالين يده عن جبينه ومشط شعره إلى الخلف. فانزاح شعره الذي كان يغطي جبهته في لحظة، ليمنحه مظهرًا مختلفًا تمامًا.
“إذًا، ألا توجد أي طريقة على الإطلاق لأحصل على ملكية تلك الغابة منه؟”
تنفّس سكالين تنهيدة خفيفة. كان هذا المخطّط جزءًا مهمًّا من تصميمه للمستقبل.
سواء في علاقته بسيليا، أو في مسيرته نحو هدفه، فإن الغابة وأطفال ملجأ لوا كانوا سيؤدّون دورًا كبيرًا.
وفوق ذلك، كان ذلك المكان واحدًا من الأماكن القليلة التي لا يمكن لوالده، الإمبراطور، أن يعرف عنها شيئًا.
وحتى لو علم بها، فلن يهتمّ سوى بتوبيخه على اقتناء غابةٍ عديمة القيمة كملكية خاصّة، دون أن يدرك أهميّتها الحقيقية.
“…هناك طريقة واحدة فقط، سموّ الأمير.”
“وما هي؟”
تردّد أليكسند لحظة، ثم أطلق زفرة خفيفة وهو ينظر إلى سكالين.
كان تعبيره يوحي بأن هذا هو الخيار الوحيد.
“أن تصبح وليّ العهد، وتستخدم صلاحيات النيابة عن الإمبراطور لضمّ الأرض إلى ملكيتك الخاصّة.”
التعليقات لهذا الفصل " 67"