طوال طريق العودة من ملجأ لوا إلى القصر، كنتُ غارقة في أفكاري.
لم تكن سوى مدة يوم واحد، لكن الوقت الذي قضيته هناك بدا لي وكأنه مملوء بالفوضى من أوله إلى آخره. الزيارة التي تصوّرتها لم تكن بهذا الشكل أبدًا.
كان الإحساس وكأن كل شيء قد تعقّد على نحوٍ غريب.
ومع ذلك، أدركتُ حقيقة واحدة مؤكدة، حقيقة لم تكن معقّدة على الإطلاق.
“…يعني أن سكالين يحبّني.”
رفعتُ بصري نحو الغيوم البيضاء خلف النافذة. ولسببٍ ما، جعلتني الغيوم أتذكّر سكالين ذي الشعر الفضي.
وبينما كانت العربة تتقدّم وهي تهتزّ ، كانت الغيوم تتبعني ببطء.
“إنه صادق… أليس كذلك؟”
فمنذ متى؟ هل أصبحتُ فجأةً محطّ إعجابه؟
تمتمتُ بذلك مع نفسي. مهما فكّرت، لم أجد في هذا كله سوى الارتباك.
من المؤكد أنّني تلقيتُ بالأمس عرض زواج من سكالين.
كانت ليلة يغمرها ضوء القمر بتألّقٍ مبهر، حتى بدت كسراب منتصف الليل، لكنها كانت واقعًا لا شك فيه.
لقد اختارني أنا، لا سوران سيلياس.
ولم يكن ذلك انجرافًا مع الجوّ، ولا شعورًا عابرًا يمرّ في لحظة. لقد كان إخلاص سكالين الحقيقي.
ما إن تذكّرتُ تلك الليلة حتى عاد قلبي، الذي كان قد هدأ، يخفق بعنف من جديد. وفي تلك اللحظة، شعرتُ بالارتياح لأنني كنتُ وحدي في هذا المكان.
فلو كان معي في العربة كما حدث بالأمس، لانكشف بالتأكيد هذا الصوت الصاخب لقلبي الخافق.
وعندها، لعلّه كان سيرسم على شفتيه تلك الابتسامة العابثة المعتادة. ظهرت ملامحه المليئة بالمزاح حيّةً في ذهني.
‘إذًا، ما الذي كانت تعنيه تلك الهدايا التي قدّمها لسوران؟’
عندها، طرأ على ذهني فجأة أمرٌ أقلقني.
تذكّرتُ اليوم الذي التقى فيه سكالين بسوران، وتلك الهدايا الكثيرة التي كانت مبعثرة حولها.
لقد تقدّم لي بطلب الزواج، لكنه أغدق على فتاةٍ التقاها للمرة الأولى عددًا لا يُحصى من الهدايا.
ومع ذلك، لم يسألني عنها بشيء. كان تصرّفه يوحي وكأن وجودها نفسه لا يعني له شيئًا، وهذا ما زاد من حيرتي.
…كان ينبغي أن أوافق حين طلبت سوران التحدّث معي.
مرّرتُ يدي بضيق على شعري الطويل المنسدل إلى الخلف. كان هذا عقابًا لي لأنني تهرّبت منها خوفًا من سماع ما ستقوله.
“وإذا… حقًّا إذا….”
لو لم تكن علاقتهما شيئًا يُذكر.
وإن كان صحيحًا فعلًا أنّ سكالين يحبّني…
فماذا عليّ أن أفعل؟
في تلك اللحظة، أصبح ذهني صفحةً بيضاء خالصة. شعرتُ بالسعادة والارتباك معًا، لكن في الوقت ذاته راودني تساؤل عمّا إذا كان يحقّ لي ذلك.
يبدو أنّني لن أتمكّن من النوم ولو لحظة واحدة طوال الطريق إلى القصر.
***
عند كلمات هارين، أطبقت سوران شفتيها بإحكام. لقد أهانها صراحةً.
كان كلامًا يعرفه الجميع، لكن لم يجرؤ أحد على التفوّه به علنًا.
إلا أنّ هارين، في هذه المسألة التي لم ترُق له، أصرّ على إخراجها إلى العلن.
“….”
“….”
تطاير شررٌ غير مرئي بين الاثنين.
في الأصل، لم يكن مسموحًا لسوران، بحكم مكانتها، حتى أن تخوض مع هارين تبادل نظرات كهذا.
لكنها كانت بطلة الرواية الأصلية. ولذلك، مهما كان هارين ابن دوق، كان لا بدّ لها من قول ما يجب قوله.
“صحيح. أنا، التي لم أنل يومًا حبّ العائلة أو قلقها، قد لا أفهم جيدًا.”
نظرت سوران مباشرةً في عيني هارين. كان في عينيها عنادٌ صغير.
“لكنني أعتقد أنّني أفهم جيدًا أنّ هذا التعلّق المفرط من جانبك أيها السيد الشاب، لن يفيد الآنسة سيليا مستقبلًا بأيّ شكل.”
قالت ذلك بوضوح وقوّة.
أن تقول إن هارين لم يكن مخيفًا لكان كذبًا. ومع ذلك، لم ترغب سوران في رؤية سيليا، التي عاملتها كأختٍ صغرى، تقع في موقفٍ محرج أو صعب.
كانت تحدّق بعينيها على اتّساع كي لا تخسر أمام هارين. لكن، هل كان ذلك تدخّلًا مفرطًا فعلًا؟
“…ها.”
في تلك اللحظة، أطلق هارين ضحكة ساخرة لم يستطع كبحها. في عينيه وهو ينظر إليها، تلألأت شرارة غضبٍ خفيفة.
أخذ يفكّر ماذا عليه أن يفعل مع هذه الآنسة الصغيرة التي لا تعرف شيئًا ومع ذلك تتدخّل في شؤونه.
هذه المرأة شخصٌ تعتزّ به أخته، ولو ألحق بها أذى فستحزن أخته كثيرًا.
لكن مع ذلك، لم يعد ممكنًا التغاضي عمّا فعلته، فقد تجاوزت بالفعل الحدّ الذي يستطيع هارين تحمّله.
“يبدو أن ذكائك لا يخبركِ إلا بهذا القدر.”
“…ماذا قلت؟”
“هل يعقل أن تتدخّلي في شؤون عائلة وأنتِ لستِ حتى فردًا منها؟”
رفع هارين زاوية فمه. لكن الذي ارتفع كان طرف الفم فقط، ولم يكن مظهره يوحي بأنه يبتسم فعلًا.
كان مجرّد نظرٍ ينظر به إلى سوران من علٍ، نظرة تُشعرها بوضوح بالفارق بين مستواه ومستواها.
وفي تلك اللحظة، فجأة، انطلق صوت آنا من خلفهما.
“الآنسة سيليا؟!”
***
عندما عدتُ إلى قصر الدوق، ألقيتُ نظرة سريعة حولي.
القصر الذي استغرق يومًا كاملًا للعودة إليه كان يلفّه جوّ أبرد بكثير مما توقّعت.
‘كنت أتوقّع ذلك، لكن… يبدو أنّ الأجواء لم تكن جيّدة فعلًا.’
في الردهة، كان جميع أفراد القصر مجتمعين باستثناء والدي.
بعضهم تفاجأ بظهوري، وبعضهم ناداني واقترب نحوي، لكن رغم ذلك ظلّ الجوّ كئيبًا.
“أختي!”
اندفع هارين نحوي فورًا وهو يناديني بلهفة. وبالنظر إلى السيف المعلّق عند خاصرته اليمنى، بدا وكأنه كان على وشك الخروج للبحث عني.
من حسن الحظ أنّني وصلت باكرًا، حقًّا….
“أين كنتِ بالضبط؟ هل أُصبتِ في أي مكان؟”
راح يتفحّصني من هنا وهناك، كما لو كان يتأكّد من مظهري، تمامًا كما فعلتُ أنا مع بيتشي من قبل.
“لم أُصب بشيء، هارين.”
“إذًا لماذا لم تعودي أمس؟”
اقترب منّي فجأة. كان وجهه ممتلئًا بالخذلان وخيبة الأمل.
“كنتُ فقط ألعب مع أطفال الملجأ لطيفين، فبقيتُ معهم ليلة إضافية.”
“….”
“لم يحدث أي شيء، ولم يكن هناك أي خطر. لذلك يمكنك أن تطمئن.”
دفعتُ جبينه بإصبعي إلى الأمام، فتراجع هارين بلا قوّة. من ملامحه المتعبة، بدا واضحًا أنّه لم ينم ولو لحظة هذا اليوم.
…رؤيته هكذا تجعل قلبي ينقبض بلا داعٍ.
“كم هذا مريح….”
تنفّس هارين الصعداء، بل وجلس أرضًا من شدّة القلق الذي كان يشعر به.
لو أخبرته أنّني ضللتُ الطريق في الغابة أيضًا… لكانت فوضى حقيقية.
في تلك اللحظة، شعرتُ بمدى صواب قراري بعدم اصطحابه معي.
“أرأيت؟ لا شيء على الإطلاق، فلا تقلق.”
ربّتُّ على رأس هارين الجالس أمامي. في مثل هذه اللحظات، كان يبدو وكأنه لم يغادر بعد صورة الطفل الذي كان عليه.
منذ صغره وهو يعتمد عليّ كثيرًا… من الطبيعي أن يقلق كثيرًا عندما لا أعود بعد مرور يوم كامل.
“آنستي!”
ما إن انتهى لقائي المؤثّر مع هارين، حتى جاءت آنا مسرعة، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة، يتبعها السيد فروين.
“آنستي، على الأقل كان عليكِ أن تُعلمينا! لقد أقلقتِنا حقًّا…!”
“حتى الدوق، عندما سمع أنّكِ لم تعودي الليلة الماضية، كان قلقًا جدًا. أظنّ أنّه من الأفضل أن تخبريه فور عودتك اليوم. ثم آنستي… أرجوكِ، في المرة القادمة أرسلي فارسًا واحدًا على الأقل مسبقًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 66"